مقالات > > قراءة في دلالات الانتخابات الإسرائيلية وظاهراتها الجديدة

مقالات - الحرة - التاريخ: 2020-03-15
كتب عريب الرنتاوي

لجملة أسباب، اتجهت أنظار المراقبين في المنطقة وبعض عواصم القرار الدولية، صوب إسرائيل لمتابعة انتخاباتها، منها: (1) أنها الانتخابات المبكرة الثالثة التي تجري في غضون أقل من عام، وسط حالة من عدم الاستقرار السياسي ـ الحزبي، غير المسبوقة في تاريخ إسرائيل... (2) إنها الأولى بعد الكشف عن الخطة الأميركية للسلام في المنطقة، والمعروفة إعلاميا باسم "صفقة القرن"... (3) لأنها انتخابات ستقرر المصير الشخصي والسياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو الملقب بـ"ملك إسرائيل"، صاحب الرقم القياسي لجهة الفترة الزمنية التي قضاها في موقعه.
 
الانتخابات الأخيرة، كسابقاتها، لم تحمل جديدا "نوعيا" لجهة الخريطة السياسية وتوازنات القوى الحزبية في إسرائيل، إذ حافظت الأحزاب والمعسكرات على حجمها وتمثيلها تقريبا، وبفوارق محدودة لصالح معسكر اليمين، تعود بالأساس لنجاحه في دفع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتبني رواية اليمين الإسرائيلي حول الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ورؤيته لسبل حله.
 
الأيديولوجيا وليس الأمن، كانت المحرك الرئيس للناخب الإسرائيل
بالأرقام، حصد معسكر نتانياهو على 58 معقدا في الكنيست الإسرائيلي (120 مقعدا)، من بينها 36 مقعدا لتكتل الليكود وحده، بيد أن "كتلة اليمين الأوسع" في الكنيست، وصلت إلى 68 مقعدا، من بينها سبعة مقاعد لحزب إسرائيل بيتنا اليميني بزعامة أفيغدور ليبرمان، والذي تنحصر خلافاته مع "شخص" نتانياهو، فضلا عن انتهاجه مواقف أكثر تشددا ضد أحزاب اليمين الديني، وما تتحصل عليه من امتيازات واستثناءات، لكونها أحزابا دينية فقط...وثمة ثلاثة مقاعد في صفوف المعسكر الآخر محسوبة على اليمين المتشدد، منها اثنان في حزب "كحلون ـ لافان" للنائبين تسيبي هاوتزر وبوعاز هندل، والنائبة أورلي ليفي، المتحدرة من عائلة ليكودية، والعضو السابق في حزب إسرائيل بيتنا... لقد تمرد هؤلاء النواب الثلاثة على أحزابهم، وقرروا حجب الثقة عن أي حكومة يشكلها بيني غانتس إن هي استندت لدعم القائمة العربية المشتركة، حتى وإن كان دعما من الخارج.
 
سيناريوهات المستقبل الحكومي
ليس ثمة من سيناريو واحد، أكيد أو مرجح، يمكن التنبؤ به لشكل الحكومة المقبلة وتشكيلة الائتلاف الحاكم في إسرائيل، فكل سيناريو منها، موسعة كانت أم ضيقة، بقيادة غانتس أم نتانياهو، يواجه بجملة من التحديات والعقبات التي قد تحول دون تحققه، وبما يُبقي الباب مفتوحا أمام انتخابات مبكرة رابعة في الصيف القادم.
 
حكومة الوحدة الوطنية، التي يفضها رئيس الدولة رؤوفين ريفلين، تواجه بـ"فيتو" من أزرق ـ أبيض، وتتهدد وحدته الداخلية وهو المُشكل من عدة أحزاب وجنرالات، تجمعهم "كراهية" نتانياهو... وإذ جدد أفيغدور ليبرمان، بعد الانتخابات، ما كان تعهد به قبلها، بأنه لن يقبل الانضواء تحت لواء نتانياهو كرئيس للحكومة، فإن فرص "ملك إسرائيل" في انتزاع ولاية جديدة، تبدو ضعيفة للغاية، حتى لا نقول معدومة، لا سيما وأن الرجل على موعد وشيك مع بدء محاكمته "17 مارس الجاري" بتهم الرشى والاحتيال.
 
أما بيني غانتس، فهيهات أن ينجح في إقناع نتانياهو بتسليمه الراية، حتى وإن حظي بـ"تزكية" أكثر الأصوات له في المشاورات التي يجريها رئيس الدولة مع الأحزاب والكتل لاختيار رئيس الحكومة المكلف... ثم أن غانتس قد يحظى في أحسن الأحوال، بتأييد 14 نائبا آخر من خارج حزبه (العمل ـ جيشر ـ ميريتس، وإسرائيل بيتنا)، ما يجعله مرغما على طلب دعم القائمة العربية المشتركة لترشيحه وتزكيته أولا، ولتفادي حجب الثقة عن حكومته ثانيا.لكن خيارا كهذا، يواجه بمعضلتين اثنتين، يتعين على غانتس تذليهما قبل أن يشرع الرئيس ريفلين في استشاراته، الأولى؛ وتتمثل في إقناع جميع النواب العرب الخمسة عشر، بتزكيته، وهو أمر غير محسوم حتى الآن، إذ رفض ثلاثة منهم "نواب التجمع" تزكيته بعد انتخابات سبتمبر الماضي، وليس من المؤكد أنهم سيغيرون آرائهم بعد انتخابات مارس الأخيرة... والثانية؛ وتتمثل برفض صريح وعلني من قبل زعيمة جيشر واثنان من نواب أزرق ـ أبيض كما أسلفنا، لأي ائتلاف أو حكومة معتمدة على الصوت العربي... في كلتا الحالتين، سيهبط عدد المؤيدين لحكومة بزعامة غانتس إلى ما دون سقف الأغلبية البسيطة: "61 مقعدا".
 
إن استمر الفشل والدوران في الحلقة المفرغة ذاتها، فليس مستبعدا على الإطلاق الذهاب إلى خيار لا يفضله أحد، وسئم منه الرأي العام في إسرائيل: انتخابات مبكرة رابعة في الصيف المقبل، وهو خيار يخشاه الوسط والعرب واليسار أكثر مما يخشاه معسكر اليمين، الذي ما زال يراهن على أنه قد يكسر حاجز الـ"61 مقعدا" في الانتخابات القادمة، بعد أن اقترب منها في الانتخابات الأخيرة.
 
بعيدا عن لغة الأرقام، وسيناريوهات تشكيل الائتلاف والحكومة، فإن الانتخابات الإسرائيلية المبكرة الثلاث، تكشفت عن جملة ظواهر يتعين الوقوف أمامها:
 
الأولى؛ وتتجلى في عمق الانقسام السياسي والمجتمعي (الهوياتي) في إسرائيل، الذي بات يجعل من الصعب حسم المعارك الانتخابات من أول جولاتها، وهو انقسام بات أكثر انكشافا لتدخلات "الخارج اليهودي" الذي أخذ يلعب دورا متزايدا في الداخل الإسرائيلي"، من خلال الأدوار المتزايدة لكبار المتمولين اليهود في الولايات المتحدة وغيرها.
 
الثانية؛ أن الانتخابات تمحورت هذه المرة حول قضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، في مناخات "صفقة القرن" وعلى وقع حالة التحشيد لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وتكريس القدس، عاصمة موحدة لإسرائيل، مدفوعة بمناخات "صفقة القرن" وتداعياتها، ولم تتركز على الأمن والاقتصاد وظروف الناخبين المعاشية.
 
والثالثة؛ أن الأيديولوجيا وليس الأمن، كانت المحرك الرئيس للناخب الإسرائيل والمقررة في صوغ خياراته وتوجهاته، فحزب أزرق ـ أبيض الذي ضم رهطا من جنرالات إسرائيل الذين اعتاد الرأي العام الإسرائيلي منحهم ثقته وأصواته، لم يستطع أن يكسر حاجز الثلاثة وثلاثين مقعدا، أما ناخبو الليكود واليمين، فقد كانوا مدفوعين بأيديولوجيا التوسع والضم والتهويد والأسرلة وحلم "إسرائيل الكبرى"، وبما يعكس تبدلا جوهريا في أولويات الناخب الإسرائيلي بعد أن بات أكثر اطمئنانا لأمنه الشخصي والعام، وأكثر استعدادا للمجازفة بإعلان "الانتصار التاريخي" على الشعب الفلسطيني، بعد مئة عام من الصراع.
 
القائمة العربية واليسار الإسرائيلي
أما الظاهرة الرابعة، الجديرة بالانتباه، فتتمثل في اتجاهات ومعدلات التصويت في الوسط العربي، ومصائر اليسار الإسرائيلي ممثلا على نحو خاص بحزب العمل وحركة ميريتس... فالعرب أقبلوا بكثافة على صناديق الاقتراع (65 بالمئة)، وهي النسبة الأعلى منذ العام 1999، بزيادة 5 بالمئة عن انتخابات سبتمبر، و15 بالمئة عن انتخابات أبريل 2019، مدفوعين بالحملة الاستفزازية العنصرية التي شنها نتانياهو والليكود ضدهم، وبالأداء المتميز لقادة القائمة المشتركة في الحملات الانتخابية، ولصمود القائمة في وجه حملات المقاطعة وعوامل الفرقة والانقسام الداخلية.ثمة قناعة بأن كثير من الناخبين العرب، قد قرروا على ما يبدو، مغادرة مقاعد المتفرجين، والذهاب إلى صناديق الاقتراع، وعدم الاصغاء للأصوات الداعية للمقاطعة لأسباب أيديولوجية، دينية كانت أم يسارية. ولو أن نسبة مشاركة العرب جاءت مماثلة لنسبة مشاركة الناخبين اليهود (أكثر من 71 بالمائة) لربما حصلت القائمة المشتركة على 16 أو 17 مقعدا.
 
ظاهرة تصويت العرب لأحزاب يهودية انقلبت، أو بدأت في الانقلاب إلى نقيضها وكان لافتا، أن القائمة العربية نجحت في استقطاب الغالبية العظمى من أصوات الناخبين العرب، وأن تحول دون حصول أحزاب صهيونية على الأصوات العربية التي اعتادت الحصول في انتخابات سابقة... لكن اللافت للانتباه كذلك، ووفقا لمصادر إسرائيلية، أن القائمة العربية حصلت على كثيرٍ من الأصوات اليهودية (نسبيا على الأقل)، وبما يعادل مقعدا أو مقعدين من أصل 15 معقدا حصلت عليها، وغالبا من مؤيدي "العمل" وميريتس بالعادة.
 
يصعب تقدير حجم الأصوات اليهودية التي حصلت عليها القائمة العربية، خصوصا في المدن المختلطة، لكن الأرقام تشير إلى أن 87 في المئة من الأصوات جاءتها من بلدات عربية صرفة، 10 في المئة من المدن المختلطة، ونحو 3 في المئة من بلدات يهودية صرفة، يضاف إلى ذلك، أن القائمة العربية حصلت على ما يقرب من 16 ألف صوت من صناديق الجيش الإسرائيلي، وبفرض أن إجمالي أعداد المجندين العرب في الجيش لا يزيد عن ستة آلاف، وبفرض أنهم جميعا صوتوا للقائمة المشتركة، فمعنى ذلك أنها حصلت على عشرة آلاف صوت لجنود يهود على أقل تقدير.
 
إن صحت هذه المعلومات والتقديرات، وليس هناك من يشكك في صحتها، فإن ظاهرة تصويت العرب لأحزاب يهودية تكون قد انقلبت، أو بدأت في الانقلاب إلى نقيضها: يهود يصوتون لأحزاب عربية، في دلالة على "احتضار" اليسار الإسرائيلي، ومع أنها ظاهرة هامة على "جنينيتها"، إلا أنها لا تقلل من حقيقة أن أعداد العرب الذين يصوتون لأحزاب صهيونية ما زالت أكبر من أعداد اليهود الذي يصوتون لأحزاب عربية، بدلالة أن هناك اثنين من النواب العرب، وصلوا للكنيست الـ"23" على متن قوائم يهودية.