مقالات > > فيروس كورونا... "الناخب الأكبر" لنتنياهو

مقالات - الحرة - التاريخ: 2020-03-29
كتب عريب الرنتاوي

"ما عجزت عنه صناديق الاقتراع جاء به فيروس كورونا" ... هذا هو لسان حال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يقترب وفقاً لمختلف التقارير والتقديرات الإسرائيلية من تشكيل حكومته الخامسة، "حكومة الطوارئ"، الأسبوع المقبل على أبعد تقدير.
 
الانتخابات المبكرة الثالثة، التي جرت في الثاني من الشهر الجاري، مكّنت الليكود من تصدر قوائم الأحزاب المتنافسة، وأعطت معسكر اليمين و"الحريديم" أقل قليلاً من نصف مقاعد الكنيست (58 من أصل 120 مقعداً)، لكن هذه النتائج جاءت بمثابة "نصرٍ بطعم الهزيمة"، فتبكير الانتخابات ثلاث مرات في أقل من عام، لم يمكّن نتنياهو من تشكيل حكومة أقلية يمينية، كما أن إصرار معسكر يمين الوسط ممثلاُ بكتلة أزرق – أبيض على رفض الانضواء تحت راية "ملك إسرائيل"، عطّل محاولات تشكيل وحدة وطنية مرات عديدة، إلى أن جاء "المدَد" أو "طوق النجاة" للزعيم الذي اشتهر بإجادته فنون "البقاء والنجاة"، وهذه المرة، من فيروس ضئيل، كانت بمثابة الناخب الكبير لبنيامين نتنياهو.
 
من راقب سلوك نتنياهو بعد الانتخابات الأخيرة مباشرة، وهي بالمناسبة التأمت مع بدء دخول الفيروس إلى إسرائيل، أدرك أن الرجل اتخذ قراره بتحويل التحدي إلى فرصة، والاستثمار في الفيروس، فعمد إلى إشاعة "خطاب الكارثة المحدقة"، مبالغاً ومهولاً في حجم الأخطار والتهديدات التي يشكلها الوباء اللعين ... كان واضحاً إن نتنياهو يستثمر الوقت لإطلاق مفاعيل الخوف والهلع، وتركها لتقضم يوماً بعد آخر، مفاعيل "التكليف" الذي حظي به منافسه بيني غانتس لتشكيل الحكومة الجديدة.
 
في البدء، بدا الأمر ضرباً من "الرهان اليائس"، ذلك أن خصمه بيني غانتس جاءته الفرصة التي طالما انتظرها وحلم بها، حتى وإن واتته على "طبق القائمة العربية المشتركة" ... لكن غانتس، المعروف بقلة خبرته، وضعف شخصيته، وتردده في اتخاذ القرارات الكبرى، بدد الفرصة تماماً، وخضع مجدداً لابتزاز الأصوات اليمينية والحريدية الأكثر تطرفاً، والتي تعالت على وقع القلق والتوتر من جائحة كورونا... كان غانتس يفقد فرصته في إخراج نتنياهو من حلبة السياسة، مخيباً آمال ورهانات أكثر من مليون ناخب إسرائيلي منحوه الثقة لطي صفحة نتنياهو من تاريخهم.
 
لقد نجح رهان نتنياهو على كورونا، فتحت شعار الحاجة لحكومة وحدة وطنية، لمواجهة الكارثة الوبائية التي تطل برأسها، قدم غانتس "وحدة حزبه وكتلته" قرباناً عل مذبح "الطوارئ" ... قبل بحكومة وحدة بزعامة نتنياهو، واشتملت الصفقة على تشكيل حكومة تناوب، يتولى الأخير رئاستها للأشهر الثمانية عشرة الأولى، على أن يستكمل غانتس ولايتها القانونية البالغة أربع سنوات.
 
ومن ضمن مندرجات الصفقة يتولى غانتس رئاسة الكنسيت لفترة انتقالية قصيرة، خلفاً ليولي أدلشتاين (الليكود) الذي عمل جاهداً للبقاء في موقعه بعد الانتخابات، وسعى في تعطيل عمل المحكمة العليا لمنع التصويت على اختيار رئيس جديد للكنيست ... لكن غانتس لن يبقى طويلاً في موقعه على رأس السلطة التشريعية، إذ تقتضي الصفقة ذاتها، توليه حقيبة الخارجية في الحكومة المقبلة، على أن تعود رئاسة الكنيست لليكود مجدداً، وإن بشخص رجل آخر غير أدلشتين... كما تقتضي الصفقة تولي رئيس الأركان السابق غابي أشكينازي حقيبة "سيادية" في حكومة الطوارئ، ربما تكون حقيبة الدفاع.
 
"قنبلة كورونا" انفجرت في حضن "أزرق – أبيض"، الائتلاف الوحيد الذي كان مرشحاً لإخراج نتنياهو من مسرح السياسة، فقرار غانتس شرخ الائتلاف إلى نصفين، متساويين تقريباً، حزب "مناعة إسرائيل" بزعامة غانتس بخمسة عشر أو ستة عشر مقعداً، وحزبا "يش عتيد" و"تيليم" بزعامة يئير لبيد وموشيه يعلون ببقية المقاعد الثلاثة والثلاثين التي حصل عليها ائتلاف أزرق – أبيض.
 
القائمة العربية المشتركة، التي حلّت ثالثة في الانتخابات الأخيرة، لم تكن بمنأى عن شظايا "قنبلة كورونا"، فالقائمة (15 مقعداً) التي رشّحت غانتس لتشكيل الحكومة، كرهاً بنتنياهو لا حباً به، فقدت فرصتين نادرتين: فرصة إسقاط نتنياهو أولاً، وفرصة تزعم المعارضة في الكنيست حال تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة ثانياً، فبعد انشقاق أزرق – أبيض، ستنتقل زعامة المعارضة إلى الكتلة المشكلة من "يش عتيد" و"تيلم"، بكل ما يوفره هذا الموقع، من إمكانيات للاطلاع على، والمشاركة في، صياغة السياسات الأمنية والعامة، واتخاذ بعض القرارات الكبرى.
 
"قنبلة كورونا" ضربت في مقتل ايضاً، بقايا معسكر اليسار في إسرائيل ... زعيمة جيشر، أحد الأحزاب الثلاثة التي خاضت الانتخابات الأخيرة في قائمة واحدة، أورلي ليفي، سليلة العائلة الليكودية تاريخياً، غردت مبكراً خارج سرب الحزبين الآخرين: العمل وميريتس، عندما رفضت تشكيل حكومة معتمدة على "الصوت العربي"، وفضلت عليها حكومة يمينية أو حكومة وحدة وطنية بزعامة أي من نتنياهو أو غانتس ... أما التحالف بين العمل وميريتس، فقد تلقى صدمة كبرى عندما عبّر الحزبان عن نيتهما الانفصال أحدهما عن الأخر، وسط معلومات ترجح سعي حزب العمل بزعامة عمير بيريتس للانضمام لحكومة الطوارئ برئاسة نتنياهو.
 
أفيغدور ليبرمان، الرجل الذي لعب حزبه "إسرائيل بيتنا" دور بيضة القبان في المعادلة السياسية والحزبية الإسرائيلية، وحظي لهذا السبب، ولبعض الوقت بلقب "صانع ملوك إسرائيل" فلن تعود لكتلته الصغيرة (7 مقاعد) قيمتها بعد أن ضمن نتنياهو حكومة طوارئ مدعومة بغالبية 74 -75 معقداً.
 
إذاً، لم يكن فيروس كورونا "الناخب الأكبر" لصالح نتنياهو على رأس حكومة خامسة فقط، بل كان بمثابة "القنبلة" التي "فككت" الخريطة السياسية/الحزبية الإسرائيلية، وأعادت تركيبها من جديد... نجح رهان نتنياهو على الاستثمار في الفيروس، وسقطت رهانات غانتس، ومن خلفه معسكر بأكمله، على طي صفحة نتنياهو في التاريخ السياسي الإسرائيلي المعاصر.
 
الفيروس، كاشف العورات، كما وصفناه في مقالة سابقة، كشف كثيراً من عورات النظام الحزبي في إسرائيل، وأقام الدليل على "سيولة" و"انتهازية" الحياة الحزبية فيها، فظاهرة التقافز من فوق الخطوط السياسية والإيديولوجية للأحزاب، ظاهرة قديمة في إسرائيل، على أنها تبدو أكثر تفاقماً في أزمتنا الراهنة، بعد أن بات الانزياح نحو اليمين، سمة منهجية عامة تميز الأحزاب جميعها، وبصورة لم تُبق في أقصى يسار الخريطة الحزبية الإسرائيلية، سوى حزب واحد فقط(ميريتس)، وبعدد من المقاعد يقل عن عدد أصابع اليد الواحدة.