п»ї Ш§Щ„Ш§ШіШЄШ§Ш° Ш№Ш±ЩЉШЁ Ш§Щ„Ш±Щ†ШЄШ§Щ€ЩЉ
  

مقالات > > ما أصعب أن تكون كاتباً مستقلاً في زمن "المحاور" و"الاستقطاب"...الأردن مثالاً

مقالات - الحرة - التاريخ: 2020-09-13
كتب عريب الرنتاوي

يمتد تأثير بعض الدول الخليجية، النافذة على نحو خاص، خارج حدودها ... القيود التي تفرضها على حرية الصحافة والإعلام والرأي في بلدانها، لا تقف عند حدودها، بل تطاول الدول "المتلقية" للعائدات النفطية، إن على شكل مساعدات أو تحويلات العاملين من أبناء وبنات هذه الدول المغتربين في عوالم النفط والأعمال، بحثاً عن "لقمة عيش" متعذرة في مواطنهم الأصلية.
 
سأصدر عن تجربة شخصية، ككاتب احتفى قبل بضعة أسابيع، بمناسبة مرور "ربع قرن" على "تورطه" في كتابة المقال اليومي في صحيفة وطنية أردنية، وهي وإن كانت تجربة شخصية، إلا أنها تعكس واقع حال مقيم، تمتد تأثيراته إلى كل من يحاول التصدي لـ"الشأن الإقليمي" في منطقتنا العربية.
 
أنت تستطيع أن تكتب عن "الأزمة اليمنية" ولكن من وجهة نظر ما يسمى بـ"التحالف العربي" بقيادة السعودية، ما لم تكن مستتبعاً لمحور تركي – قطري، أو لمحور إيراني، عاملاً في واحدة من وسائلهما الإعلامية ... أن تكون كاتباً مستقلاً، غير تابع أو مستتبع، عاملاً في مؤسسة إعلامية وطنية، محظور عليك القول أن ثمة جريمة إنسانية مروّعة تقترف بحق الشعب اليمني الفقير، المحاصر والمجوّع ... يمكنك أن تشير إلى ذلك من زاوية تحميل "الحوثي" و"إيران" المسؤولية عن هذه الكارثة، أما حين يطاول القصف الجوي والصاروخي لطيران التحالف المذكور، مدارس وأطفال ومدنيين، فهذا أمرٌ له ما بعده ... أن تقول بأن السعودية تغرق في مستنقع اليمن، وأن ولي عهدها لا يعرف كيف يخرج منه بما يحفظ ماء وجهه، فإن "مقص الرقيب" سيكون لك بالمرصاد.
 
أنت تستطيع أن تكتب عن الحاجة لحل سياسي لأزمة اليمن التي طالت واستطالت، بيد أنه محظور عليك، أن تروي فصولاً من قصص "الفشل" التي منيت بها "عاصفة الحزم"، التي كان مقرراً لها أن تحسم الحرب على اليمن في غضون أسابيع قلائل، فإذا بها تمتد لسنوات ست عجاف من دون جدوى، وبدل أن تنجح "العاصفة" في إعادة عبد ربه منصور هادي وحكومته "الشرعية" إلى صنعاء، فإذا بها تُخرجه من عدن، عاصمته المؤقتة، وبدل أن يتحول جنوب اليمن إلى قاعدة انطلاق لطرد الحوثي من الشمال، فإذا به يتحول إلى رمال متحركة، تكاد تبتلع هادي وحكومته وشرعيته ... وبدل أن تنتهي الحرب إلى استعادة وحدة اليمن وسيادته، فإذا بها تضعه على سكة انقسامات متناسلة، لن تتوفق عن الحدود بين شماله وجنوبه، مستحدثةً مزيدٍ من الكيانات الجهوية والقبلية، كما تشير لذلك كافة الدلائل.
 
دعونا من اليمن، ولننتقل إلى ليبيا، حيث بمقدورك أن تقول ما تشاء وقتما تشاء في "هجاء" حكومة السراج، بالرغم من أنها الحكومة الشرعية المعترف بها، بيد أنه يتعين عليك أن تكون شديد الحذر، وأن تتناول "سلوك العسكريتاريا" التي يجسدها الجنرال العجوز خليفة حفتر ... والأهم، أنه محظور عليك أن تشير من قريب أو من بعيد إلى حلفائه وداعميه الإقليميين، سيما دولة الإمارات، بالرغم من أن مختلف التقارير الأممية تشير إلى انتهاك أبو ظبي لقرار الشرعية الدولية، بوقف توريد السلاح إلى أطراف النزاع في ليبيا ... صحيح أن الإمارات ليست وحدها من يخترق هذه القرارات، وأن حفتر ليس وحده، من يتلقى السلاح بالضد من إرادة المجتمع الدولي، لكن الصحيح كذلك، أن الحديث المتاح عن الآخرين، يصبح محظوراً عندما يتعلق بالأمر بسطوة "المال الخليجي".
 
حذار حذار من التطرق لقضايا الحريات والحقوق في تلك الدول، فتلكم من الكبائر المعروفة نتائجها الوخيمة مسبقاً، وثمة في أراشيف المحاكم قضايا لسياسيين وإعلاميين، دخول السجن وتعرضوا للتوقيف بسبب سطوة "اللحظة الخليجية"، لعل أبرزها قضية سجن الإسلامي البارز زكي بني رشيد بتهمة تعكير صفو العلاقة مع الإمارات قبل سنوات، أو توقيف رسام الكاريكاتير المعروف عماد حجاج مؤخراً للسبب ذاته قبل أيام.
 
ويمتد الأمر إلى قضية مثيرة للجدل، طرأت مؤخراً عند توقيع الإمارات على "اتفاق إبراهام" مع إسرائيل والولايات المتحدة ... صديق ظريف، وسياسي كبير، رصد 47 مقال رأي منشورة في صحف محلية، صدرت صبيحة اليوم التالي لإبرام الاتفاق المذكور، فإذا بها تذهب في كل اتجاه باستثناء التعليق على هذا الحدث/ الاختراق، أما المقال الوحيد الذي تسرب من بين شفرتي مقص الرقيب، فكان عبارة عن استنساخ لبيان وزارة الخارجية الأردنية حول الموضوع ذاته، وتلكم واقعة بحد ذاتها، تؤكد ما ذهبنا إليه، بدل أن تنفيه.
 
وحين التأم وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الاستثنائي قبل أيام، تحت مظلة جامعة الدول العربية، وقع أمرٌ مماثل ... غابت التغطيات عن صحفنا الوطنية، التي اكتفت في اليوم التالي بنشر كلمة الوزير الأردني في المؤتمر المذكور، لكأن ما حصل من مشادات ومناوشات غير مسبوقة في تاريخ الجامعة، أمرٌ يحدث كل يوم، ولا يستحق الاهتمام، مع أن السبب الحقيقي لهذا الاستنكاف عن التغطية والتعليق، إنما يعود لتورط بعض دول "اللحظة الخليجية" في المواجهة مع الوفد الفلسطيني ... الصمت الرسمي عن مجريات الاجتماع، وإلزام الكتاب والصحفيين والمحللين بصمت مماثل، تحت طائلة "عدم تعكير صفو العلاقة مع دولة شقيقة"، هو سيد الموقف، مع أنه بمقدورك أن تتناول بالنقد وحتى التجريح، دولاً صديقة وشقيقة أخرى، من خارج نادي الدول الثرية، دون أن تخشى عواقب هذه المادة المبثوثة في عدد من القوانين النافذة؟!
 
لا حصر للموضوعات التي يتعين عليك تجنبها إن أنت أردت لمقالك أن يرى النور في اليوم التالي، وقعت جريمة اغتيال الخاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، وتفاعلت فصولاً في مختلف أصقاع الأرض، من دون أن يكون ممكنا معالجتها بالرأي أو التغطية في صحافتنا الوطنية، لا تصريحاً ولا تلميحاً....توالت فصول الأزمة الخليجية والحصار المفروض على قطر، وطالت واستطالت، من دون أن يكون بمقدورك القول: أنها أزمة مفتعلة، وتندرج في سياق التنازع على النفوذ والأدوار في المنطقة، ومن دون أن يكون بمقدورك القول: أن ما أنفقته الدول المتورطة فيها، كفيل بإعادة إعمار مناطق واسعة من سوريا أو العراق، أو مد يد العون لشعوب شقيقة أخرى، في اليمن والسودان والصومال، على سبيل المثال لا الحصر.
في دراسات عديدة سابقة، تبين أن أكثر من 90 بالمئة من الكتاب والصحفيين الأردنيين، يمارسون نوعاً من الرقابة الذاتية، حتى لا يواجهوا متاعب هم في غنى عنها ... لقد بتنا وبات زملاؤنا، نعرف ويعرفون، "خطوطنا الحمراء" جيداً، ونسعى في تفاديها ... لقد أمكن لنا أن ننتج لغتنا الخاصة، المحمّلة بالإيماءات والإيحاءات بدل البوح والتصريح ... لكننا نفاجئ أحياناً بـ"خطوط حمراء" جديدة، تأخذنا على حين غرة، واحياناً بقرار قضائي غير مفهوم، ويتنافى مع العقل والمنطق ... لقد مُنع الكتاب والصحف ووسائل الإعلام من تغطية أخبار المواجهة بين الحكومة ونقابة المعلمين... وحظر النشر لم يتوقف عند حدود "التحقيقات القضائية" ومن باب "الحرص على سلام التحقيق في قضية منظورة أمام القضاء"، بل تعدى ذلك لحظر إبداء الرأي في المسألة برمتها، قبل أن نتبين كما في مناسبات مماثلة أخرى، بأن النشر مسموح، بل ومرحب به، وثمة من يشجع عليه، طالما أنك تتبنى الرواية الحكومية الرسمية بالكامل.
 
لم يعد الاعلام الرسمي، المملوك (وغير المملوك) من قبل الحكومة، فضاءً رحباً لتلاقح الآراء، ومرآة تعكس التعددية الأردنية ... لم تعد الخطوط الحمراء، ممهورة بعبارة "صُنع في الأردن" .... هامش حرية الرأي والتعبير يضيق، والخطوط الحمراء تتكاثر، وبعضها "مستورد" من دول شقيقة، لديها فائض مالي، وتستضيف أعداداً كبيرة من العاملين الأردنيين في الخارج.
 
لم يعد الاعلام الرسمي، نقطة جذب للكاتب أو المتلقي سواء بسواء، فالفريقان هجرا شاشات التلفزة وصفحات الجرائد إلى وسائل التواصل الاجتماعي، هناك، حيث تتسع الهوامش ويتُاح التعبير عن الرأي، أقله حتى الآن، طالما أن هذه الوسائل، باتت بدورها مطاردة بقوانين الجرائم الالكترونية، وتُعرّض نشطائها لمواجهة "أمن الدولة"، وغالباً بالحجج والذرائع ذاتها، وأهمها: "تعكير صفو العلاقات"؟!