التيار الإسلامي في الأردن...اشكاليات الحاضر...احتمالات المستقبل - ورقة عمل

المقصود بالتيار الإسلامي هو ذلك الاتجاه الإسلامي المنظم الذي يدعو الى التمسك بالاسلام عقيدة وشريعة ومنهاج حياة وله برامجه ووسائله في هذه الدعوة.

وهو في الحقيقة ليس مقتصرا على جماعة الإخوان المسلمين او حزب جبهة العمل الإسلامي، وان كانا يشكلان العصب الاساس لهذا التيار.
وقد بدأ هذا التيار عمله المنظم منذ ان تأسست الدولة الأردنية على يد الملك المؤسس عبد الله الاول رحمه الله.

ولا شك ان القاعدة الأساس التي انطلق منها هذا التيار هي إسلامية الأردن وفطرته الدينية، شعبا وقيادة، حيث لم ينظر الى هذا التيار ونشاطاته المختلفة نظرة ريبة او استهجان بل ترك له المجال في بداية الامر ليمارس نشاطاته المتنوعة السياسية منها او الاجتماعية او التربوية او الخيرية.
مراحل العمل الإسلامي في الأردن:

لقد مر العمل الإسلامي في الأردن بمراحل اهمها:

1-مرحلة التأسيس والنشوء في عقد الاربعينات حيث رحب الملك المؤسس رحمه الله بالدعاة القادمين من مصر (حيث نشأت جماعة الإخوان المسلمين) بنشر الفكرة وعرض على احدهم حقيبة وزارة التربية والتعليم، مما دفع بالإمام حسن البنا –مؤسس الجماعة في مصر- لان يرسل برسالة شكر الى الملك عبد الله الاول، على حسن استقباله وترحيبه. وهذه المرحلة لم تكن مرحلة تنظيم دقيق وانما كانت دعوة عامة.

2-مرحلة انتشار الدعوة وفكرة العمل المنظم في عقد الخمسينات. حيث بدا التيار الإسلامي في هذه المرحلة يمارس نشاطاته وفق برنامج منبثق عن خطة شاملة. واتجه التيار الإسلامي في عمله الى الشمولية. ففي سنة 1953 عقد الإخوان مؤتمرا اسلاميا في القدس دعوا اليه عددا من علماء العالم الإسلامي وشخصياته المجاهدة ليبينوا الخطر المحدق بالقدس وانبثقت عن هذا المؤتمر الإسلامي العام تكوين "مؤتمر بيت المقدس" ثم اصدرت الجماعة مجلة خاصة بها سميت الكفاح الإسلامي وشارك التيار الإسلامي بالوقوف في وجه حلف بغداد الاستعماري، عن طريق الاضرابات والمظاهرات.

وبدأت تصدر عن التيار الإسلامي في هذه المرحلة البيانات السياسية المتعلقة بالشؤون الداخلية او الخارجية. وفي سنة 1957 طالب نواب الحركة الإسلامية تحت قبة البرلمان بالغاء المعاهدة البريطانية وطرد قوات الاحتلال من الاراضي الأردنية، ووزعوا بيانا هاجموا فيه مشروع الرئيس الامريكي ايزنهاور سنة 1957.

وقد عرض عليهم في هذه السنة المشاركة في الحكومة فاعتذروا عن ذلك. وقد احتج الإخوان المسلمون على الحكومة الأردنية لاستدعائها قوات بريطانية لترابط في الأردن على اثر الانقلاب الذي حصل في العراق سنة 1958. وتعرض المراقب العام آنذاك لاعتقال مؤقت لبضعة اشهر.

3-مرحلة الاهتمام بالعمل الخيري والتربوي، في الستينات والسبعينات.وكان العمل الخيري والانساني وحتى التعليمي الخاص قبل ذلك مقتصرا على المؤسسات التبشيرية، فتم افتتاح جمعية المركز الإسلامي الخيرية بعمان سنة 1964، ثم أنشأت لها فروعا في مختلف مدن المملكة وتم افتتاح المدرسة الإسلامية الثانوية في اربد وغيرها. واستطاعت جمعية المركز الإسلامي ان تقوم بدورها الخيري عن طريق مساعدة الاسر الفقيرة وكفالة الايتام، وإنشاء المدارس ورياض الاطفال ثم كلية المجتمع الإسلامي بالزرقاء، وانشاء المراكز الصحية والعيادات الخيرية الى ان تمكنت من تأسيس المستشفى الإسلامي بعمان ثم في العقبة.

4-مرحلة العمل النقابي والطلابي في الثمانينات، حيث رأت الحركة الإسلامية في ظل جمود العمل السياسي وتعطل الحياة النيابية وعدم السماح بالنشاط الاعلامي، ان العمل الخيري وحده لا يكفي للانتشار والتأثير بالناس فامتد العمل الى النقابات العمالية والمهنية، وتمكنوا من احراز نجاحات في الوصول الى قيادة هذه النقابات بعد ان كان العمل النقابي قبل ذلك حكرا على القوى اليسارية. وشاركت الحركة الإسلامية في هذه المرحلة بالعمل الطلابي في الجامعات الأردنية وحصلوا على معظم مقاعد مجالس الطلبة.

5-مرحلة عودة النشاط السياسي في التسعينات حيث شارك التيار الإسلامي بزخم في الانتخابات النيابية  في اواخر سنة 1989 وظهر في مجلس النواب الحادي عشر تيار اسلامي قوي مؤثر وتمكن هذا التيار من الوصول الى رئاسة مجلس النواب ورئاسة لجانه الفاعلة. وكان له دوره في اعطاء الثقة او حجبها.

وفي هذه المرحلة صدر قانون الاحزاب السياسية سنة 1992 فقام هذا التيار بتأسيس حزب جبهة العمل الإسلامي وقد ضم عددا من الشخصيات الإسلامية المستقلة بالاضافة الى عدد من المنتسبين لجماعة الإخوان المسلمين. وخاض هذا الحزب الانتخابات النيابية للمجلس الثاني عشر سنة 1993.

على الرغم من مضايقات الحكومة واصدارها قانونا انتخابيا خاصا هدفه تحجيم التيار الإسلامي وهو ما عرف بقانون الصوت الواحد. وقد تمكن سبعة عشر نائبا من هذا الحزب من الوصول الى قبة البرلمان، حيث شكلوا كتلة نيابية كان لها الدور الفاعل في مجمل اعمال مجلس النواب ونشاطاته المختلفة. وقد اعلنت موقفها الرافض لاتفاقية وادي عربة والقى نوابها من اعضاء لجنة الشؤون الخارجية كلمات قوية ادانت المعاهدة وبينت سلبياتها ودعت النواب الى عدم الموافقة عليها. الا ان قانون المعاهدة قد اقر، وقد طالبت كثير من القواعد الشعبية نواب حزب جبهة العمل الإسلامي بالاستقالة الا انهم رأوا بعد دراسة الامر ان البقاء وممارسة العمل افضل واجدى، وكان موقفهم في مقاطعة جلسة مجلس النواب يوم زيارة الرئيس الامريكي كلينتون رسالة قوية في احتجاجهم على السياسة الامريكية تجاه القضية الفلسطينية ومجمل القضايا العربية والإسلامية.

وظل هذا المجلس الى ان صدر حله في سنة 1997 حيث كانت في نهاية هذا العام الانتخابات للمجلس الثالث عشر التي قرر حزب جبهة العمل الإسلامي مقاطعتها.

وفي هذه المرحلة كذلك شارك التيار الإسلامي في الانتخابات البلدية واستطاع سنة 1995 ان يصل الى عدد من المجالس البلدية وفي سنة 1999 تمكن من النجاح والفوز بادارة معظم البلديات في مراكز محافظات المملكة. الى ان وضعت الحكومة قانونها المؤقت وبدأت بعملية مضايقة وتحجيم للعمل الإسلامي في البلديات مما دفع حزب جبهة العمل الإسلامي الى اتخاذ قراره بالانسحاب من البلديات.

في جميع هذه المراحل وفي مختلف النشاطات ومجالات العمل يرى المراقبون ان التيار الإسلامي استطاع ان يحافظ على وجوده وتنامي نشاطه واتساع دائرة اعماله لما تميز به من سياسة معتدلة مدروسة قامت على الوسطية والمعارضة الايجابية بعيدا عن العنف والصدام، والمشاركة الفاعلة حيثما كانت المشاركة مثمرة في مجالات الحياة المختلفة. واستطاع التيار الإسلامي عبر سياسته المعتدلة هذه ان يجد له قبولا وتأييدا في الشارع الأردني بكل اطيافه ومواقفه. ونستطيع ان نجمل اهم عوامل نجاح هذا التيار وشعبيته بما يلي:

1-انطلاق هذا التيار في فلسفته وثوابته من الاسلام الذي ينتمي اليه الشعب الأردني كله حيث ينتمي اليه المسلمون عقيدة وحضارة وينتمي اليه المسيحيون حضارة وتراثا وتاريخا.

والحركة الإسلامية تتبنى هذا الموضوع وتتعامل معه على انه ثابت اساسي من ثوابتها، في كل المواقع والمناسبات فهو وارد في بياناتها وبرامجها الانتخابية، وفي مذكراتها وبياناتها السياسية وفي خطبها ودروسها الدينية. وقد كان المطلب الاول من المطالب التي علقت عليها اعطاءها الثقة بحكومة السيد مضر بدران في المجلس الحادي عشر هو "التوجه نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، وتعديل القوانين التي تتعارض مع المادة الثانية من الدستور الأردني، وذلك سيرا بالامة على طريق التقدم نحو الاسلام". ولا شك ان الاهتمام بهذا الجانب هو جزء من توجه الشعوب الإسلامية كلها، وجزء من صحوتها الإسلامية المتنامية.

2-الموقف الثابت والواضح من القضايا الرئيسة للامة الإسلامية، وبخاصة القضية الفلسطينية ذات الاهتمام البالغ لدى كل شرائح الشعب الأردني، وقد أخذت هذه القضية جزءا كبيرا من اهتمامات الحركة الإسلامية في بياناتها وبرامجها الانتخابية والعملية، وادبياتها ونشراتها وتتناولها في جميع المحافل والمواقع، وتعلن دائما تصديها للمشروع الصهيوني. وقد عبرت بكل وضوح عن رفضها لكل مشاريع السلام مع العدو الصهيوني الغاصب. وتاريخ الحركة الإسلامية في هذه القضية معروف عمليا ونظريا من مشاركتهم الجهادية في فلسطين سنة 1948 الى مشاركتهم في العمل الفدائي من سنة 1968-1970 ثم في دعمهم المتواصل للانتفاضة المباركة على ارض فلسطين، وظهور حركة المقاومة الإسلامية هناك.

ولم يقتصر دور الحركة الإسلامية في الأردن على دعم القضية الفلسطينية وانما تعدى ذلك الى كافة القضايا العربية والإسلامية ، في العراق ولبنان والسودان والبوسنة وافغانستان وكوسوفا وبلغاريا وتركيا وغيرها من اقطار العالم الإسلامي. والبيانات السياسية الصادرة عن حزب جبهة العمل الإسلامي تدل على هذه الشمولية وهذه المواقف الثابتة المتجاوبة مع قضايا الامة الإسلامية.

3-تبني قضايا الناس وتحسس الآمهم وامالهم والاعتراض على كل القوانين والممارسات التي تضر بمصالح المواطنين او تحد من حرياتهم التي كفلها لهم الدستور.
ولذلك فقد تميز نوابهم الى حد ما في الابتعاد عن القضايا الشخصية وتبني القضايا العامة بعيدا عن الجهوية والعشائرية والمصلحية، واصبح معروفا عنهم انهم نواب وطن لا نواب مناطق.

ومنذ ان وصلوا الى قبة البرلمان سنة 1989 راحوا يطالبون بقوة بالغاء الاحكام العرفية وقوانين الدفاع واعادة جوازات السفر المحجوزة واعادة المفصولين لاسباب سياسية الى وظائفهم. كما وقفوا في وجه رفع الاسعار، وزيادة الضرائب والرسوم، وطالبوا بضبط الانفاق وعدم الاقتراض من البنوك الدولية والدول الدائنة الا في حالات الضرورة القصوى وعدم الاعتداء على المال العام وقدموا اقتراحا بقانون" من اين لك هذا؟ " ومع الاسف تمكنت قوى مؤثرة في مجلس الاعيان من اخفاء القانون وانتهى المجلس قبل ان يرى النور. وشكل الحزب لجانا مختلفة على رأسها لجنة الحريات العامة التي بدأت تتلقى شكاوى المواطنين من كافة انحاء المملكة وتراجع بها لدى الدوائر المختصة.

4-الوسطية في التعامل مع الحكومات المتعاقبة: فانطلاقا من ايمانها بان التغيير يكون بالاصلاح لا بالعنف التزمت الحركة الإسلامية في الأردن منهجا يقوم على البيان والموعظة الحسنة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة الى اصلاح الفرد والاسرة والمجتمع والحكومة. واستطاعت ان توصل رأيها في ذلك عبر الكلمة وكافة وسائل التعبير المشروعة.

وفي الوقت الذي تقود فيه الحركة الإسلامية احزاب المعارضة فانها لا تتبنى المعارضة للنظام والدستور، وهي تؤمن ان النظام الدستوري يحتوي على ايجابيات جيدة يمكن البناء عليها فقد نص على ان دين الدولة هو الاسلام واعطى هامشا واسعا للحريات المنضبطة واحترام المؤسسة والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص بينهم.

وانصبت المعارضة على الممارسات الحكومية الخاطئة ومخالفات الدستور والقوانين التي تعتقد الحركة الإسلامية ان لها آثارا سلبية على الوطن والمواطنين وعلى راسها قانون معاهدة السلام.
كما نأت الحركة الإسلامية في الأردن بنفسها عن اسلوب التكفير للانظمة في العالم الإسلامي او للاخرين واعتمدت المنهج الإسلامي السليم الذي لا يكفر الا من اعلن كفره او مارس كفرا بواحا لا خلاف فيه. وتعاملت مع الحكام واولي الامر على انهم مسلمون بشر يصيبون ويخطئون وما يخرج فرديا من بعض ابناء الحركة الإسلامية خلاف ذلك لا يمثل المنهج المؤسسي المعتمد لدى الحركة.

وهذا المنهج بلا شك سهل عملية التواصل واللقاء وفتح الباب امام الحوارات الهادفة واللقاءات المتواصلة للشورية والتناصح وتقديم المطالب لكافة مؤسسات الدولة عبر الحوار المباشرة او المذكرات المكتوبة، سواء اكانت مع القصر مباشرة او مع رؤساء الحكومات وكبار المسؤولين. وساعدتها هذه الوسطية في ايجاد صلات طيبة مع كافة القوى والاحزاب داخل الأردن وخارجه.

5-التنظيم الدقيق والمنهج التربوي الشامل في تريبة الافراد جعل من الحركة الإسلامية في الأردن وحدة استعصت على محاولات كثيرة لتفكيكها وصمدت امام قضايا وانشقاقات فردية كان البعض يراهن على تصدع الصف من بعدها، وقد اثبتت الحركة الإسلامية في الأردن رغم تعرضها لاكثر من هزة ورغم وجود الآراء المتفاوتة والمختلفة في بعض القضايا الهامة، انها صامدة في تنظيمها قادرة على الخروج من الازمات بأقل الخسائر.

6-التنوع في اساليب العمل, فكما لاحظنا في مراحل نمو الجماعة وانتشارها فاننا نرى هذا التنوع الواسع في اساليب العمل والانتشار بين الناس ، في العمل السياسي بكافة اشكاله المتاحة والعمل التربوي والخيري والرياضي والاجتماعي.

7-موقفها العملي المتميز في تعزيز الوحدة الوطنية ورفض الاقليمية والجهوية والطائفية، فهي الحركة المنتشرة في ارجاء الوطن كله. من ابرز سياساتها التصدي للدعوات والسياسات التي تستهدف النيل من الوحدة الوطنية فما كانت في يوم من الايام سببا في فتنة بل مارست دورها الايجابي دائما في الاصلاح واطفاء نار الفتنة وتقوم مؤسساتها الخيرية والتعليمية بتقديم الخدمات لكل المواطنين المحتاجين لها دون أي تمييز على اساس عرقي او طائفي او جهوي.

8-موقفها من المرأة: فقد نظرت الحركة الإسلامية في الأردن الى المرأة بالنظرة الإسلامية المنصفة التي لم تفرق مطلقا بين الرجل والمرأة في اصل الخلقة والفضل واعطت المرأة كافة حقوقها في الميراث والنفقة وجعلت لها ذمة مالية مستقلة، ومارست المرأة في تاريخ الدولة الإسلامية دورها في مختلف انشطة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فقد عرف  تاريخنا الإسلامي قيادات نسائية متميزة في السلم والحرب، وعرفنا فقيهات  عالمات كانت لهن مجالس التعليم يتردد عليهن طلبة العلم، وعرفنا محسنات فاضلات كان لهن دور كبير في العمل الخيري والاجتماعي.

وقد اصدر حزب جبهة العمل الإسلامي نشرة بعنوان السياسات العامة للحزب، ذكر فيها سياسة الحزب في توفير الظروف المناسبة للارتقاء بالعمل النسائي من حيث التوسع في العضوية وممارسة النشاطات وتنفيذ البرامج التدريبية، واخذ دور اكبر في المواقع القيادية، وفي كل فرع من فروع الحزب هنالك اخوات يعملن ويمارسن نشاطاتهن في مقار الحزب .

وقد وصل عدد منهن الى عضوية مجلس الشورى، وليس هنالك ما يمنع حسب النظام من وصولهن الى المكتب التنفيذي او حتى الامين العام للحزب. وتتجه النية الى ترشيح عدد من الاخوات باسم الحزب في الانتخابات النيابية القادمة.

وهذه النظرة للمراة اعطت للحركة الإسلامية دورا في صفوف المرأة الأردنية، راينا ذلك واضحا على صناديق الاقتراع وفي المسيرات والمهرجانات التي تنظمها الحركة الإسلامية.

9-موقفها من الاتجاهات الاخرى:ان المنطلق الديني للحركة الإسلامية لم يمنعها من ان تحسن صلتها وعلاقتها مع الاخرين سواء اكانوا من الاقليات غير المسلمة او مع الاحزاب التي تتبنى طروحات وايديولوجيات مخالفة للفكر الإسلامي.

اما الاقليات غير المسلمة واخص العرب المسيحيين فقد انطلقت في التعامل معهم من قوله تعالى "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين". فلم يشهد تاريخ الحركة الإسلامية في جميع اقطار العالم الإسلامي أي احتكاك سلبي مع النصارى بل كانت العلاقة دائما علاقة مسالمة وعدم اثارة.

فقد جمعت المرشد المؤسس للجماعة في مصر علاقة صداقة مع زعماء الاقباط، وكتائب الإخوان المسلمين في حرب فلسطين سنة 1948 كانت تضم عددا من المتطوعين الاقباط. وقبل قانون الصوت الواحد كانت بعض اسماء الشخصيات المسيحية تنزل على قائمة الحركة الإسلامية كما حصل سنة 1989 في مأدبا والزرقاء، وقبل ذلك نزل الاستاذ يعقوب معمر على قائمة الإخوان في اربد سنة 1956.

واما في مجال التنسيق الحزبي فقد امتلك حزب جبهة العمل الإسلامي من المرونة ما جعله منفتحا على كافة القوى والاحزاب السياسية في الأردن  لا بل وخارج الأردن وهو الان على راس احزاب المعارضة، وعضو في لجنة التنسيق الحزبي، والدكتور اسحق الفرحان هو الامين العام لمؤتمر الاحزاب العربية، والدكتور محمد عويضة عضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر القومي الإسلامي والاستاذ حمزة منصور مساعد الامين العام لرابطة البرلمانيين المدافعين عن القضية الفلسطينية. الى غير ذلك من النشاطات المشتركة والتنسيقات الحزبية التي اعطت انطباعا جيدا في مرونة التيار الإسلامي في الأردن وتميزه عن حركات إسلامية كثيرة عرفتها الساحة العربية.
 
التحديات:

1-لتحدي الداخلي: المتمثل بالخلافات احيانا والخلط بين الثوابت والمتغيرات حيث نرى البعض متشنجا امام قضايا ظانا انها من الثوابت التي لا يجوز تجاوزها، مع انها في حقيقة الامر ليست كذلك وهذا ما ادى الى ظهور اكثر من مدرسة او اتجاه في بعض القضايا،كالمشاركة النيابية او الوزارية،والتنسيق مع الاحزاب العلمانية وغير ذلك. وحين تتسع دائرة الخلاف ويدخل الهوى في انتصار كل فريق الى رأيه تنتقل المسالة من مسالة اجتهاد وتعدد اراء الى مسالة تمترس وصراع ومحاولات تصفية فريق للاخر.

2-التحدي المالي: لان النشاطات المختلفة تحتاج الى تمويل، وحزب جبهة العمل الإسلامي بالذات يعاني من هذه المشكلة، ومن ابرز المشروعات التي تحتاج الى المال المشروع الاعلامي، ولا زال الحزب حتى اليوم عاجزا عن اصدار صحيفة باسمه تنقل اخباره وافكاره.

3-محاولات التحجيم، واساليب التضييق التي تمارسها الحكومات المتعاقبة ضد التيار الإسلامي، وبخاصة بعد النجاح الذي احرزه التيار الإسلامي  في انتخابات سنة 1989 وبعد الموقف الرافض لاتفاقية السلام، والوقوف المعارض لكافة اشكال التطبيع مع العدو الصهيوني. فقد شملت هذه المضايقات سلسلة من قوانين الحد من الحريات بشكل عام ولتحجيم الحركة الإسلامية بشكل خاص وبخاصة قانون الصوت الواحد، وتقسيم الدوائر الانتخابية. كما شملت المضايقات احيانا منتسبي الحزب في صعوبة التعيين بوظائف الدولة. 

ويبرز بشكل عام دور الحكومة في تهميش الاحزاب السياسية. وتأثرها بالضغوط الخارجية وبخاصة بعد احداث الحادي عشر من ايلول والحملة العالمية على الاسلام باسم مكافحة الارهاب.