الأردن وتحديات الداخل والخارج

 
يواجه الأردن جملة تحديات داخلية وخارجيه، بعض التحديات يتداخل فيها الداخلي بالخارجي، ويمكن تقسيمها من حيث أهميتها، إلى مستويين، الأول، مباشر، والثاني متوسط وبعيد المدى،
 
أولاً: التحديات الداخلية:
 
o       التحدي الاقتصادي والمالي:
 
  • حيث بلغت إجمالي الديون الخارجية، ما يربو عن الـ 27 مليار دولار تشكل ما نسبته 80 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي المقدر بحوالي 34 مليار دولار ... ومع موافقة الحكومة الأمريكية على تغطية ديون أردنية بقيمة مليار يورو (يورو بوند)، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 90 بالمائة، أي بزيادة 30 بالمائة عمّا يسمح قانون الدين العام الأردني

  • زيادة العجز في الموازنة العامة للدولة والتي بلغ حجمها في العام 2014 بحوالي 11.4 مليار دولار، بإيرادات 9.85 مليارا دولار، وعجز 1.5 مليار دولار، بعد احتساب المنح الخارجية المتوقعة التي تقدرها الحكومة بنحو 1.6 مليار دولار، ما يعني أن مجموع العجز قبل المنح يبلغ 3 مليارات دولار أي ما يقارب الـ 9 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.

  • الأرقام الرسمية تتحدث عن معدل بطالة يتراوح ما بين 13 – 14 بالمائة، بينما تشير تقديرات غير رسمية، ولكنها تتمتع بالجدية، إلى وصول هذه النسبة إلى 25 بالمائة، ومثلها نسبة المواطنين تحت خط الفقر (دولارين للفرد يومياً)

  • ارتفاع تكاليف المعيشة، والتهام التضخم 3.5 – 4 بالمائة، والزيادة الطبيعية للسكان 2.8 بالمائة، كل الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي، وإحساس غالبية المواطنين بأن أوضاعهم المعيشية تتراجع.

  • الملك وجه الحكومة لوضع خطة اقتصادية عشرية، لمواجهة الفشل في جذب الاستثمار وخلق فرص عمل وترهل الإدارة العامة وتحسين أوضاع المواطنين، لكن التفاؤل بقدرة الحكومات على التخطيط بعيد المدى، يبدو محدوداً في ظل التغيير السريع والمتواتر للحكومات

  • هناك فشل ظاهر في توظيف المنحة الخليجية، وثمة انتقادات توجه لأداء الحكومة في هذا المجال (قطر لم تدفع حصتها من المنحة حتى بعد زيارة الأمير تميم لعمان)

  • وجود أكثر من 600 ألف لاجئ سوري مسجل في الأردن، رفع مستوى تكاليف المعيشة (25 بالمائة زيادة في أجور العقارات) وخلق منافسة غير عادلة في سوق العمل، وعزز الضغط على الموارد الشحيحة أصلاً كالماء والكهرباء، فضلاً عن عواقبه الاجتماعية والثقافية والأمنية.

  • هناك إحساس عميق لدى الرأي العام، بان الحكومات المتعاقبة أخفقت في محاربة ظاهرة الفساد، وأن كلفة الفساد على الاقتصاد الوطني، ما زالت عالية

o       التحدي الأمني:
 
  • الأردن بيئة منتجة ومستقبلة ومرسلة للتيارات السلفية، ومن ضمنها التيارات الجهادية، وثمة تقديرات بوجود 2000 جهادي أردني في سوريا، والسؤال الأهم: كم من هؤلاء من لا يزال في الأردن، وكم منهم سيعود إليه بعد انتهاء الأزمة السورية، أو غلبة النظام على معارضيه، وأية بيئة أنتجت كل هذا العدد من الجهاديين؟

  • الأردن محاط بـ "هلال جهادي" يمتد بامتداد حدوده الشرقية – الشمالية، من العراق إلى سوريا وصولاً إلى لبنان، ومن الجنوب، يخشى الأردن ما يجري في سيناء، وامتداداً إلى غزة، من صعود لدور ونفوذ الجماعات الجهادية، ولا يكاد يمضي يوم من دون أن تقوم به الجهات المختصة، بالتصدي لمحاولات تسلل إرهابية أو عمليات تهريب سلاح، من الحدود مع سوريا، وسط تقديرات لبعض المراقبين بأن الأردن يدفع اليوم، ثمن ما اقترفه من أخطاء، طائعاً أم مكرهاً، بقبول السماح بدخول أسلحة ومسلحين من الأردن إلى سوريا، تحت ضغط الولايات المتحدة حيناً والسعودية في أغلب الأحيان.

  • كنا قد تحدثنا عن تحرك سلفي جهادي نشط، لبلورة "حالة جهادية" في الأردن، جديد هذا الأمر تشكيل "مجلس شورى" للسلفية الجهادية، وقيامها بنشاطات علنيه، اجتماعات ومهرجانات ومجالس تأبين لـ “شهداء" التيار السلفي في سوريا ... الأردن ما زال "ساحة نصرة" في نظر هذا التيار، ولا أحد يعرف متى يمكن أن يتحول إلى "ساحة جهاد" أو كيف

  • وكما قلنا مناسبات سابقة، فإن أخطر ما في الظاهرة السلفية الجهادية في الأردن، هو اندماجها بالبنية العشائرية الأردنية، حيث تلقى الدعم والتغطية، فالمعلومات تؤكد أن ثلث الجهاديين الأردنيين في سوريا هم من محافظة الزرقاء (موطن أبو مصعب الزرقاوي) وشهود عيان أبلغونا بأن القائمين على حواجز "جبهة النصرة" على بعض مقاطع الطريق الدولي بين دمشق وعمان، هم من أبناء محافظتي الزرقاء ومعان.

  • إذا كانت بعض الأوساط الأمنية والحكومة، قد أغمضت أعينها من قبل على صعود التيار السلفي، لمناكفة الإخوان المسلمين، ومن ضمن استراتيجية لمحاربة "الهلال الشيعي"، فإن مرور الزمن، وتنامي قوة هذا التيار، جعل ويجعل من الصعب على الحكومة وأجهزتها، التصدي لهذا التيار وكبح انتشاره، أو على الأقل، فإن ثمة تحجيم هذا التيار، سيكون مكلفاً للغاية.

  • ويعزز انتشار هذا التيار، انتشار ظواهر العنف الاجتماعي وغياب سيادة القانون في عديد من محافظات المملكة البعيدة، وضعف هيبة الدولة والمؤسسات الأمنية، وتفشي ثقافة التطاول عليها وتحدي سيادتها، ما يسمح بوجود جيوب ومعاقل للسلفية الجهادية، تتصرف بحرية شبه تامة، كما في بعض مناطق من محافظات معان والزرقاء والسلط والمفرق.

o       تحدي الإسلام السياسي:
 
  • ليس السلفيون وحدهم هم مصدر القلق السياسي (والأمني) للسلطات، هناك أيضاً تيارات أخرى تتبع الإسلام السياسي مثل حزب التحرير الذي يستجمع قواه، ويقوم بنشاطات علنية تتحدى قرار حظره، وهو يحظى بنفوذ متزايد في البلاد والمنطقة وعلى الساحة الدولية

  • الإخوان المسلمون بدورهم على علاقة "قلقة" و"متوترة" مع النظام بوجه عام ... صحيح أن الأمور لم تصل إلى حد كسر العظم، فلا الجماعة بصدد إعلان الحرب على النظام أو الدعوة لإسقاطه، ولا النظام بصدد أن يحذو حذو مصر والسعودية والإمارات، وسوريا من قبل، بإعلان الجماعة منظمة إرهابية محظورة، لكن مع ذلك، لا تبدو العلاقات بين الجانبين في أحسن أحوالها.

  • رغم الضعف الذي أصاب الإخوان وذراعهم السياسي حزب جبهة العمل الإسلامي، بعد التغيير الذي حصل في مصر، منتصف العام الماضي، وبعد الحملة السعودية – الإماراتية الشعواء عليهم، إلا أنهم نجحوا في تسجيل انتصارات انتخابية جزئية مهمة ... فازوا برئاسة وغالبية أعضاء مجلس نقابة المعلمين، كما فازوا بحصة وازنة في انتخابات اتحاد طلبة الجامعة الأردنية، وهذا أمر يقرع مجدداً ناقوس الإنذار في دوائر صنع القرار في الدولة، التي مالت للاعتقاد بان عصر الإخوان قد انتهى، وثبت أنها كانت مخطئة في اعتقادها.

  • الإخوان يجنحون لمقاربات ومواقف أكثر واقعية وهدوءً، يمكن القول إنهم يميلون للانحناء أمام العاصفة، ليس هناك ثقة بأن هذه مواقف نهائية، رأينا بيانات "غزل" بالملك، ومحاولات تقرب من الحكومة، ومواقف تجنح للتعاون، لكنها في المقابل، لم تقابل بأية خطوات فعليه من قبل الحكومة

  • يعاني الإخوان من انقسامات داخلية، على خلفية الانقسام الاجتماعي في الأردن (أردنيون وفلسطينيون) ... جماعة "زمزم" التي انشقت عن الجماعة، تلقى دعماً واضحاً من الحكومة، وغالبية عناصر من "الشرق أردنيين"، كما أن هناك خلافات داخل الجماعة في قراءة وتفسير ما حصل في سنوات "الربيع العربي"، وكيف يمكن الخروج من المأزق الأخطر الذي يواجه الجماعة منذ تأسيسها قبل تسعة عقود.

  • حتى إشعار آخر، ستظل العلاقة مشدودة ومتوترة بين النظام والجماعة، تشهد صعوداً وهبوطاً، تقدماً وتراجعاً ... والمسألة ليست مرتبطة بالوضع الداخلي فقط، بل بالتطورات الإقليمية المحيطة بالأردن كذلك.

o       التحدي السوري:
 
  • كما سبقت الإشارة، سوريا باتت عبئاً اقتصادياً واجتماعيا وأمنياً على الأردن، خصوصاً في ظل حالة الانقسام الواضحة في أوساط الأردنيين حيال الموقف من الأزمة السورية

  • الأردن أدار بتوازن موقفه من الأزمة السورية، لكن حدة الانقسام حول سوريا بين مختلف اللاعبين، جعل الدبلوماسية الأردنية تمارس دورها وسط حقل للألغام

  • اللاجئون السوريون باتو عبئاً شديداً على الاقتصاد والمجتمع، وثمة مشاعر كراهية متبادلة قيد التشكل بين الأردنيين والسوريين، بسبب التزاحم على الموارد المحدودة وفرص العمل النادرة وما أشرنا إليه من عواقب اقتصادية للجوء السوري

  • ازداد جرائم السرقة والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة مؤخراً، وبالنظر لتورط لقيام سوريين بكثير من هذه الجرائم والاعتداءات، فإن الأمر ينذر بعواقب غير محمودة ستؤثر على العلاقات بين الشعبين

  • أكثر ما يقلق الأردنيين، هو ما يصلهم من تقارير دولية تؤكد أن مشكلة اللجوء السوري في الأردن لن تعرف حلاً قبل عشر أو خمسة عشر سنة على أقل تقدير ... هذا الأمر يرعب الأردنيين، سيما وهو يدركون من تجاربهم مع اللجوء العراقي والفلسطيني، أن المجتمع الدولي سيتراخى عن تقديم العون والمساعدة للاجئين والدول المضيفة بعد مضي بضع سنوات لا أكثر، وأن الأردن سيترك وحده في نهاية المطاف للتعامل مع هذا الملف ... مرة أخرى يبدو أن السحر سينقلب على الساحر، فأزمة اللجوء السوري قد تتحول من ورقة في يد الأردن إلى ورقة تستخدم ضده.

  • التحدي الإرهابي من سوريا، وهو أمر يشكل كابوساً يقض مضاجع الجهات المختصة، سيما بوجود عدد من الأردنيين بين هؤلاء.

o       التحدي "الفلسطيني":
 
  • فشل مفاوضات الحل النهائي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، هو كابوس آخر يقض مضاجع صناع القرار في الدولة الأردنية

  • اندلاع أعمال عنف في الضفة الغربية قد ينعكس بصورة مباشرة على أمن الأردن واستقراره، وقد يفضي إلى موجات جديدة من النزوح الفلسطيني

  • الأردن في متابعته للمفاوضات، يخشى سيناريوهين: الأول، فشل المفاوضات وسؤال ما العمل بعد ذلك وما هي "الخطة ب “... والثاني، تعرضه لضغوط للقيام بدور مباشر في حل القضية الفلسطينية، الأمر الذي قد يشعل الخلافات الأردنية الداخلية، بين أردنيين وفلسطينيين، ويعيد عقارب الساعة إلى ما قبل فك الارتباط بين الضفتين واتفاق أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية.

  • ستظل كثير من الملفات الداخلية معلقة بانتظار حل نهائي لا يأتي، وفي مقدمة هذه القضايا سؤال "من هو الأردني"، وكيف يمكن التعامل مع غالبية سكانية من أصول فلسطينية، وكيف يمكن التوفيق بين هذه الغالبية من جهة، وهوية الدولة الأردنية ومصالح أبنائها الأصليين من جهة ثانية؟

  • الأردن كان يعوّل على اتفاق سلام، يحصل بموجبه على تعويضات كبيرة عن استضافة اللاجئين لمعالجة مشكلاته الاقتصادية (تردد أن الأردن يتطلع لثلاثين مليار دولار)، إن تعذرت المفاوضات، تبخر هذا الحلم.

o       من المؤشرات الإيجابية، في المشهد الأردني:
 
  • أهم هذه المؤشرات، غياب أي توجه دولي أو إقليمي وازن، باستهداف الأردن في أمنه واستقراره ووحدته الوطنية وفي مؤسسات دولته ... وهذه شبكة أمان ضرورية وحاسمة الأهمية، ومن دون يصعب بعث الثقة بمستقبل الأردن، إذ حتى بعد مرور ثلاث سنوات على "الربيع العربي"، لم يسجل أي تدخل إقليمي أو دولي ذي أهمية في الشؤون الأردنية الداخلية، بما في ذلك دعم وتشجيع الحركات السلفية والإخوانية للتحرك ضد النظام كما حصل في دول الربيع العربي، حيث لعبت السعودية وتركيا والإمارات وقطر وبعض الجهات الخليجية غير الحكومية، دوراً مهماً في التأثير على الأوضاع الداخلية في عدد من الدول العربية.

  • تراجع وتيرة الاتهامات لمؤسسة العرش في السنة الأخيرة عمّا كان عليه الحال في أول سنتين من الحراك الشعبي والشبابي، ما يوفر ضمانة للاستقرار في البلاد، كما تراجعت بشكل ملحوظ، التسريبات المتصلة بوجود خلافات داخل مطبخ صنع القرار.

  • الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ما زالت تقف بقوة خلف النظام في الأردن، وتعتبر حليفاً وثيقاً، وتقدم أولوية الأمن والاستقرار في التعامل معه، على الإصلاح والتغيير وحقوق الإنسان، وهذا خط ثابت لم يتغير حتى في سنوات "الربيع العربي".

  • الأردنيون، معارضة ورأي عام، باتوا أكثر حذراً وواقعية في مطالباتهم السياسية والاقتصادية، بفعل ما رأوه من تطورات في سوريا والعراق وليبيا ومصر ... لم تعد هناك مطالب "جذرية" بل لم تعد هناك حراكات واسعة، من شأنها أن تلحق ضراراً بواقع البلاد والعباد

o       سيناريوهات المستقبل:
 
  • إن نجاح الأردن في تفادي الالتحاق بقطار "الربيع العربي"، لا يعني أن هذا الأمر نهائياً، فثمة الكثير من دواعي القلق وبواعث التحسب للمستقبل

  • كثير من العوامل التي قادت للانفجار في عدد من الدول العربية ما زالت قائمة في الأردن، وفي ظروف معينة، فإن هذه العوامل قد تفعل فعلها .... نقطة الضعف الأكبر التي يعانيها الأردن، هي ضعف اقتصاده وشح موارده، وتحول سكانه إلى ما يشبه "الأقلية" وسط هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين والعمالة الوافدة: أكثر من مليون سوري، بينهم أكثر من 600 ألف لاجئ ... أكثر من 300 ألف عراقي مقيم .... أكثر من نصف مليون عامل مصري ... أكثر من خمسين ألف عاملة منزل هاربة، وأضعاف هذا الرقم من المقيمات ... أكثر من مليون فلسطيني لا يحملون الجنسية الأردنية، دع عنك ما يقرب من 2.5 مليون فلسطيني يحملون الجنسية الأردنية.

  • لا أحد بمقدوره الرهان على شبكة أمان إقليمية ودولية ... ماذا لو أن إسرائيل التي تسببت بفشل المفاوضات لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة، قد قررت أن تجعل الأردن يتحمل العبء الرئيس لحل القضية الفلسطينية؟ ... "أليست الفوضى البناءة" هي حصان طروادة الذي يمكن من خلاله حل القضية الفلسطينية في الأردن وعلى حساب الأردن وفلسطين معاً؟ ... مثل هذا السيناريو إن تبنته جهات وازنة في إسرائيل، قد ينزع من تحت الأردن، شبكة الأمان الإقليمية والدولية التي تحميه وتمنع انزلاقه في أتون الفوضى والاضطراب.