كلمة الأستاذ عريب الرنتاوي في مؤتمر نحو خطاب إسلامي ديمقراطي مدني 5

أصحاب المعالي والسماحة
أصحاب السعادة ممثلو السلك الدبلوماسي والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام
السيدات والسادة، أعضاء وضيوف المؤتمر
 
أسعد الله صباحكم جميعاً، واسمحوا لي ابتداءً أن أرحب بكم أجمل ترحيب، باسمي شخصياً، وباسم زميلاتي وزملائي في مركز القدس للدراسات السياسية في بيروت وعمان، وأن اغتنم هذه السانحة، للتعبير عن فائق شكرنا وتقديرنا لحضوركم معنا اليوم، وأن أخص بالذكر على نحو خاص، الإخوة الذين تكبدوا عناء السفر الطويل ليشاركونا خبراتهم ومعارفهم التي ستثري أشغال هذا المؤتمر، وتنهض بمستوى وسوية البحث والحوار، حول أهم القضايا المدرجة على أجندة أعمالنا، والتي تتصدر بدورها جدول أعمال دولنا ومجتمعاتنا.
 
السيدات والسادة:
 
إن المؤتمر الذي نعلن افتتاحه اليوم، في بيروت، عاصمة الحرية، متعددة الصفات، هو الخامس في سلسلة حملت العنوان ذاته: "نحو خطاب إسلامي ديمقراطي مدني"، بدأت قبل سنوات سبع من هبوب رياح الثورة والتغيير في العالم العربي، تناولت في أول اثنين منها، قضايا نظام الحكم والتعددية وتداول السلطة وحقوق الإفراد والجماعات والحريات العامة والفردية، وركزت في حلقتها الثالثة حول مفهوم "النظرية الاقتصادية في الإسلام"، وتوقفت في محطتها الرابعة في أنقرة، وتحت عنوان خاص "دروس من التجربة التركية"، وها هي تحط رحالها اليوم في بيروت، بعد أن بددت رياح التغيير والثورات والانتفاضات، مناخات الركود والاستنقاع التي سيطرت على عالمنا العربي لأربع أو خمس عشريات من السنين، وحيث تبدلت الظروف والأحوال في العديد من دولنا ومجتمعاتنا، فجاءت إلى مواقع السلطة، ولأول مرة عبر صناديق اقتراع "نظيفة"، قوى ظلت مطاردة ما بين المنافي والسجون، وصعدت إلى سدة الحكم والسلطة في غير دولة عربية، قوى إسلامية، لم تُختبر بعد في مواقع صنع القرار والسياسات، فيما تتصدر "شقيقاتها" صفوف المعارضة في معظم الدول التي لم تصل عملية التحول الديمقراطي فيها خواتيمها بعد، مع كل ما تثيره عملية التحول هذه، من أسئلة وتحديات، تشغل العقل العربي، وتجعل المشهد برمته، أكثر إرباكاً وتعقيداً.
 
أيتها السيدات أيها السادة
 
سيتوقف مؤتمرنا اليوم، في جلستيه الأولى والثانية، أمام "التجربة التركية"، وسنتبادل سوياً، الأفكار والقراءات لهذه التجربة الفريدة في ظروفها وسياقاتها التاريخية والراهنة، وسنبحث في عناصر قوتها وضعفها، وما إذا كانت تتوفر على "صفة النموذج" أم لا..سنقرأ في الكيفية التي أجابت بها تركيا على أسئلة العلاقة بين الدين والدولة، الإسلام والعلمانية، أصالة الإسلام وتأصيل الديمقراطية فيها، الإرث "الدولتي" العريق والعلاقة الجدلية بين إسلام تركيا وقوميتها، عسكرها ومدنييها، وسنُعرّج على أثر السياسة الخارجية في تدعيم "النموذج" أو إضعافه...وسيظل منطق المقارنة حاضراً في كل مقارباتنا، بين ما نحن فيه وما كنا عليه..فنحن هنا لنتعلم ونتثاقف من بعضنا البعض...نحن هنا للبحث عن المشتركات و"ما ينفع الناس"..نحن هنا لاستخلاص الدروس لا لنسخ التجارب.
 
وسينتقل بحثنا وحواراتنا في جلسات لاحقة، إلى محطة ثانية: تجربة الإسلاميين في الحكم في عدد من الدول العربية، وهي تجربة يصعب الحكم عليها وتقييمها، بالنظر لحداثة عهدها...بيد أنها تطرح من الأسئلة والتحديات، ما يملي علينا التفكير ملياً، ببعض ما صاحبها ورافقها من نجاحات وإخفاقات، أقله من باب "درء الضرر" وتفادي إعادة تجارب نصف قرن من الهيمنة والإقصاء والحكم الشمولي ومصادرة الحقوق والحريات، وفرض أنماط في الحكم جعلت المنطقة برمتها، في ذيل القوائم العالمية للتنمية في شتى ميادينها.
 
سنسأل عن المضمون المدني الديمقراطي للخطاب الإسلامي، والحاجة لتأصيله بما يضيء "المساحات الرمادية" في خطاب كثير من هذه الحركات وممارستها...سنسأل عن الدولة المدنية التي باتت، على التباس المصطلح، القاسم المشترك في خطابات الإسلاميين ومجادليهم، هل هي نقيض الدولة الدينية أم الدولة العسكرية، أم الاثنتين معاً؟...وهل يستقيم الحديث عن دولة مدنية مع دعوات تطبيق الشريعة التي تصدر عن تيارات "الإسلام السياسي"، ما الصلة بين الشرع والتشريع، وكيف تنظر هذه الحركات للشراكة مع الآخر في الوطن، في إطارٍ من التعددية يحفظها وينظم قواعدها، عقد اجتماعي جديد، بين الدولة ومواطنيها، وسنتوقف بشكل خاص، أمام ما يثيره "ربيع العرب" من أسئلة حول مواقف هذه الجماعات والأحزاب من حقوق الأفراد وحرياتهم العامة، حقوق الأقليات والجماعات الدينية والقومية في دولنا ومجتمعاتنا، هل هم مواطنون كاملو الحقوق والواجبات، أم رعايا وجاليات؟.
 
وسنبحث بشكل خاص، في الصراعات التي لم تتوقف بين مختلف التيارات السياسية والفكرية في دول "الربيع العربي" وغيرها، والحاجة لاستلهام الدروس والعبر من تجربة الهيمنة والإقصاء التي ورثت المنطقة، كل هذا الخراب، وأفضت إلى انحلال الهويات الجامعة، لصالح هويات فرعية تفتيتية، حتى أننا بالكاد، بتنا نعثر على مجتمع عربي واحد، لا تنخره رياح الفرقة والانقسام، ولا تعبث به، الأزمات الناجمة عن اختلال العلاقة بين الدولة العربية الحديثة ومواطنيها.
 
وسننتهي – وفقاً لأحسن توقعاتنا - إلى ما يمكن وصفه بخريطة طريق لعملنا المشترك في المرحلة القادمة، من خلال جملة مقترحاتكم وتوصياتكم، التي سترشدنا جميعاً في عملنا اللاحق، وسنسعى في الإجابة على أسئلة من نوع: كيف يمكن لمختلف التيارات الإسلامية وغيرها، أن تسهم في بناء التوافقاتالداخلية في دولها ومجتمعاتها؟...وكيف لنا أن نستفيد من تجربة نصف قرن من الفشل والتخبط، وهل بالإمكان تفاديها وعدم تكرارها من جديد ؟...كيف يمكن "تأصيل" و"تعميق" التحولات المدنية والديمقراطية في خطاب "الإسلام السياسي"، وكيف يمكن مجابهة قوى "الثورة المضادة" لمسارات التحول الديمقراطي...كيف يمكن تنظيم الاستفادة المتبادلة من خبرات مختلف تيارات العمل السياسي والفكري في الدول المعنية.
 
كما نتطلع وإياكم، إلى تشكيل "لجنة حكماء" في قادمات الأيام، تتوفر على الإرادة المبنية على النية الحسنة والإدراك العميق، تعمل لإطفاء بعض الحرائق المشتعلة وتلك التي قد تكون في طريقها للاشتعال، في عدد من الدول والمجتمعات العربية، وتسعى في تيسير عملية بناء "التوافقات الوطنية"، حول أبرز عناوين مرحلة الانتقال للديمقراطية ومبادئ "العقد الاجتماعي الجديد" الناظم لأنماط العلاقة بين الدولة ومكوناتها..بين المجتمعات والجماعات المكوّنة لها.
 
أيتها السيدات أيها السادة:
 
ختاماً، أكرر الشكر والتقدير لكل أخ عزيز، وأخت عزيزة، على تشريفنا بالمشاركة في أعمال هذا المؤتمر، وكلنا ثقة بأنها ستثري النقاش وتغني المداولات وتعمق النتائج الختامية...كما واسمحوا لي أن أتوجه بالشكر والعرفان، لزملائي وزميلاتي في مركز القدس للدراسات السياسية في عمان وبيروت، الذين قدموا كل جهد، من أجل جعل لقائنا هذا ممكناً.
 
أتمنى لكم إقامة مفيدة وممتعة في بيروت، وعودة سالمة للديار، كما أتمنى لمؤتمرنا النجاح والسداد
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.