كلمة الأستاذ عريب الرنتاوي في ورشة عمل فلسطينيو لبنان وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني الفرص والعوائق

أصحاب العطوفة والسعادة
أيتها الصديقات أيها الأصدقاء
أسعد الله صباحكم جميعا بكل الخير
واسمحوا لي بداية أن أرحب بكم جميعا، باسمي شخصياً وباسم زملائي وزميلاتي في مركز القدس للدراسات السياسية في عمان وبيروت، وأن أشكر لكم استجابتكم الكريمة لدعوتنا هذه للمشاركة في هذه أعمال ورشة العمل هذه، والتي تلتئم تحت عنوان "فلسطينيو لبنان وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني".

وقبل أن أتحدث عن فكرة الورشة وأهدافها، اسمحوا لي أن أقدم لكم بإيجاز الجهة الداعية والمنظمة لهذا النشاط، مركز القدس للدراسات السياسية، الذي تأسس في عمان في العام 1999 كمبادرة مستقلة، ليكون مركزاً بحثياً مستقلاً، غير حزبي وغير حكومي، يعمل على برامج رئيسة ثلاثة، أولها برنامج الإصلاح السياسي والتحوّل الديمقراطي في الأردن والمنطقة، الذي نهض على أعمدة أربعة هي: النهوض بأداء البرلمانات وإصلاح النظم الانتخابية، تدعم حرية الصحافة واستقلالية وسائل الإعلام، تمكين الأحزاب السياسية بوصفها ركائز التحول الديمقراطي وروافعه، وتطوير أداء مؤسسات المجتمع المدني وتعزيز قدراتها، وإعطاء أهمية خاصة للحركات النسائية في دولنا ومجتعاتنا.
 
والبرنامج الرئيس الثاني الذي استغرق جزءا مهماً من اهتمام المركز وموارده خلال السنوات العشر الفائتة، فكان مكرساً لتطوير خطاب إسلامي ديمقراطي مدني، حيث جرى تنظيم العشرات من الأنشطة وإصدار العديد من الكتب والمطبوعات في هذا السياق، من منطلق الفرضية التي تقول: أن لا ديمقراطية من دون الإسلاميين، ولا ديمقراطية من دون انفتاح الخطاب الإسلامي على لغة العصر وقيمه الإنسانية الجامعة في الحرية والتعددية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، في مواجهة نظم الركود والاستباد والفساد.
 
أما البرنامج الثالث، فقد تكرس في مجمله للبحث في راهن القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني (العربي) الإسرائيلي ومآلاته، مولياً اهتماماً خاصاً بتحليل التطورات التي تحيط بهذه القضية ساعياً لاستشراف آفاقها المستقبلية، مشتبكاً بشكل خاص، مع تحديات ما بعد عملية السلام وتداعيات حالة الإنقسام الداخلية التي تخطت السياسة والبرامج إلى نظم الحكم والبنى الاجتماعية المحيطة بمؤسسة السلطة في غزة ورام الله، مع كل ما ترتب عليها وتفرع منها، من نتائج وظواهر.
 
وجاءت فكرة افتتاح مركز القدس للدراسات السياسية في بيروت، تطويراً للدور الإقليمي للمركز، بالنظر لما للبنان وبيروت من مكانة ودور على مستوى الإقليم بمجمله، وليكون نافذة نستقبل من خلالها المزيد من رياح الحرية والانفتاح، ونطل عبرها على فضاءات الإقليم على اتساعه ورحابته.

أيتها الأخوات...أيها الأخوة
إن القضية التي نخصص ورشتنا اليوم لتناولها، هي بلا شك، واحدة من القضايا التي تهمنا جميعاً، وهي في جوهرها ومضمونها، تتخطى من دون ريب، بعدها العملي والإجرائي، إلى الإندراج في سياق ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في الاختيار الحر والطوعي لممثليه في المجلس الوطني الفلسطيني، المؤسسة القيادية الأرفع مستوى، من منظور النظام السياسي الفلسطيني.
 
فلم يسبق للشعب الفلسطيني اللاجئ، أن تولى بنفسه، اختيار من يمثله في الهيئات القيادية الفلسطينية، وحالت ظروف نشأة وتطور الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، خصوصاً في دول المنافي والشتات، دون تمكينه من ممارسة هذا الحق، ما أضعف فرص تجديد شباب هذه الحركة، وضخ مزيدٍ من الدماء الشابة في عروقها في الشائخة.

لقد أجمعت القيادة الفلسطينية، بجناحيها الوطني والإسلامي، على وجوب إجراء انتخابات عامة في الأرض المحتلة والمحاصرة وفي الشتات، وظهرت مبادرات مدنية تحث على إجراء الانتخابات وتستعجل إتمام الإجراءات الإدارية واللوجستية من حصر للهيئة الناخبة وتسجيل للإنتخابات وإعداد لكشوف الناخبين، وصدر النداء الوطني للتسجيل للإنتخابات يحمل تواقيع ممثلين على أرفع مستوى، لمختلف فصائل العمل الوطني والإسلامي، بيد أن ذلك كله، لم يبعث اليقين بعد، في عقول ونفوس وضمائر المخلصين من ابناء هذا الشعب، بإن الإنتخابات الفلسطينية العامة ستجري، وستجري في مواقيتها المرئية.

لم يعد تمكين الشعب الفلسطيني من الاختيار الحر والطوعي للمثيله وقياداته، ترفاً فائضاً عن الحاجة...لم تعد المقاومة والتحرر والتحرير على تضاد مع قيم المشاركة والحرية والديمقراطية، فهذه القيم هي غاية المقاومة وشرط ديمومتها وانتصارها...خصوصاً في أزمنة الربيع العربي، حيث أمكن لبعض شعوب هذه المنطقة أن تختار بملء إرادتها الحرة، ممثليها الشرعيين، ولأول مرة في تاريخها المعاصر والقديم استتباعاً.

وتكتسب قضية تمكين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في اختيار ممثليهم أهميتها الاستثنائية في هذا الشرط الفلسطيني الخاص، حيث مفاعيل الإنقسام الداخلي وتداعيات، ما زالت تفعل فعلها المدمر في السياسة والاقتصاد والاجتماع، في الجغرافيا والديموغرافيا...وسط انسداد غير مسبوق، وأجازف بالقول أنه نهائي لما كان يعرف بخيار التفاوض والعملية السلمية، جراء الانزياح المنهجي الثابت للدولة والمجتمع في إسرائيل نحو التطرف والتدين والأصولية.

أيتها الأخوات...أيها الأخوة
لقد جاء القرار الفلسطيني بإجراء الانتخابات العامة، عمومياً ومشدداً على ضرورة إجرائها في كل مكان يمكن أن ينتظم فيه عقد الانتخاب العام والمباشر...لكن كواليس السياسة الفلسطيني ترشح بالمعلومات والتسريبات التي تجعل من الاستثناء قاعدة، ففي الأردن يقال أن الإنتخاب متعذر لحساسية المسألة من منظور السياسة الداخلية الأردنية، وسؤال من هو الأردني ومن هو الفلسطيني الذي لم يحسم بعد، مع أن في الأردن ما يربو على المليون مواطن فلسطيني، لا يحملون الجنسية الأردنية، ولا يمارسون حقوقاً سياسية لا في الأردن ولا في فلسطين...هؤلاء يجب أن يتوفر لهم فضاء سياسي لممارسة حقوقهم السياسية، وعلى القيادة الفلسطينية أن تبادر لفتح هذا الملف مع نظريتها الأردنية.
 
وفي سوريا، يقال، أن الوضع الأمني الآخذ في الإنفلات والتدهور على المستوى الوطني العام، يحول دون إجراء الانتخاب العام، مع أن هذا الوضع لم يحل دون إجراء انتخابات مجلس الشعب السوري، التي مهما قيل في جديتها أو هزليتها، إلا أن ذلك لم يحل دون إجرائها في معظم المناطق السورية، فما بالكم والمخيم الفلسطيني في سوريا يعيش منذ اندلاع الأزمة السورية في مناخات "النأي بالنفس".
 
وفي لبنان، ثمة من يتحدث عن حساسيات سياسية وعوائق أمنية قد تحول دون إجراء الانتخاب...هذا ما التقينا اليوم معكم، أيها الأصدقاء والصديقات للبحث فيه والتعرف على مدى جديته...

هل هناك فعلاً ما يحول دون إتمام الاستحقاق الإنتخابي لفلسطيني لبنان؟ هل ثمة عوائق وعراقيل من النوع المستعصي على الحل؟ هل للبنان مصلحة في تمكين الفلسطينين من ممارسة حقوقهم السياسية تحت سقف كيانيتهم الفلسطينية وفي إطار منظمة التحرير؟...أليس في ذلك تبديد للمخاوف والقلق ، بعض المخاوف وبعض القلق، من مخاطر التوطين والتجنيس والديموغرافيا في بلد اشتهر بحساسيه الديموغرافية، قبل أن تنتقل هذه العدوى إلى معظم الدول والمجتمعات العربية للأسف؟...هل ثمة مخاوف لبنانية من مغبة فتح صناديق الاقتراع بكل ما قد تأتي به من تغييرات وتبدلات في توازنات القوى على الساحة الفلسطينية الداخلية؟
 
لقد ارتيأنا أن نستمع من الإخوة والأصدقاء ممثلي الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية كافة، تقديرهم للموقف ونظرتهم إلى أمر كهذا من منظور الحسابات والحساسيات والمصالح اللبنانية. ولقد ارتأينا أن نستمع من ممثلي الفصائل والقوى الفلسطينية كافة، تقديرهم للموقف من زاوية توفر الإرادة من عدمها، توفر المصلحة في إجراء الانتخابات من عدمها، من زاوية ما يمكن أن يندرج في سياق العراقيل والعوائق، أمنية كانت أم سياسية؟ هل ثمة إرادة سياسية حقيقة للذهاب إلى الاستحقاق الإنتخابي، مع كل ما يقتضيه ذلك من إجراءات تحضيرية، إدارة ولوجستية وغيرها؟..ما الذي يقوله نشطاء المجتمع المدني الفلسطيني وناشطاته في هذا المجال، ما الذي يقترحونه ويوصون الأخذ به ويعملون عليه؟
 
أيها الأصدقاء ... أيتها الصديقات
اسمحوا لي أن أشكر لكم صبركم وحسن استماعكم، وأن أجدد شكري لكم وترحيبي بكم، وأن أعبر عن تقدير لكل زميل وزميل أسهم في جعل هذا اللقاء ممكنا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.