مساندة المرأة في الانتخابات النيابية - ورقة عمل

لأسباب عديدة، لا مجال لمناقشتها الآن، يبدو النجاح في إيصال المرأة إلى مقاعد البرلمان معيارا جوهريا للحكم على:
 
• المستوى الذي بلغه الاختيار الديمقراطي في البلاد.

• المستوى الذي بلغته قضية المشاركة خصوصا لجهة جذب الفئات المهمشة من نسائية وشبابية إلى معترك العمل العام.

• المستوى الذي بلغه المجتمع برمته على طريق تحرره العام، فتحرر المرأة، وهنا ضمان مشاركتها ناخبة ومرشحة في العملية الانتخابية، هي المقياس الأهم للتحرر العام.
 
على أن نجاح المرأة الأردنية في احتلال مواقعها المتقدمة تحت قبة البرلمان، ما زالت تعترضه جملة شائكة ومتداخلة من العوائق والصعوبات، منها على سبيل المثال لا الحصر:
 
• أن المجتمع الأردني في الأصل والمنشأ، ما زال مجتمعا ذكوريا، فالإطلار الثقافي والاجتماعي والحضاري المحيط بعمل المرأة يقف عائقا ومكبلا لها  في سعيها لانتزاع حقوقها الأساسية، بل وفي سعيها للبرهنة على إنسانيتها بالمعنى الشمولي للكلمة، أي من حيث هي مواطنة تتتمع بكامل حقوق المواطنة وواجباتها ، من حيث كونها لاعبا رئيسا في الحياة العامة، لا تقبع كما يراد لها أن تكون، في خانة الاحتياط.

• أن المجتمع الأردني، وبحكم نشأته وتكوينه الاجتماعي، ما زال مجتمعا أبويا بطريركيا، فرب العائلة، زعيم القبيلة، شيخ العشيرة، وأحيانا الأمين العام للحزب السياسي، هو صاحب القول الفصل في تقرير أمر المشاركة من عدمها، في توجيه الرأي العام، في تقرير وجهة الأصوات الانتخابية، في تقرير هوية المرشحين وضمان وصولهم للمجلس النيابي.

• أن القوانين الناظمة للعملية الانتخابية، ومن خلفها جملة القوانين الناظمة للأحوال الشخصية، تفرض قيودا على فرصض ممارسة المرأة لحقوقها، واستتباعا، تقيد إلى أبعد الحدود فرص نجاح المرأة في كسب الرهان الانتخابي...وهنا دعونا نشير إلى إخفاق الجهود النسوية والاجتماعية في تقرير " الكوتا النسائية " في القانون الانتخابي المؤقت الذي ستجري تحت ظلاله الانتخابات المقبلة...وهي المسألة التي نظرنا إليها، ونظر إليها كثيرون على أنها حلقة توسط بين غياب المرأة شبه الكامل عن القبة، وبين مرحلة نتطلع لها جميعا تتبوأ فيها المرأة الأردنية المكانة التي تستحق في السلطة التشريعية....ودعونا نشير أيضا إلى أثر " الصوت الواحد " في تخفيض سقف التوقعات في العملية الانتخابية القادمة....ففي مجتمع ذكوري/أبوي أحسب أن الصوت الواحد لن يصب أبدا في خدمة المرأة، التي تبحث عن فرصتها في الصوت الثاني أو الثالث عادة.

• أن المجتمع المدني الأردني ما زال دون مستوى الاهتمام بقضية المرأة على وجه العموم...فمنظماته النسائية حديثة العهد، مشتتة عموما، وأحزابه السياسية لم تول قضية المرأة اهتماما يفوق " المستوى الاجتماعي العام "فحال المرأة في الأحزاب – بما فيها تلك التي تقول بطلائعيتها - هو حالها في المجتمع"...والمنظمات المهنية ما زالت بدورها حكرا على الرجال انسجاما مع تقليد متوارث في هذا الحقل.

• والإعلام لا يولي قضية المرأة الاهتمام الذي تستحق، ففي دراسة أجريناه في مركز القدس للدراسات السياسية على عينة عشوائية من صحفنا اليومية الأربع، الناطقة بالعربية تبين أنها تخصص ما نسبته 5 % من مجمل مساحتها لموضوعات شؤون المرأة، وأن الرجال يهيمنون على كتابة الموضوعات الصحفية الخاصة بشؤون المرأة، وأن هذه الصحافة تحرص عموما على تقديم صورة إيجابية للمرأة من خلال مضمونها و ذلك بتفوق واضح لهذه الصورة مقارنة بالمساحة التي أعطيت للمضامين التي تعكس الصورة السلبية للمرأة ( 85 % - 15 % )، كما يرتبط بالصورة الإيجابية أدوارا إيجابية أيضا.حيث قدمت الصحافة المرأة في تغطيتها لشؤونها كفنانة ورياضية وقيادية وعاملة منتجة وموظفة وربة بيت ومتطوعة ومناضلة وجامعية، و احتلت هذه الأدوار غالبية المساحة التي خصصت لموضوعات شؤون المرأة.

• وترتب على ذلك كله، أن وعي المرأة لذاتها، لقضيتها لحقوقها ودورها، ما زال وعيا ناقصا إلى حد كبير...فالثقة بقدرة المرأة على القيام بأدور قيادية ما زالت محدودة، فأصوات الناخبات تذهب إلى مرشحين وليس إلى مرشحات في الغالب الأعم...وتقبل اهتمام المرأة بالشأن العام ما زال في مراحله الأولى، حتى عند النساء أنفسهن.

• والمكانة الاقتصادية، أو الملاءة المالية للمرأة، ناخبة عموما ومرشحة على وجه الخصوص، تضعها في موقع تنافسي غير ملائم علىالإطلاق...خصوصا مع ارتفاع تكاليف الحملة الانتخابية، وهنا يتعين على المراة أن تكافح على جبهيتن، أو أن تخوض معركة مركبة، فهي المهمشة اقتصاديا، العاملة تحت وطأة " الأجر غير المتساوي للعمل المتساوي "...الضحية الأولى للبطالة، المحتلة للمكانة الثانية في سلم أولويات الموازنة العائلية للتعليم والصحة والرفاه...المجحف بحقوقها حتى في قضايا التملك والإرث والتصرف بأموالها وممتلكاتها...ولذلك كله تجد المرأة نفسها في نهاية المنطاف بحاجة لإجازة خاصة حتى تتمكن من الترشيح وتمويل حملاتها الانتخابية وتأمين استقلالية قرارها وخيارها.
 
ومن غير إدراك البيئة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية...من غير إدراك المظلة القانونية التشريعية لعمل المرأة العام...من غير حصر العقبات والعراقيل التي تعترض طريق المرأة للعمل العام، وبالأخص طريقها للبرلمان، يصعب صوغ البرامج واقتراح الخطط واجتراح الحلول التي تمكن المرأة من انتزاع مكانتها على المسرح السياسي بعامة، وتحت قبة البرلمان على وجه الخصوص، مثلما يصعب التفكير في أنجع الطرق والوسائل لمساندتها في العملية الانتخابية المقبلة، وما سيتلوها من عمليات.
 
وأحسب أن التفكير في دعم المرأة في الانتخابات النيابية، يستوجب العمل على محورين:
 
• الأول : مباشر، ويتعلق بانتخابات قد تجري في أيلول القادم، ما لم يطرأ ما ليس في الحسبان، محليا وإقليميا.

• والثاني : بعيد المدى، ويتعلق بالخطط والاستراتيجيات التي تسعى في النهوض بأوضاع المرأة الأردنية بصفة عامة، وتستهدف خلق البيئة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية الكفيلة بوضع المرأة على قدم المساوة مع الرجل في المعركة على مقاعد البرلمان.
 
على المستوى المباشر، أرى ان تنصب جهودنا جميعا، من مؤسسات نسائية ومنظمات مجتمع مدني وأحزاب سياسية مؤمنة بقضية المرأة، من صحافة ووسائل إعلام ومراكز دراسات، على تحقيق جملة من الأهداف أهمها :
 
• اختيار نخبة موثوقة من المرشحات القياديات الكفؤات لخوض المعركة الانتخابية القادمة، ودراسة واقع الحال في الدوائر الانتخابية، وتقديم مرشحات قادرات على المنافسة على الأقل، حتى لا نقول قادرات على الفوز...وتنسيق قوائم المرشحات بحيث نتجنب ما أمكن المنافسة النسائية على المقاعد ذاتها....ضمان تقديم مرشحات في كثير من الدوائر حتى وإن كانت فرص فوزهن محدودة، والهدف تمرين المجتمع على فكرة المنافسة النسائية، وكسر الحواجز النفسية أمام مشاركة المرأة، فالانتخابات لحظة مكثفة في الوعي العام، وحسن أداء المرشحة كفيل بتعليم الجماهير خلال أيام وأسابيع معدودات ما يصعب عليها أن تتعلمه في سنوات وربما عقود.

• توحيد الجهود التي تقوم بها المنظمات النسائية في هذا المضمار، وضمان أن تكون جهود منظماتنا النسائية متكاملة لا متنافسة، في هذه المرحلة على الأقل...ما كل ما يعنيه ذلك من سعي حثيث لتأمين التمويل المناسب للحملات الانتخابية للمرشحات...وتكثيف التشاور لإدارة حملات انتخابية عالية الكفاءة...وصوغ البرامج والشعارات الانتخابية التي تمكن لامرأة من الوصول إلى عقول وقلوب وضمائر الناخبين والناخبات.

• تفادي التعامل مع " الصوت النسائي " كدائرة انتخابية...فالمرشحة للبرلمان يتعين عليها أن تتخطى قضايا المراة، فجمهورها ليس النساء وحدهن، بل النساء والرجال...والمرأة الساعية للقبة عليها أن تولي اهتماما للقضايا العامة التي تواجه الوطن والمواطن...على الصعيدين الوطني والقومي...عليها أن تسعى في بلورة مواقفها مما يجري حولها وحولنا من قضايا وأحداث وتحديات، بدءا بصراع العرب مع اسرائيل، مرورا بما يسمى بالحرب الأمريكية على الإرهاب وانتهاء بقضية التعليم الابتدائي للبنات وجرائم الشرف وحق المرأة في أجر متساو للعمل المتساوي.

• بذل جهود مكثفة مع الأحزاب والنقابات المهنية، وفي أوساط الجامعات والمعاهد العليا التي أصبحت بعد تعديل سن الناخب معينا لا ينضب للأصوات، من أجل ضمان دعم مرشحات معينات...من أجل إدراج النساء على قوائم الأحزاب...من أجل دفع القطاعات الشبابية المتخففة نسبيا من النظرة التقليدية للمراة للمشاركة في العملية الانتخابية أولا...وتقديم مرشحات إلى قبة البرلمان ثانيا.

• ثمة جهد إضافي يقع على كاهل المنظمات النسائية في هذه المرحلة لضمان تدريب النساء المرشحات على إدارة الحملات الانتخابية ومخاطبة الجمهور وكسب ثقته، وحسن التصرف في مواجهة الطوارئ الناشئة عن المناظرات والاجتماعات العامة، وقراءة مكونات الدائرة الانتخابية، وتوظيف نقاط ضعف المنافسين الآخرين...وجمع المال الضروري لتمويل الحملة...ومخاطبة الإعلام والصحافة.

• ثمة حاجة لجهد إعلامي متميز، يحث المرأة على المشاركة ترشيحا وتصويتا، يبرز النماذج الإيجابية لعمل المراة في شتى ميادين العمل العام...يقلص الفجوة القائمة في صحافتنا وإعلامنا التي تكاد تبتلع قضايا المرأة الأساسية...ثمة حاجة لتشكيل " لوبي ضاغط " على وسائل الإعلام والصحافة من خلال إطلاق فيض من الرسائل والاتصالات المرحبة بأي مبادرة تخدم قضية المرأة، أي معالجة تنتصر لحقوقها، ومواجهة أية أفكار أو تصورات تعود بها القهقرى أو تبقيها في " قفص الحريم ".

• ثمة حاجة للاستمرار في مخاطبة السلطات المعنية، من تنفيذية وتشريعية ومؤسسات المجتمع المدني، إن لم يكن لتعديل القوانين التي قد يكون من الصعب تعديلها الآن، فعلى الأقل لتسهيل الإجراءات التي تكفل للمرأة الوصول السهل والحر لصناديق الاقتراع.
 
أما على المدى البعيد، فثمة حاجة لاستراتيجيات وبرامج تخاطب الجذور الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتشريعية التي تغذي واقع تهميش المرأة، وتبقيها في أدنى درجات سلم المشاركة :
• نحن بحاجة لخطاب يتعامل مع موروث ثقافي علقت به كثير من الشوائب المتصلة بصورة المرأة ودورها، هذا جهد تراكمي تدريجي متعدد الجوانب والوجوه.

• نحن بحاجة لثورة تشريعات في الأحوال المدنية وقانون الانتخابات...ما طرأ في الآونة الأخيرة من تعديلات حول بعض القوانين يمكن أن يشكل بداية إيجابية على أنه بحاجة لمزيد من التطوير والتحديث.

• نحن بحاجة لعمل متراكم، يتجاوز أسلوب " الهبات والفزعات "...فالتحضير للانتخابات لا يتم أبدا في سنة الانتخابات، فمنذ اليوم الأول لانتهاء الاستحقاق الانتخابي علينا أن نبدأ بدراسة النتائج واستخلاص الدروس، وصوغ البرامج والخطط للاستمرار في مخاطبة الجمهور وتشجيع المرأة على المشاركة، والتصدي لكل العوائق والعراقيل التي تحول دون تحقيق هذه الأهداف.

• نحن بحاجة لمبادرات منتظمة مع الأحزاب والنقابات والبلديات لضمان انتخاب المراة في هذه المستويات القيادية...فالمرأة الحاضرة بقوة في الحزب السياسي أو في الهيئة الإدارية للنقابة إو في المجلس البلدي...يمكن أن تكون مرشحة قوية للانتخابات النيابية في المستقبل.

• يجب مخاطبة المرأة في مواقعها، في الريف والبادية والمخيم...فصالونات عمان، الغربية على وجه التحديد، لم يعد لديها الكثير لتضيفه إلى الحياة العامة...وهموم المرأة الأردنية أبعد من تختصر بأجندة عمان...وما يبدو مصيريا وملحا هنا قد يبدو ترفا غير مدرج على جدول الأعمال هناك...علينا أن نسعى للتعلم من واقع المرأة الأردنية في أمكان عملها وإقامتها...علينا أن نتفادى لغة الاسقاطات على واقع تصرفه عن كثير من المسائل العامة لقمة العيش وغريزة التشبث بالبقاء.

• علينا أن نجهد في تعظيم حضور المرأة في إعلامنا وصحافتنا، سواء بزج مزيد من النساء للانخراط في الجدل الوطني العام، أو في إثارة القضايا الأكثر جدية للمرأة الأردنية عبر هذه الوسائل...علينا أن لا نكتفي بهذا القدر المتواضع من الحضور.

• علينا أن نسعى في الدخول على خط التربية والتعليم والمنهاج الدراسية، وأن نسعى في إغنائها عبر حوار معمق مع القائمين على هذه الخدمة، لضمان تخريج أجيال جديدة من المؤمنين بالمواطنة التي لا تفرق بين لون أو جنس أو عقيدة أو دين أو منبت أو أصل...علينا أن نسعى في خلق جيل مدرك لحقيقة أن الخمسة ملايين أردني هم مواطنون من نفس الدرجة والسوية، ويتمتعون بنفس الحقوق، وتقع على أكتفاهم الواجبات ذاتها، لا مكان بينهم لثقافة التمييز من أي نوع.

• علينا أن نولي جل اهتماماتنا لجامعاتنا التي تكاد تغرق جيلا من الطلبة بهموم وولاءات ثانوية تفتيتية مدمرة، فنرفع من شأن اهتماماتهم، ونسعى في تعميق مشاركتهم، ونقدم لقيادتهم كفاءات نسائية طليعية، تعيد التأكيد على مكانة المرأة ودورها، حتى لا نصل للحظة تتضاءل فيها مكانة القطاع الأكبر والأعرض في مجتعمنا، قطاع الشباب، قطاع المستقبل الواعد.
 
هي إذن أفكار للنقاش، نعرضها بهدف الجدل والحوال...علنا نصل في نهاية المطاف إلى توفير مساندة أعمق للمرأة الأردنية وهي تتحضر لخوض الانتخابات النيابية القادمة...علّها تسهم في تفعيل حضور نسائنا في ميادين العمل العام...علّها توقظ مؤسسات مجتمعنا المدني للاضطلاع بدورها القيادي المتقدم...هل تقرع نقاوس التحديث والعصرنة لقوانينا وتشريعاتنا...علّها توقظ المسؤول إلى مسؤوليته في تعبيد الطريق أمام نصف المجتمع الأردني للقيام بدوره وتقديم إسهامه في ورشة البناء والتحديث والعصرنة التي نلتقي جميعا حول ضرورة تفعليها، دون أن تكون لنا الرؤية ذاته حول السبل والخيارات.