п»ї Ш§Щ„Ш§ШіШЄШ§Ш° Ш№Ш±ЩЉШЁ Ш§Щ„Ш±Щ†ШЄШ§Щ€ЩЉ
  

مقالات > > "اتفاق إبراهام": أبعد من "التطبيع" أقرب إلى "التحالف الاستراتيجي"

مقالات - الحرة - التاريخ: 2020-08-16
كتب عريب الرنتاوي

لم يأخذ كثيرون في المنطقة على محمل الجد، "معادلة وقف الضم مقابل التطبيع"، التي أشهرتها أبو ظبي في معرض تبريرها للاتفاق الثلاثي الذي حمل اسم "اتفاق إبراهام"، والذي اتفقت بموجبه مع إسرائيل، وبرعاية الإدارة الأمريكية، على "تطبيع كامل" للعلاقات بين الدولتين: العبرية والخليجية... فمن جهة أولى، لم تُبِد الإمارات منذ سنوات طوال، اهتماماً ملحوظاً للانخراط في المسألة الفلسطينية وملفات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وهي من جهة ثانية، تحتفظ بعلاقات مشوبة بالفتور مع السلطة الفلسطينية وبالعداء مع حركة حماس، مما يفقدها الأهلية للقيام بدور الوسيط بين طرفي الصراع، ولأن البيان الثلاثي من جهة ثالثة، لم يقل "وقف" الضم، بل "تعليقه"، فما ورد تلميحاً ومختصراً في البيان الثلاثي، جاء تفصيلاً في تصريحات بنيامين نتنياهو بعد صدور البيان، وقبل أن يجف حبره: لا تراجع عن وعوده بسط السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، ليتبعه السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان موضحاً: تعليق الضم "مؤقت".
 
إذاً، ما الذي يدفع أبو ظبي لاتخاذ قرار بـ"التطبيع الكامل" للعلاقة مع إسرائيل، وما هي الأسباب والمصالح الحقيقية التي تتوخى الإمارة الخليجية تحقيقها، من وراء "مجازفة" كهذه، أثارت وستثير غضب واستياء قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، بمن فيه الإماراتي والخليجي؟، ولماذا تجازف الإمارات بالخروج على "مبادرة السلام العربية"، والتي قامت على "معادلة التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الشامل" من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967؟
 
الحقيقة أن "الاختراق الكبير" على حد وصف الرئيس ترامب للبيان الثلاثي، لم يأت من فراغ، ولا هو خطوة "منبتّة" عن سياق كامل لتطور العلاقات الإماراتية الخليجية، وتحديداً خلال السنوات العشر الفائتة، فالدولتان دشنتا علاقات وثيقة، تحت الطاولة وأحياناً من فوقها، تبادلتا الوفود الاقتصادية والتجارية على المستوى الوزاري، وتعاونتا في ملفات أمنية وسياسية، وطيران البلدين، نفذ رحلات مباشرة بين مطاري أبو ظبي وبن غوريون...والأهم من هذا وذاك، أن ولي عهد الإمارات كان من بين قلائل من قادة المنطقة، الذين واكبوا ودعموا جهود مستشار الرئيس الأمريكي وصهره، جارد كوشنير، في مختلف مراحل إعداد "صفقة القرن" حتى الكشف عنها، والسفير الإماراتي ذائع الصيت في واشنطن، يوسف العتيبة، كان من بين ثلاثة سفراء عرب فقط، شاركوا في مراسم إعلان خطة ترامب "السلام من أجل الازدهار"...ومع كل خطوة كانت تخطوها الإمارات صوب إسرائيل، كان البحث عن "غطاء فلسطيني" يحضر من بوابة "المبررات" و"سدّ الذرائع"، من تقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين لمواجهة كورونا "رغم أنوفهم" ومن مطار تل أبيب، وحتى حكاية "وقف الضم مقابل التطبيع" التي لم تقنع أحداً.
 
من المقال إلى البيان
لافت للانتباه، كيف جاء "بيان إبراهام الثلاثي" مؤكداً على ما ورد في مقال نادر حمل توقيع السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة وجاء بعنوان "إما الضم أو التطبيع"، ونشرته له صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية (12 حزيران 2020)، يومها سرد السفير الإماراتي لسلسلة من المبادرات التي تقدمت بها دولته صوب تل أبيب، وعرض لمجموعة من الحوافز والفرص لتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين ... أما المبادرات فمنها إدراج حماس وحزب الله على اللائحة السوداء للمنظمات الإرهابية، ودعوة إسرائيل للمشاركة في معرض "أكسبو" المقام في الإمارات...وأما الحوافز فتتعلق بما يمكن للمستقبل أن يحمله من فرص وإمكانات للتعاون الثنائي، لعل أهمها حث العرب على "التفكير الإيجابي" بإسرائيل وتغيير النظر إليها من "عدو" إلى "فرصة"، وتحويل الإمارات إلى "بوابة" لعبور إسرائيل إلى العالم العربي.
 
مقال العتيبة، تخطى "التطبيع" في نظرته إلى مستقبل العلاقات الإسرائيلية - الإماراتية، إلى "التحالف الاستراتيجي" القائم على وجود "عدو/تهديد مشترك"، بين دولتين تحظيان بأكبر اقتصاديات في المنطقة، وتمتلكان أقوى جيشين، وترتبطان بأوثق العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن... لقد عرض العتيبة في مقالته تلك، عناصر وأركان هذا التحالف، قبل أن يعود ويقول في أعقاب إبرام الاتفاق الثلاثي بأن أطراف هذا الاتفاق، سيكون بمقدورها بعد الآن، رسم "أجندة استراتيجية للشرق الأوسط".
 
من الواضح لجمهور واسع من المراقبين والمحللين، أن الدولة الخليجية الصغيرة بحسابات الجيوبوليتكس والديموغرافيا، والمتطلعة للنهوض بأدوار إقليمية تتخطى حدودها، وتليق بلقبها الجديد "اسبارطة القرن 21"، لم تعد تجد في جثة جامعة الدول العربية الهامدة، ولا في منظومة دول مجلس التعاون الخليجي المُفككة، غطاء وعباءة، قادرتين على احتواء دورها الممتد من اليمن إلى سوريا، ومن القرن الأفريقي إلى دول الساحل والصحراء وشمالي أفريقيا، وأنها في سعيها للحفاظ على هذا الدور – وربما توسيعه – تبدو بأمس الحاجة لـ"شبكة أمان" إقليمية ودولية، ولحلفاء كبار، قادرين على مساعدتها في تحقيق مراميها، ولعلها وجدت في إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، ما يمكن أن يوفر لها "رافعة" لدورها الإقليمي المثير للجدل، و"شبكة" تحميها من سيناريو "السقوط الحر"، في حال جاءت حسابات البيدر مخالفة لحسابات الحقل.
في هذا السياق يمكن فهم "عرض التحالف الاستراتيجي" المتضمن في مقالة العتيبة المذكورة، وفيه وحده، يمكن إدراك معنى "الأجندة الاستراتيجية للشرق الأوسط" التي تحدث عنها السفير، فالأطراف الثلاثة ترى في إيران و"هلالها"، تهديداً مزعزعاً للاستقرار الإقليمي، وهي تبدو منزعجة بدرجات متفاوتة من صعود الدور التركي في الإقليم، سيما مع تزايد دعم أنقرة لحركات الإسلام السياسي المسلحة في عدد من دوله، وتمدد نفوذها الإقليمي من شرق المتوسط إلى بحر إيجة وشمال أفريقيا مروراً بالقرن الأفريقي والخليج العربي، وليس انتهاء بشمالي سوريا والعراق.
 
وعلى الرغم من أن البيان الثلاثي لم يُصرح بقائمة "الأعداء والمهددات" المشتركة التي تواجه أطرافه، إلا أن القارئ الحصيف، لا يفوته إدراك "أن هلال إيران الشيعي" و"قوس تركيا العثماني" الذي يكاد يصبح دائرة مكتملة، يتصدران هذه القائمة، وأن مواجهة هذه الأطراف، هو المحفّز الأكبر لعملية التطبيع بين إسرائيل والإمارات، وصولاً إلى صياغة "الحلف الاستراتيجي" المنتظر.
 
لكن التدقيق في مواقف ومصالح الأطراف الثلاثة، حيال كل من معسكري تركيا وحلفائها وإيران وحلفائها، لا بد يكتشف أن ثمة تفاوتاً في النظر إلى هذه التهديدات ...النفوذ التركي المتزايد في الإقليم، يثير انزعاج واشنطن وتل أبيب، بيد أن مواجهته، تتصدر قائمة أولويات أبو ظبي، سيما بعد التهديدات الأخيرة التي أطلقتها أنقرة بمحاسبة الإمارات على أدوارها في ليبيا واليمن...وفي حين تحتفظ أبو ظبي بما هو أكبر وأقوى من "شعرة معاوية" مع طهران ودمشق، تنظر واشنطن، وبالأخص تل أبيب، إلى التهديد الإيراني بوصفه التهديد الأخطر والأكبر لمصالحهما في الإقليم برمته، وهو يرقى إلى مستوى التهديد "الوجودي" بالنسبة لإسرائيل وفقاً لتوصيف المستوى الأمني فيها.
 
وثمة مفارقة في السياسة الخارجية الإماراتية، أعيت المراقبين وأثارت الانقسام فيما بينهم، وهم يسعون في تفكيك "طلاسمها"، إذ كيف يمكن لأبو ظبي أن تشرع في تطوير وتنشيط علاقاتها مع كل من طهران ودمشق، في الوقت الذي كانت تذهب فيه بعلاقتها مع إسرائيل إلى ضفاف "التحالف الاستراتيجي"؟ ... فريق من هؤلاء عزا الأمر إلى "دهاء" في السياسة الإماراتية، أمكن لأبو ظبي بنتيجته أن تحيّد نفسها عن صواريخ "الحوثي" وطائراته المسيّرة التي ضربت في العمق السعودي، فريق آخر قال، أن الإمارات بانفتاحها على أطراف "محور المقاومة والممانعة" كانت تضمر تحييده، واحتواء ردة فعله مسبقاً، حين تقدم على نسج خيوط تحالفها مع تل أبيب...فريق ثالث، رأى أن الإمارات استشرفت وجهة السياسة الأمريكية واتجاهها حيال طهران بعد انتخابات نوفمبر الرئاسية المقبلة: بايدن سيعود للاتفاق النووي وينتهج مقاربة مختلفة إن تمكن من الفوز، وترامب تعهد بإبرام اتفاق معها في غضون ثلاثين يوماً حال إعادة انتخابه، فيما رائحة "صفقة إقليمية" كبرى تعبق في أجواء المنطقة، ويتكاثر الحديث بشأنها على وقع الانفجار الكارثي الذي ألمّ ببيروت، مرفأ ومدينة...أما البعض الرابع، فما زال يحيك روايته المستجدة: تركيا وليست طهران، هو العدو الأول للإمارات، كانت كذلك من قبل، وستظل كذلك من بعد.
 
دلالة التوقيت
في دلالة توقيت الخطوة ثلاثية الأطراف، يبدو أن كل من ترامب ونتنياهو كانا يستعجلانها، لأسباب تتعلق بحملة ترامب الانتخابية المتعثرة من جهة، وتآكل شعبية نتنياهو لدى الرأي العام الإسرائيلي على خلفية الفشل في إدارة "الجائحة" والمسار القضائي الذي يتهدد مستقبله الشخصي والسياسي من جهة ثانية... أما بالنسبة للإمارات، فلم يكن لديها ما يمنع من تلبية حاجة الشريكين الآخرين لاستعجال الخطوة والكشف عنها، وربما الذهاب أبعد من ذلك، إلى حفل توقيع يذكر باحتفال حديقة البيت الأبيض زمن أوسلو، وحفل وادي عربة زمن توقيع المعاهدة الأردنية – الإسرائيلية.
 
وليس بخافٍ على أحد، أن الرئيس دونالد ترامب، هو المرشح المفضل للإمارات ودول خليجية وعربية أخرى في الانتخابات القادمة، وإذا كانت خطوة من هذا النوع، تساعده على تعزيز فرصه وتعظيمها، فلا بأس من استعجالها، وتوقيتها عشية الانتخابات لتظل "طازجة" في ذاكرة الناخب الأمريكي ... أما في حال فوز بايدن – هاريس في انتخابات نوفمبر، فإن ولي عهد الإمارات سيكون قد قدم "نفسه" للإدارة الديمقراطية الجديدة، بوصفه "بطل سلام" مع إسرائيل، وليس كرجل مغامرات عابرة للحدود، أو كديكتاتور ينتهك حقوق الانسان، وهي "لعبة" لطالما لجأ إليها قادة عرب ديكتاتوريون وقمعيون في السنوات والعقود الأخيرة...وفي كلتا الحالتين، ستخرج الإمارات رابحةً.