مقالات > > الأمن القومي العربي المُستباح

مقالات - الحرة - التاريخ: 2020-03-08
كتب عريب الرنتاوي

لم تنجح الدول العربية الاثنتين والعشرين طوال سنوات وعقود، في بلورة مفهوم مشترك لـ"الأمن القومي العربي"، على الرغم من أن بياناً واحداً للجامعة العربية، لم يخلُ من التأكيدات الجازمة على وجوب حفظه والعمل على تعزيزه... إذ حتى في الأزمنة التي سبقت الانهيار الكبير، وغير المسبوق، لـ"النظام العربي"، لم تكن الأنظمة العربية تقصد الشيء ذاته، وهي تردد عبارة "الأمن القومي العربي".
 
في سنوات ما بعد الاستقلالات، ومع تفاقم حدة الصراع العربي – الإسرائيلي وتفشي استقطابات الحرب الباردة وانتشار محاورها وتحالفاتها، طغت الخلافات العربية البينية على ما عداها من خلافات وصراعات إقليمية... وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ولاحقاً انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، دخلت المجموعة العربية في دوامة جديدة من "حروب الأخوة الأعداء" ... وعلى وقع ثورات الربيع العربي وانكشاف دول ومجتمعات عربية لرياح التغيير و"حروب الوكالة" وتعاظم أدوار اللاعبين الدوليين والإقليميين على ساحة الإقليم العربي، بدا أن الوضع السيء يزداد سوءاً.
 
ومع الإقرار بوجود استثناءات في هذه المسيرة، ولفترات زمنية قصيرة بالعادة (حرب أكتوبر 1973 وسلاح النفط مثالاً) إلا أنه "الاستثناء الذي يؤكد القاعدة" ولا ينفيها، إذ سرعان ما كانت الخلافات والانقسامات تعود فتعصف ببنية "النظام العربي" من داخله، وتفتح ثغرات واسعة في جدران الأمن القومي، وغالباً بمشاركة نشطة من قبل دول وأطراف عربية.
 
مناسبة هذه المقدمة، الطويلة نسبياً، ما نشهده اليوم من انسدادات في مفاوضات "سد النهضة" ثلاثية الأطراف، وارتفاع منسوب القلق في مصر من مخاطر انخفاض منسوب المياه المتدفقة من نهر النيل، بعد أن نجحت دولة المصب، في تشييد سدها العملاق، وإدارتها الظهر لمطالب القاهرة الأساسية، برغم الوساطة الأمريكية النشطة.
 
الأمن المائي العربي، ظل على الدوام مصدر قلق وتهديد لنظرية "الأمن القومي العربي"، ودعونا نستذكر أن حرب حزيران 1967، اندلعت إثر قيام إسرائيل بتحويل مجرى نهر الأردن، وسطوها على منابعه وبحيراته ... وخلال السنوات الثلاثيين الفائتة، تأزمت العلاقات التركية مع كل من سوريا والعراق، بعد أن نفذت تركيا مشاريع سدود عملاقة، حجبت مياه النهرين عن دولتي الممر والمصب العربيتين... ولم تكن العلاقة مع إيران أكثر مدعاة للارتياح، بعد أن انشائها العديد من السدود على أنهار الكارون والكرخة والزاب الصغير، وتحويلها 43 رافداً من أصل 45 رافد كانت تصب في مجرى في نهر دجلة....ومن ينظر إلى مشاهد الجفاف والتغييرات البيئية التي أحدثتها السدود التركية في كل من سوريا والعراق، يدرك حجم الخسائر الاستراتيجية التي مني بها "الأمن المائي والبيئي والغذائي" العربي.
 
لا حرب حزيران منعت إسرائيل من مواصلة سياسات السطو على مياه الأردن، ولا التهديدات العراقية والسورية القديمة والمتجددة، منعت تركيا من مصادرة ما هو ليس حقاً لها من مياه دجلة والفرات ... ولا يبدو أن الاجتماعات الطارئة التي يترأسها المشير عبد الفتاح السيسي مع كبار قادة الجيش المصري، كفيلة بردع أثيوبيا عن فرض إملاءاتها "المائية" على المفاوض المصري.
 
لقد تعلمنا صغاراً في مدارسنا أن من "سوء طالع" العرب أن مصادر مياههم تنبع من خارج أوطانها، قبل أن نصبح كباراً، ونتعلم الدرس الأهم: بأن من "سوء طالع" العرب، أن حكوماتهم وحكامهم، أخفقوا في بناء منظومة فاعلة للأمن والتعاون فيما بينهم، جعلتنا مهددين في مصادر مياهنا، النابعة من الخارج، بل وحتى تلك التي تنبع وتصب داخل أوطاننا: (طبريا وسفوح جبال الشيخ وهضبة الجولان، شبعا ومزارعها، مشاريع المياه في الوزاني والحاصباني والليطاني).
 
والحقيقة أن "الاستباحة" لا تصف حال "الأمن القومي" العربي في بعده "المائي" فحسب، فنظرية "الأمن القومي العربي" بمجملها، باتت خرقة بالية، بعد أن اتجهت أعين القادة العرب إلى "الخارج" بحثاً عن شبكات الحماية وأسباب الأمن والأمان ... فمصر تلقي بكل أرواقها في سلة واشنطن لا بهدف استنقاذ مفاوضات "سد النهضة" فحسب، بل وكضامن لأمن مصر وداعم لنظامها، وثمة مروحة واسعة من الحكومات والأنظمة العربية، لا تجد خارج الولايات المتحدة، ما يكفل أمنها وبقاءها، حتى وإن ارتفعت كلفة هذه الحماية وتضخمت خصوصاً في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب.
 
وثمة دول وجماعات عربية أخرى، تنظر إلى "الباب العالي" في إسطنبول، بوصفه المنقذ والمخلص، تهبه القواعد على مياه الخليج الساخنة، على مقربة من قاعدة "العديد"، وتفتح له الأجواء والمياه الليبية لنشر قواته وأساطيله و"مرتزقته" تحت شعار ممارسة "الحق السيادي" لحفظ الأمن والاستقرار واستعادة التوازن، وثمة حركات شعبية عريضة، إسلاموية، ترى إلى الرئيس التركي كخليفة للمسلمين في مفتتح القرن الحادي والعشرين، بل وتصوره أحياناً كـ"خامس الخلفاء الراشدين" (؟!).
 
وثمة محور بطوله وعرضه، يطلق على نفسه اسم "محور المقاومة والممانعة"، يتجه لتعلم الفارسية بطلاقة، بعد أن باتت طهران، عاصمة لهذا المحور، والمرشد الأعلى قائداً أعلى لقواته، حتى وإن أدى ذلك، إلى زرع المنطقة برمتها، بالمليشيات والكيانات الطائفية والمذهبية الموازية، وعلى حساب الدولة الوطنية، وبما يهدد النسيج الاجتماعي لبلداننا ودولنا.
 
إما إسرائيل، التي حملت ألقاباً من نوع: "العدو التاريخي" و"التهديد الوجودي"، فقد باتت اليوم، قبلة أنظار كثير من أنظمة الجنرالات والسلالات، معها تُبرم الاتفاقات الأمنية والاستراتيجية، ومنها تستورد أجهزة وبرامج التجسس لمتابعة وملاحقة المعارضين، ومن قاعات الترانزيت في مطار "بن غوريون"، يمكن السفر من دون "تأشيرة" إلى أي بقعة في الولايات المتحدة، وضمان دعم البيت الأبيض، أو على الأقل شراء صمته وحياده، حيال ما تقارفه هذه الأنظمة من جرائم وانتهاكات، بحق شعوبها، وعلى امتداد الإقليم برمته.
 
"نظرية الأمن القومي" التي تفرع عنها اتفاقات دفاع مشترك عربية، لم تؤخذ يوماً على محمل الجد، تماماً مثل قرارات التكامل الاقتصادي والسوق العربية المشتركة ومشاريع البنى التحتية العابرة لحدود "الأقطار" العربية ... حتى أن "فايروس" الخراب والانهيار قد فتك بالمجالس الفرعية الثلاثة، التي أنشئت للتعويض عن تمزق مظلة الجامعة العربية: مجلس التعاون المغاربي، مجلس التعاون العربي، ومجلس التعاون الخليجي مؤخراً.
 
سقوط المشروع القومي العربي، وانهيار نظرية "الأمن القومي"، ليسا في نهاية المطاف، سوى نتيجة حتمية ومساراً إجبارياً، لأنظمة فقدت شرعيتها في الداخل، أو لم تكن تحصلت عليها أصلاً لكي تفقدها لاحقاً ... والفاقدون لشرعيتهم في الداخل، يحاولون البحث عنها في الخارج، حتى وإن تكلف الأمر، دولهم وشعوبهم، فرص الوصول على مستقبل آمن ومزدهر.
 
والمؤسف حقاً، أن ليس ثمة في المدى المنظور، أية إرهاصات دالة على إمكانية نهوض "مركز قومي" عربي، دولة كانت أم ائتلاف دول، أو مشروع قومي عربي، أو نظام عربي للأمن والتعاون، فيما الرهان على فرص إحياء الجامعة العربية، يعادل الرهان على أحياء العظام وهي رميم.... الأمر الذي يسمح على الاعتقاد بأن مسار "الاستباحة" سيظل يفعل فعله حتى إشعار آخر، مُهدِداً المزيد من الدول العربية، حتى أكبرها وأكثرها قوة واقتداراً، في عميق مصالحها وأمنها الداخلي واستقرارها ... وليست حكاية الفشل المصري البيّن، في إدارة "ملف سد النهضة" مع أثيوبيا، سوى غيض من فيض ما ينتظره "اللا نظام العربي".