لبنان على عتبة الانتخابات الرئاسية ... دور الإقليم وعلاقات القوى

 
o       الرئاسة الأولى:
 
  • تهمين انتخابات الرئاسة اللبنانية على اهتمامات مختلف القوى السياسية اللبنانية، فضلاً عن العواصم الإقليمية والدولية المعنية بالاستحقاق الرئاسي، وهي بالأساس: واشنطن، باريس، الرياض وطهران ودمشق، وبدرجة أقل لندن والدوحة وأنقرة، بالنظر لنفوذها المحدود في التأثير على السياسات اللبنانية.

  • أبرز المرشحين للانتخابات الرئاسية هم: قادة المجموعات المسيحية الكبرى: ميشيل عون (التيار الوطني)، سمير جعجع (القوات اللبنانية – ترشح رسمياً)، الرئيس الأسبق أمين الجميل (الكتائب) وسليمان فرنجية (تيار المردة في الشمال) ... يضاف إلى هؤلاء قائد الجيش (جان قهوجي)، ومدير مصرف لبنان (رياض سلامة)، جان عبيد وروبير غانم وزياد بارود، وهناك مرشحون آخرون أقل جدية.

  • العملية الانتخابية ستبدأ في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، أما موعد الاستحقاق ففي الخامس والعشرين من مايو المقبل، لكن من المتوقع أن تستمر هذه العملية بين أخذ وجذب، لعدة أشهر قادمة، ستجري خلالها غربلة الكثير من الأسماء، وستطرح في سياقها أسماء جديدة، إلى أن يتم التوافق محلياً وإقليمياً ودولياً على اسم الرئيس الجديد.

  • المرشح الأول لدى فريق 8 آذار هو الجنرال ميشيل عون، حزب الله ومعه بعض الأحزاب الحليفة، أعلن رسمياً التزامه بدعم الجنرال ... حركة أمل برئاسة نبيه بري، لا تكن ودّاً ظاهراً للجنرال بيد أنها ستلتزم بالقرار النهائي لجماعة 8 آذار ... لكن هناك عوائق كثيرة ما زالت تعترض طريق الجنرال إلى قصر بعبدا، منها أن محسوب على فريق معين، رغم أنه يقدم نفسه بوصفه رئيساً قوياً ووفاقياً، وليس مرشح 8 آذار ... أما خط الدفاع الثاني عن هذا الفريق، فيراوح ما بين جان عبيد المعروف بمواقفه الوسطية والمستقلة، أو العماد جان قهوجي قائد الجيش المعروف بعلاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف ودوره في مكافحة الإرهاب، وعلاقاته القوية مع معظم الأطراف الإقليمية والدولية.

  • يجري الحديث عن صفقة قيد الإنجاز، بين تيار المستقبل (الحريري) والتيار الوطني (عون) يأتي بمقتضاها العماد عون رئيساً للجمهورية مقابل أن يأتي سعد الحريري رئيساً للحكومة ... لكن هذه الصفقة ما زالت دونها عوائق وعقبات عديدة، منها غياب التفاهم الإيراني – السعودي من جهة، ورفض حلفاء الحريري لتولية عون رئاسة الجمهورية، خصوصاً مسيحي 14 آذار (كتائب، قوات ومستقلون طامعون بالوصول إلى المنصب)

  • قهوجي يبدو مرشحاً مقبولاً أمريكياً وبريطانياً، لدوره في الحرب على الإرهاب والجماعات المتطرفة، لكن هناك إشكال دستوري يثير خلافاً، يتعلق بضرورة استقالته من منصبه قبل عد أشهر من ترشحه للانتخابات الرئاسية، الأمر الذي يملي تعديلاً دستورياً إن تقرر ترشيح قهوجي لإلغاء هذا الشرط، وفتح الدستور للتعديل لا يبدو خياراً محبباً لدى العديد من الأطراف اللبنانية، بشكل خاص البطريركية المارونية والبطرك الراعي.

  • لا حظوظ لسمير جعجع في الوصول إلى كرسيّ الرئاسة، والاعتقاد أن الرجل يدرك ذلك، لكنه يسعى في طرح نفسه لهذا المنصب، لطي صفحة الأحكام التي صدرت بحقه وقضى مقابلها سنوات طويلة في السجن، منها تدمير كنيسية واغتيال الرئيس رشيد كرامي، والمشاركة تصفية والد سليمان فرنجية طوني فرنجية سنوات الحرب الأهلية، وربما يكون الرجل يمهد لانتخابات لاحقة، وليس لهذا الانتخابات، ويريد أن يعود اللبنانيين على وجود مرشحاً في الانتخابات الرئاسية.

  • حظوظ أمين الجميل تبدو متواضعة أيضاً، وإن كانت أفضل من حظوظ جعجع، بسبب انفتاحه على بعض القوى من خارج 14 آذار، بسبب مواقفه الأكثر اعتدالاً من تلك التي يعبر عنها جعجع.

  • انتخاب عون رئيساً، رهن بتوافق إقليمي إيراني – سعودي، هناك معلومات أن ثمة قنوات اتصال بين الطرفين، لكن لا أحد بمقدوره التكهن بالنتائج.

  • سنشهد سلسلة اجتماعات لمجلس النواب، تتساقط معها الأسماء تباعاً، إلى أن تحدث الصفقة الكبرى، والتي غالباً ما ستتأثر بتطورات الإقليم من حول لبنان، وتحديداً الأزمة السورية والعلاقات السعودية – الإيرانية.

  • الوضع الحكومي سيستمر على حاله، وتشكيل الحكومة كما الخطة الأمنية التي يجري تنفيذها، جاءت ثمرة توافق بين المستقبل وحزب الله، وبضوء أخضر من طهران والرياض، لكن السؤال: هل يمكن أن يمتد هذا التوافق ليشمل الاستحقاق الرئاسي؟ ... سؤال مفتوح ورهن بالتطورات القادمة.

  • إن تمت الصفقة الكبرى، فإن أغلب الترجيحات تقترح ميشيل عون للرئاسة وسعد الحريري للحكومة، وبغياب التفاهم الإقليمي فإن ثمة العديد من المرشحين لتشكيل حكومة ما بعد الانتخابات، من هؤلاء المتنافسين: الوزير نهاد المشنوق (الداخلية) والوزير أشرف ريفي (العدل)

  • ولا يجوز بحال من الأحوال، إسقاط احتمال تعذر الوصول إلى اتفاق وتوافق على شخص الرئيس القادم، حين سيحدث الفراغ، وستتولى حكومة سلام أمر تصريف الأعمال، وربما يصار إلى تمديد ولاية مجلس النواب، بدل إجراء انتخابات نيابية بعد الرئاسية في الصيف المقبل.

  • الأمن بالتراضي:

o   الوضع الأمني في طرابلس والبقاع الشمالي ومنطقة عرسال، يميل للهدوء بعد نجاح الجيش في تنفيذ الخطة الأمنية (التوافقية)، حزب الله ومن خلف نظام الأسد، رفعا الغطاء عن جماعة جبل محسن (رفعت عيد ونجله)، وتيار المستقبل، ومن خلفه الرياض، رفعا الغطاء عن أمراء المحاور وشيوخ السلفية، فجأة اختفى المتحاربون، وأمكن تنفيذ الخطة بأقل قدر من الأضرار والخسائر.
 
o       الوضع الأمني في هذه المناطق، ما زال هشاً، وقابلاً للانتكاس إذ اختل أو تعطل "التوافق السياسي والحكومي" ... السلفية الجهادية لها نفوذ قوي في طرابلس وعكار والضنية والمناطق السنيّة عموماً، وهذا ما دفع الحريري إلى التعاون مع حزب الله في مواجهة هذا التيار، الذي بدأ يسحب من رصيد "المستقبل" ويشكل تهديداً حقيقياً لحزب الله.
 
o   مسلحو المعارضة السورية، وبعضهم لبنانيون وفلسطينيون من لبنان، خصوصاً الجهاديين منهم، الذين لاذوا بلبنان بعد أن نجح الجيش في استرجاع سيطرته على حمص والقلمون، باتوا يشكلون تهديداً جدياً للبنان وأمنه واستقراره، وهم يتخذون من أطراف المخيمات الفلسطينية وبعض المناطق السنيّة، ملاذات آمنة لهم، ومن المتوقع أن يكون لهم دورهم في الإخلال بمعادلة الأمن والاستقرار
 
o   ستكون بيروت محطة جديدة و"محك" لاختبار صلابة التوافق السياسي اللبنانية الداخلي، عندما سيبدأ بتنفيذ خطته الأمنية في العاصمة، والتي ستصطدم بوجود مسلح لجماعات سلفية وأخرى محسوبة على تيار المستقبل، فضلاً عن مربعات حزب الله الأمنية ومناطق نفوذه الحصينة في الضاحية الجنوبية لبيروت.
 
8 – 14 آذار
 
  • حتى الآن، تبدو تأثيرات التنافس الانتخابي محدودة فيما يتعلق بجماعة 8 آذار وعلاقاتها بعضها مع بعضها الآخر، رغم وجود حساسيات بين أمل والتيار العوني، وبرغم المخاوف المضمرة التي يثيرها تقارب العماد ميشيل عون مع الحريري والسعودية ... لكن تأثيرات هذا الاستحقاق على تحالف 14 آذار تبدو أكبر وأشد تعقيداً، فقد وضع التنافس بين جعجع والجميل الائتلاف في موقع وموقف حرجين .... وهناك متربصون من مسيحي هذا الفريق يريدون الوصول إلى كرسي الرئاسة، وهناك اعتراضات جوهرية على التقارب مع الجنرال عون، والانفتاح الحريري على حزب الله والذي ما زال في مراحله الأولى، وهناك مخاوف من انفراط عقد هذا الائتلاف.

  • بيضة القبان في الاستحقاق الرئاسي هو وليد جنبلاط، الذي يمتلك كتلة صغيرة، بيد أنها كافية لترجيح كفة هذا الفريق (المرشح) أو ذاك، ولذلك سيكون هناك "طلب" على استرضاء جنبلاط، وستكون فاتورة استرضائه باهظة الكلفة، سياسياً ومالياً.


  • اللاعبون من الخارج:

o       السعودية :
 
  • لا يمكن لتيار المستقبل وفريق 14 آذار، أن يتحرك في المفاصل الاستراتيجية من دون موافقة السعودية أو ضوء أخضر منها، كان ذلك عن تكليف تمام سلام بتشكيل الحكومة (تم التكليف في مكتب بندر بن سلطان في الرياض)، ولن يكون ممكناً اختيار رئيس من دون ضوء أخضر سعودي في مطلق الأحوال

  • التغيير الأخير الذي حصل في السعودية، وتنحية الأمير الإشكالي بندر بن سلطان، وتولي الأمير مقرن المعروف بروابطه اللبنانية ومواقفه المعتدلة، فضلاَ عن وجود عبد العزيز بن عبد الله في الخارجية، يمكن أن يبعث أملاً في انتهاج سياسة سعودية توافقية في لبنان، حتى وإن ظلت سوريا ساحة اشتباك بين السعودية وحلفائها من جهة، وإيران وحلفائها من جهة ثانية ... هناك توجه لفصل الملفين اللبناني والسوري، لإبقاء لبنان بعيداً عن تداعيات الأزمة السورية ... لكن إلى أي حد يمكن لهذه المقاربة أن تنجح؟ ... سؤال آخر مفتوح.

  • السعودية كانت تفضل التمديد لميشيل سليمان، ولكن بسبب موقف الكنيسة والموارنة والولايات المتحدة المشددة على ضرورة إجراء الاستحقاق في موعده، السعودية تبحث الآن عن مرشح بديل، هي تدرك صعوبة اختيار جعجع، وليس لديها حجة للدفاع عن ترشيحه، ولا تمانع بانتخاب قهوجي أو جان عبيد أو حتى قهوجي، الأمر منوط بما ستحصل عليه المملكة في المقابل ... عين المملكة على الحكومة ورئاستها ووزراء السيادة فيها وبعض أجهزة لبنان الأمنية (فرع الأمن والمعلومات)، وتشكيل جبهة سنيّة مسيحية في مواجهة التحالف الشيعي – المسيحي كذلك.

  • السعودية "تغازل" العماد عون، لا تمنحه تأييدها ولا تغلق الباب في وجهه، الأمر منوط بالتسويات والمقايضات القادمة

o       الولايات المتحدة :
 
  • عارضت التمديد للرئيس سليمان، وترغب في رئيس يحفظ "وحدة المسيحيين" في لبنان، وتولي أهمية لمحاربة الإرهاب في لبنان، والحد من تمدد نفوذ حزب الله

  • ما زالت الإدارة في طور استطلاع الرأي، وجس نبض مختلف المكونات اللبنانية، والدبلوماسيون والأمنيون الأمريكيون، لا يكفون عن إجراء المشاورات وجمع البيانات، بانتظار اللحظة الأخيرة.

o       إيران :
 
  • خيارات إيران، هي ذاتها خيارات حزب الله ... وإيران تقبل في لبنان ما يقبل به أو يقترحه حزب الله عموماً، وهي تفضل العماد ميشيل عون، ولا تمانع في مجيء جان عبيد كمرشح تسوية

  • بالنسبة لإيران، الأولوية لرئيس قادر على التعايش مع حزب الله (وسلاحه) وفكرة "المقاومة"، ولا يتخذ موقفاً معادياً منها أو من نفوذها في المنطقة.

  • من المتوقع أن يتعاظم الدور الإيراني في لبنان، إن أمكن لطهران أن تعالج أزمة برنامجها النووي مع الغرب، وستحاول طهران تقديم صورتها ودورها بوصفها جزءاً من الحل بعد أن كان ينظر لها بوصفها جزءاً من المشكلة

  • إيران تحتل بصورة متدرجة مكانة سوريا في إدارة الأزمة اللبنانية، ومن المتوقع لهذا الأمر أن يستمر فترة طويلة، سيما وأن طهران باتت لاعباً مؤثراً جداً في صنع القرار السوري ذاته، في ضوء كل ما تقدمه من دعم وإسناد عسكري ومالي و"بشري" للنظام السوري ... إيران والسعودية، هما قطبا الرحى الإقليميين على الساحة السياسية اللبنانية من الآن وصاعداً.

o       سوريا :
 
  • لم تعد سوريا قادرة على القيام بالدور الذي اعتادت أن تلعبه في لبنان، هي غارقة في بحر من الحروب والمواجهات المتراكبة ... نفوذها في لبنان ضعف لصالح حليفتها إيران ... وهي سلمت مؤقتاً على الأقل، بأن تضطلع طهران وحزب الله، بما كانت تقوم به من أدوار في السابق

  • تفضل مجيء العماد عون إلى الرئاسة، وتحتفظ بعلاقات وطيدة مع قهوجي، وترفض جملة وتفصيلاً كل من جعجع والجميل، وبمقدورها العيش مع جان عبيد وروبير غانم ورياض سلامة.

o       فرنسا :
 
  • فرنسا متورطة أكثر في ثنايا الملف اللبناني، بسبب ماضيها الاستعماري، وهي تميل لمرشح من 14 آذار، لكنها تدرك صعوبة ذلك، ولذلك لن تمانع في الوصول إلى رئيس وفاقي، يحول دون انزلاق لبنان في أتون الحرب السورية، وهو ترضى بما ترضى به البطريركية المارونية وتيار المستقبل بشكل خاص.

o       قطر :
 
  • فقد الكثير من نفوذها السابق في أوساط 8 آذار بسبب موقفها المعادي للنظام السوري، وهي لم تستطع أن تطور علاقات متميزة مع 14 آذار، بسبب خلافها مع السعودية ... وثمة توجهات قطرية للانفتاح على حزب الله، من دون التفريط بموقفها من النظام السوري، امتداداً لانفتاحها على إيران ... لن تلعب قطر دوراً رئيساً في الاستحقاق الرئاسي، وليس منتظراً أن تستعيد نفوذها في المدى المنظور

  • بريطانيا :

    • ليست بعيدة عن الموقفين الأمريكي – السعودي، وإن كنت أبلغت من وزير بريطاني بأن العماد قهوجي يبدو مرشحاً جيداً لتولي المنصب، لكن العقبة الدستورية التي تحول دون ذلك، قد تملي على لندن، التفكير بأحد المرشحين الآخرين، من سلة المرشحين القريبين من 14 آذار.