"إيران ما بعد النووي"



شارك الأستاذ عريب الرنتاوي في لقاء حواري موسع حول “التداعيات الإستراتيجية للإتفاق الدولي حول الملف النووي الإيراني”، وذلك في المقر العام لـ”القوات اللبنانية” في معراب، عُقد برعاية رئيس الهيئة التنفيذية في “القوات” الدكتور سمير جعجع٬ وحضر هذا اللقاء حشد كبير من الشخصيات الفكرية والسياسية والدينية والدبلوماسية وكوادر وقيادات من القوات.

وشارك في تقديم المداخلات الأساسية إضافة الأستاذ عريب الرنتاوي وللدكتور جعجع، وزير الاعلام والمواصلات الكويتي الأسبق الأستاذ سامي النصف، مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن الباحث الاميركي ديفيد شينكر، الباحث الإيراني الدكتور مجيد مرادي، وادار اللقاء الاعلامية اللبنانية الاستاذة حنين غدار، وأعد للقاء ومهد له الاستاذة مايا سكر.
 
حاضر الأستاذ عريب الرنتاوي حول "إيران ما بعد النووي"، فقال:" تجمع القراءات والتحليلات التي تناولت "اتفاق فيينا" النووي بين إيران والمجتمع الدولي، بوصفه واحدا من أهم الأحداث التي شهدها الإقليم منذ مفتتح القرن الحادي والعشرين، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، وفي ظني أن تداعيات هذا الاتفاق وانعكاساته على أزمات المنطقة وتوازنات القوى فيها وتحالفاتها، لا تقل أهمية أبدا من الاتفاق نفسه. أربعة محاور سأتطرق لها في مداخلتي، وسأسعى لتقديم ما أعتقده، إجابات موضوعية على الأسئلة التي تثيرها هذه المسألة الشائكة والمعقدة: المحور الأولى: لماذا سعت إيران للحصول على هذا الاتفاق؟ إن الحديث عن تداعيات الاتفاق وانعكاساته على الإقليم، غير ممكن من دون فهم الحوافز - المحركات والأسباب التي حدت بإيران لخوض غمار تجربة التفاوض المرير مع المجتمع الدولي".
 
اضاف: "سأكتفي هنا بالحديث عن عاملين رئيسين فقط، كان لهما دور حاسم في دفع إيران لتجرع كأس الاتفاق سعيا للخروج من استعصاء برنامجها النووي: السبب الأول، اشتداد أطواق الحصار وحزمه المتتالية على عنق الاقتصاد الإيراني ومعاش الإيرانيين كافة، وهنا نستذكر الحزم المتعاقبة التي أقرها مجلس الأمن الدولي على طهران، فضلا عن العقوبات التي أقرتها دول منفردة أو مجموعات دولية كالاتحاد الأوروبي على إيران، بسبب ما قيل عن سعي إيراني حثيث لامتلاك القنبلة النووية. لا أحد حتى أكثر المتشددين الإيرانيين مكابرة، استطاع أو يستطيع التقليل من الأثر المهلك الذي أحدثته العقوبات الدولية على الاقتصاد الإيراني، سيما في دولة تلتهم برامج التسلح والتسليح والعسكرة، حصة الأسد في إنفاقها العام.
 
وتابع: "اما السبب الثاني فيتصل بالصراع الداخلي في إيران، بين تياري الدولة والثورة، بين متشددين ومحافظين من جهة وإصلاحيين معتدلين من جهة ثانية، وهو صراع رافق التجربة الإيرانية منذ انتصار الثورة في العام 1979 وحتى يومنا هذا، واتخذ أشكالا ومستويات تفاوتت من مرحلة إلى أخرى. ففي الوقت الذي رأى فيه التيار الإصلاحي، ان إغلاق هذا الملف، من شأنه أن يعزز حضوره ومواقعه في مؤسسات الدولة والسلطة وعلى مستوى المجتمع والرأي العام، كان التيار المتشدد "الثوري" الأصولي، يتغذى بتفاقم شبح التهديد الخارجي وهيمنة خيار العسكرة، لعل هذا الصراع، وتعاقب الإصلاحيين والثوريين أو أصحاب مدرسة الواقعية السياسية البراغماتية، على مواقع السلطة والقرار، هو ما يفسر جزئيا، ومن بين عوامل أخرى لا مجال لذكرها الآن، استطالة أمد المفاوضات ومرورها بكل مراحل المد والجزر، الصعود والهبوط".
 
واردف: "والسبب الثالث هو حاجة إيران الماسة الى مصادر بديلة للطاقة، فإيران قبل العقوبات والمؤكد أنها ستبقى بعدها، عاجزة عن انتاج ما يغطي حصتها من سوق النفط الدولية، وفقا لنظام "أوبك"، والطلب المحلي على النفط في تزايد، وسط معلومات عن إعادة تقدير المخزون النفطي الاستراتيجي إلى ما دون الثلث من التقديرات السابقة حوالي 160 مليار برميل، باختصار شديد، لقد كانت المفاوضات حول البرنامج النووي، في أحد وجوهها وجوانبها، امتدادا لصراع داخلي بين هذين التيارين، حتى أنه يمكننا القول، أن نتيجة المفاوضات، قرئت من قبلهما بوصفها محطة حاسمة ونقطة تحول بين مشروعي الدولة والثورة. صحيح أن مختلف التيارات المتنافسة في إيران قد أيدت الشروع في مفاوضات حول البرنامج النووي، لكن الصحيح كذلك، أن كل تيار منها، كانت له حساباته وتحفظاته سواء على مضمون الاتفاق أو ما قد يترتب عليه من تحولات في السياسة الإيرانية الداخلية والخارجية".
 
وقال: "تأسيسا على هذه المعطيات، يمكن فهم حجم التنازلات التي قدمتها إيران في سبيل الوصول إلى هذا الاتفاق، الذي وصف بأنه اتفاق رابح - رابح، ورأى فيه متشددو طهران، كارثة حلت على مشروعهم الثوري، كما أظهرت نقاشات مجلس الشورى وردود أفعال رموز هذا التيار، الذي بلغ ببعض مراجعهم، حد التعهد بدفن ظريف وصالحي تحت اسمنت مفاعل آراك. لقد قدمت إيران ما بات معروفا من تنازلات، لا حاجة لذكرها، فمن توقيع البرتوكول الإضافي إلى تخفيض أجهزة الطرد المركزي إلى أقل من ثلث عددها، إلى التزام التخصيب إلى ما دون الـ "5%"، إلى التخلي عن 98 بالمئة من مخزونها النووي، إلى تفكيك قلب مفاعل أراك، فضلا عن قيود إضافية على برامج التسلح الصاروخية ذات القدرة على حمل رؤوس نووية، ولعل الخلاف الذي اندلع قبل يومين إثر التجربة الصاروخية الإيرانية، ما يدلل على أن حجم القيود التي فرضها المجتمع على طهران، ولكن في المقابل، حصلت إيران على مكاسب رئيسة ثلاثة جراء توقيعها الاتفاق: أهمها الاعتراف بحقها في امتلاك دورة الإنتاج النووي لأغراض سلمية، رفع العقوبات الدولية المرتبطة ببرنامج إيران النووي مع بدء العام المقبل ووضع إيران على سكة إعادة التأهيل للاندماج في المجتمع الدولي، والاعتراف بدورها الإقليمي الخاص". 
 
وتطرق الرنتاوي في المحور الثاني الى "أثر الاتفاق على "الداخل" الإيران، فقال:"لا يمكن توفير فهم أعمق وأدق، لأثر الاتفاق وتداعياته على أزمات الإقليم المفتوحة من حولنا، من دون تتبع ورصد الآثار المحتملة لهذا الاتفاق على "الداخل" الإيراني، وتحديدا لجهة تحديد الأولويات وتعريف المصالح القومية الإيرانية، ومستقبل الصراع بين تياري الدولة والثورة في إيران، ومثلما تأسس الخيار التفاوضي لإيران على عوامل رئيسة ثلاثة، سبقت الإشارة إليها، فإن من المرجح أن يستمر تأثير هذه العوامل في مرحلة ما بعد توقيع الاتفاق، خصوصا على "الداخل" الإيراني. وهنا ترتسم عدة احتمالات وسيناريوهات: الأول، سيناريو نجاح تيار الدولة الإصلاحي في تعزيز مواقعه داخل مؤسسات السلطة، وهو سيناريو يبدو مرجحا في ضوء الدعم المتزايد الذي تقدمه شرائح مختلفة من المجتمع الإيراني لهذا التيار: الطبقة الوسطى الإيرانية، البازار الذي عانى من العقوبات والحصار من جهة وهيمنة الحرس الثوري على مساحات واسعة من الاقتصاد القومي الإيراني، المجتمع المدني والحركات النسائية، مكونات دينية وقومية تشكو المركزية المفرطة للنظام السياسي، أكاديميون ومثقفون ليبراليون ومتنورون، بمن فيهم بعض المرجعيات الدينية التي أبدت اعتراضا منذ البدء، على نظام "ولاية الفقيه".

اضاف: "والثاني هو سيناريو نجاح التيار المتشدد في تشكيل سد "مقاوم وممانع" في وجه التيار الإصلاحي وخياراته الانفتاحية على الداخل والإقليم والمجتمع الدولي، يحد من تطلعات التيار الإصلاحي لتوظيف الاتفاق ونتائجه الإيجابية على الاقتصاد الإيراني، لتحقيق مكاسب سياسية واحداث تحولات اجتماعية غير مرغوبة. وهنا يتركز قلق هذا التيار من "الديناميكيات" التي سيطلقها الاتفاق وما بعده، على الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي، في غياب "التهديد الخارجي" أو تراجعه، وما يمكن أن يفضي إليه ذلك، من تنام لحركات الاحتجاج المطلبية من اقتصادية واجتماعية، وصولا إلى ارتفاع وتيرة المطالبات بالإصلاح السياسي والتحولات المدنية والديمقراطية، من دون أن نغفل عن احتمال انتعاش الحركات ذات الطبيعة القومية والمذهبية المتضررة من النظام السياسي القائم او المعترضة على بعض مرتكزاته وسياساته الداخلية".

وتابع: "وسيكون لحصيلة هذا الصراع والتنافس، أثر حاسم في تقرير وجهة السياسة الخارجية الإيرانية وتحديد أولوياتها ومحدداتها، إذ من المتوقع أن تفضي غلبة الإصلاحيين، إلى إعادة تعريف المصالح القومية الإيرانية في الإقليم ومع المجتمع الدولي، كأن تحتل المصالح الاقتصادية والتبادل التجاري والانفتاح على الأسواق العالمية، صدارة أولويات إيران المنهكة بالعقوبات والحصار، ما كل ما قد يتأسس على ذلك من سياسات تجنح للحوار والديبلوماسية و"القوة الناعمة" في تحقيق أغراض إيران ومصالحها القومية، وقد يصبح "تصدير النفط والسلع" البديل الأفضل عن "تصدير الثورة" من منظور المصلحة العليا لإيران".
 
واستنتج الرنتاوي "أن المؤشرات المتوافرة كافة حتى الآن، تدل على نجاح التيار الإصلاحي في تعزيز مواقعه داخل مؤسسات الدولة والمجتمع وفي أوساط الرأي العام، فالاتفاق الذي أثار كثيرا من الجدل واستدعي موجة من الانتقادات والاتهامات، مر بمختلف المؤسسات الدستورية الإيرانية بأغلبية وازنة (أكثر من 70 بالمئة في مجلس الشورى) برغم مقاومة التيار الثوري المحافظ والعراقيل والتحفظات التي زرعها على الطريق. وليس منتظرا للصراع بين التيارين أن يضع أوزاره في المدى المرئي أو المنظور، وهذا سيفضي إلى مزيد من التأرجحات في السياسة الخارجية الإيرانية، التي ستظل تطلق رسائل متناقضة، تبعا لتعارض مواقع مطلقيها وتطلعاتهم، وفي ضوء ذلك، يصعب التكهن بحدوث استدارات في السياسة الإقليمية والخارجية لإيران في المدى المباشر والقريب، لكن مثل هذه التحولات، يبدو مرجحا على المديين المتوسط والبعيد، سيما في ضوء تفاقم إحساس الكثير من الأطراف الإقليمية المنخرطة في هذه الصراعات والنزاعات الإقليمية، بفداحة الأعباء التي تستتبعها وتترتب عليها، وما تنامي القناعة بتعذر المضي حتى نهاية المطاف، في خيارات الإقصاء أو الإلغاء المتبادلة."
 
وفي المحور الثالث من مداخلته، تناول الرنتاوي "أثر الاتفاق النووي وتداعياته على بعض أزمات الأقليم من حولنا"، فقال:" تزامن انتصار الثورة في إيران، مع بروز أربعة تطورات مهمة سيكون لها أثرا حاسما فيما بعد، في تحديد مسارات التنازع الإقليمي وتوازنات القوى بين الأطراف الفاعلة في الإقليم: الأول، ولوج المنطقة العربية عتبات مرحلة ستكون مديدة ومريرة من الركود والاستنقاع المتأسسة على تفشي أنماط حكم فاسدة ومستبدة، وشيوع ما سيعرف بعد، بـ "الثالوث غير المقدس": التجديد والتمديد والتوريث، في تعبير سافر عن فشل دولة ما بعد الاستقلالات العربية، في إرساء أنماط من الحكم الرشيد، القائم على نظرية "العقد الاجتماعي" بين الحاكم والمحكوم، دولة المواطنة المتساوية لجميع أبنائها وبناتها ومكوناتها، الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة".

اضاف: "والثاني، تفاقم الفشل التاريخي للنظام الرسمي العربي في بناء منظومة إقليمية - قومية، تساعد في بلورة مشروع عربي، في مقابل القوى الإقليمية الصاعدة، ففي الوقت الذي اتسم فيه النظام الإيراني بوحدة الإرادة ومركزية القرار، كان القرار العربي موزعا على 22 دولة، وأكثر من ثلاثين موقفا وتوجها، إذا أخذنا بنظر الاعتبار، الانقسامات العميقة في بعض الدول والمجتمعات العربية، كلبنان من قبل، ولاحقا اليمن والعراق وليبيا. اما الثالث، انتشار ظاهرة "الإسلام السياسي" بمدارسه المختلفة، بوصفه مرشحا لملء فراغ التيارات القومية واليسارية العربية، تزامنا مع انتشار قراءة بدوية أكثر تشددا وتخلفا للإسلام، ممثلة بالمدارس السلفية المختلفة، تلك الظاهرة التي أعقبت ثورة أسعار النفط في منتصف السبعينيات، لتصبح فيما بعد، واحدة من أهم أدوات السياسة الخارجية وبسط النفوذ والتأثير، التي اعتمدتها دول عربية عديدة، في سياقات الحرب الباردة لمواجهة الخطر الشيوعي، ولاحقا في سياقات الصراع مع إيران وحلفائها، أو ما سيسمى لاحقا بـ "الهلال الشيعي".
 
وتابع: "والرابع، ويتصل ببدء تخلي النظام العربي الرسمي عن "مركزية" القضية الفلسطينية، من كامب ديفيد إلى مبادرة فاس في العام 1982 التي ستتطور بعد عشرين عاما، إلى مبادرة سلام عربية، تنطلق من بيروت، دونما أي نجاح يذكر في الوصول إلى "تسوية الحد الأدنى" للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي".
واردف: "في مثل هذه الشروط، لم يكن صعبا على قوة إقليمية تدخلية صاعدة كإيران، أن تنجح في ملء بعض الفراغات على الساحة الإقليمية، سواء من بوابة "مظلومية" بعض الأقليات واللعب بورقة "البعد المذهبي"، أو من خلال الاقتراب من خطوط التماس في الصراع العربي الإسرائيلي، فضلا عن توظيف حالة الغضب الشعبي الكامنة، المتأسسة على "الإرث الكولونيالي" والمتفاقمة بفعل انحيازات دول الغرب لإسرائيل ودعمها لأنظمة جائرة، أخفقت أيما إخفاق في اختبارات "التنمية البشرية" بكل أبعادها ومعاييرها. وباختصار شديد، يمكن القول: إن إيران مدينة بنجاحاتها في المنطقة، إلى الفشل العربي، وطنيا وقوميا في المقام الأول". 
 
وإستطرد الرنتاوي: "وإذ تميز الأداء الإيراني في الحقبة الممتدة حتى مطلع القرن الحادي والعشرين بإعتماد القوة الناعمة، واستراتيجية التدخل بالوكالة أو عبر الوسطاء، فإن مرحلة ما بعد الحرب الأمريكية على العراق، وسقوط نظام صدام حسين، وقبلها إسقاط نظام طالبان في أفغانستان، وبعدها تآكل النفوذ الأمريكي في المنطقة، وإنتقال مركز الأولويات الأمريكية من الخليج والشرق الأوسط، إلى المحيط الهادىء والشرق الأقصى، ومن ثم اندلاع ما بات يعرف بثورات الربيع العربي، نقول ان هذه المرحلة تميزت بإعتماد إيران سياسة القوة الخشنة والتدخل المباشر، لتصبح لاعبا رئيسا في العراق وسوريا ولبنان، وبدرجة أقل في اليمن وبعض دول الخليج والمنطقة. وهنا يجدر التوقف سريعا عند ملاحظة بالغة الأهمية، وهي أن عناصر قوة الموقف الإيراني على المدى المباشر والقريب، هي بهذا القدر أو ذاك، عناصر ضعفه كذلك، وإن على المدى المتوسط والبعيد: فالتدخل الخشن، وإعتماد سياسة القوة في بعض الأزمات، والدخول المباشر على خط الصراعات المحلية بدعم فريق في مواجهة فريق آخر، هي استراتيجية بالغة الكلفة على إيران، وهي واحدة من أسباب قوة منطق التيار الإصلاحي، الذي لا يبتعد كثيرا عن شعار "إيران أولا"، ويتحدث بخطاب الدولة - الأمة، والدولة هنا تتجاوز بمنطقها وحساباتها منطق "الثورة" ومقتضياته، والأمة هنا هي الأمة الإيرانية القائمة، وليست الأمة الإسلامية المتخيلة، وثمة في إيران، تيار متزايد، بات ينوء بحمل الالتزامات والكلف الباهظة، التي يتعين على دولة المركز الشيعي أن تتحملها.
 
وقال: "المذهب أو المذهبية ظلت منذ بدء التجربة، أحد عناصر القوة في السياسة الخارجية الإيرانية، وآداة من أدوات توسيع نفوذها وأدوارها في الإقليم، لكن ثبت بالملموس، أن هذه الآداة، تنتج نقيضها، بل وترسم مسبقا سقوفا وحدودا عليا، لا يمكن للدور الإيراني أن يتخطاها، سيما في ضوء المكانة الأقلوية لهذا المذهب في عموم المنطقة، لقد ثبت بالملموس، أنه سلاح محدود الأثر، وذو حدين، وأنه وإن نجح في إكساب الدور الإيراني بعض عناصر الدعم أو رؤوس الجسور في ساحات وأزمات مشتعلة، إلا أنه ينتج بحكم طبيعته، سدودا وأسوارا في وجه هذا الدور، بدليل إخفاق إيران في الاحتفاظ بصداقاتها وتحالفاتها، خارج إطار المذهب وأطرافه والدائرين في فلكه، من جماعة الإخوان المسلمين ذات النفوذ العريض في المنطقة، ومن ضمنها حركة حماس، وصولا إلى حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية".
 
وأضاف: "أما الفراغ الناجم عن تراجع مكانة الولايات المتحدة ودورها في المنطقة، والذي عد فرصة لإيران، وورقة قوة بيدها تشجعها على التقدم بقوة لمئه ما أمكن، فإن هذا الفراغ بالذات، هو ما استحث دول المنطقة على اعتماد مقاربات تقوم على استراتيجية الاعتماد الذات وتنويع التحالفات، وتفادي وضع كل البيض في سلة واحدة، لقد خلق هذا الفراغ، ديناميكات جديدة في المنطقة، إذ مكن اللاعبين المحليين والإقليميين من هوامش للمناورة وحرية التحرك، تخطت منطق الانصياع للأولويات الأمريكية المباشرة، ولعل الأزمة اليمنية، تمثل أولى مختبرات هذه المقاربة الجديدة، فالحلف الذي تقوده السعودية في الحرب اليمنية، ربما يعطي نموذجا على هذا التفكير الجديد، وهو يخلق مصاعب جمة ويضع عوائق كبيرة، أمام الدور الإقليمي لإيران، بصرف النظر عن اختلاف المواقف من هذه الحرب وأهميتها والحاجة إليها، والامر لن يتوقف عند حدود اليمن، بل سيتخطاه إلى ساحات أخرى، وإن بأشكال وأدوات مختلفة".
 
وأشار الى أن "ثمة عامل آخر، قد يشكل تحديا في المدى القريب، لدور طهران في المنطقة، ويتمثل في الاقتراب الروسي من أزمات المنطقة، فتحت سطح الإطار الرباعي الذي يجمع طهران بموسكو، إلى جانب بغداد ودمشق، يكمن صراع أدوار ومصالح وأجندات وأولويات مختلفة، فسوريا ساحة الاختبار الأهم بعد العراق، للدور الإيراني في المنطقة، لم تعد ساحة نفوذ متفرد لإيران، ولروسيا حسابات وأولويات تلتقي وتفترق عن حسابات إيران، فهي ليست معنية بما يعرف بمحور المقاومة والممانعة ولا بدور شريان الحياة بين الممتد من إيران إلى لبنان مرورا بالعراق وسوريا، ولديها علاقات أكثر من طبيعية مع إسرائيل، وتدخلها في سوريا، لا يندرج في إطار حروب المذاهب والمحاور في المنطقة، بل دفاعا عن منظومة مصالحها الموزعة بين الخليج وتركيا وإسرائيل والمياه الدافئة والغاز والأنابيب، والجدير بالملاحظة أن هذه التباينات، قد أخذت بالبروز منذ الأيام الأولى للتدخل الروسي في سوريا، فلا إيران تتحدث رسميا عن حلف استراتيجي مع روسيا، ولا روسيا معنية قالت بذلك أيضا، حتى أنها ذهبت إلى الحلف الرباعي الجديد، بعد أن أخفقت محاولتها لإقامة حلف رباعي آخر، يضم تركيا والأردن والسعودية وسوريا لمحاربة الإرهاب، وهي ما تزال تعمل على إيجاد صيغة لإشراك هذه الأطراف في خطة عملها في سوريا، وليس بعيدا عن هذا الموقف، دعم روسيا لقرار مجلس الأمن 2216 حول اليمن، والذي عد منحازا بالكامل للقراءة السعودية للأزمة اليمنية".
 
وتابع الرنتاوي: "ثم، أن حلفاء إيران في المنطقة، مصدر قوة دورها الإقليمي المتزايد، اخفقوا في إدارة أزمات بلادهم، بما يحفظ هويتها الوطنية الجامعة، ويضعها على سكة الحلول السياسية - التوافقية، فلا الأحزاب الصديقة لإيران في العراق، كانت قادرة بنيويا على حفظ وحدة العراق شعبا ومجتمعا وهوية، ولا النظام السوري تمكن من حفظ وجوده وبقائه من دون كل هذه الدعم الإقليمي والدولي، و"حزب الله" في لبنان اليوم، وبعد التدخل في الأزمة السورية، لم يعد يحظى بما حظي به بعد حرب تموز 2006 من حواضن شعبية لبنانية وعربية وإسلامية، أما الوضع في اليمن، فيتدهور من سيء إلى أسوأ، ونقول أنه فشل بنيوي، بمعنى أنه حتمي، فالحزب أو الدولة أو الكيان، الذي يبنى على أسس دينية او مذهبية، سينتج نقيضه حتما، والنقيض هنا، لا يقتصر على الآخر الديني أو المذهبي، فحسب، بل قد ينتج حراكا مدنيا ديمقراطيا متخطيا لقيود الهويات الفرعية هذه، وما الحراك الشبابي المدني في كل من العراق ولبنان، وبدرجة أقل في اليمن، سوى تعبير عن رغبة جيل في تخطي الصراع الهوياتي القاتل، إلى فضاءات الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة المتساوية لجميع أبنائها وبناتها ومكوناتها. والفشل هنا، لا يعني بالضرورة نجاحا على الضفة الأخرى من صراع المذاهب والمحاور، فإعتماد الخطاب الديني أو المذهبي، في مواجهة إيران، هو سلاح مثلوم، وقابل للارتداد على أصحابه في أي لحظة، وهو سلاح يصيب في مقتل، بنية الدولة والمجتمع العربيين وتماسكهما، ولن يقود بحال من الأحوال، إلا إلى فتح الأبواب على مصاريعها، لحروب الطوائف والمذاهب المهلكة، المديدة والمريرة."
 
وإعتبر أن "الدور الإيراني القائم على "التدخل الخشن"، مرشح للاستمرار في المدى المرئي والمنظور، سيما في ضوء تفاقم حالة العداء والاستقطاب بين المحاور والمعسكرات المتحاربة في المنطقة، لكن دخول إيران عتبة ما مرحلة الاتفاق النووي، وسعيها لتعظيم العوائد الاقتصادية والمالية لهذا الاتفاق، وضغط حاجاتها الاقتصادية والتنموية المتزايدة، قد يعمل على تقليص مساحات "التدخل الإيراني الخشن"، سيما في حال عزز التيار الإصلاحي مكانته في الانتخابات المنتظرة في العام القادم، لمجلسي الشورى والخبراء. كما أن بروز عدد من الإرهاصات الدالة على رغبة دولية متزايدة، في احتواء إيران بدل إقصائها، وإشراكها في عمليات البحث عن حلول سياسية لأزمات المنطقة، بدل الاستمرار في التعامل معها، بوصفها جزء من هذه المشاكل وسببا فيها فقط، قد يساعد في إحداث تغيير في المقاربات الإيرانية من أزمات المنطقة، وفي ظني إن ثمة مؤشرات دالة على هذا التوجه، من ردة الفعل المضبوطة نسبيا التي ميزت الموقف الإيراني من أزمة اليمن، ومن قبلها قبلت إيران بتسوية للمأزق الحكومي في العراق على حساب حليفها الأقرب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وصولا إلى إتجاه طهران للانفتاح على بعض المبادرات السياسية لحل الأزمة السورية، ومن دون تناغم كامل مع حليفها في دمشق، هذه المؤشرات قد تكون مرشحة للتبلور أكثر في المرحلة المقبلة، والأرجح أن ذلك سيتم ببطء وتدريج."
 
وجاء المحور الرابع من كلمة الرنتاوي بعنوان: "أين من هنا، ماذا عن مستقبل العلاقات الإيرانية - الإيرانية"، فقال:" ثمة قراءتان متناقضتان لتداعيات "اتفاق فيينا" النووي على الدور الإيراني في المنطقة، وهي قراءات لا تقتصر على الجدل الدائر في الإقليم، بل تتخطاه إلى الجدل الدائر على الساحة الدولية. القراءة الأولى، وتغلب تصعيدا في الموقف الإيراني، وميلا متزايدا لاستخدم مختلف ألوان القوة الناعمة والخشنة في التعامل مع الأزمات الإقليمية، مستفيدة من العوائد المالية والاقتصادية التي سيوفرها رفع العقوبات الاقتصادية الدولية، واطمئنان طهران إلى سلامة نظامها السياسي، الذي شكل إتفاق فيينا، إعترافا دوليا به وبشرعيته، وحاجة الغرب عموما والولايات المتحدة على وجه الخصوص، لعلاقات تعاون مع إيران، بدل علاقة العداء المستفحل، أقله لمواجهة تهديد الإرهاب وصعود "داعش" وتنامي السلفية الجهادية ذات المنشأ السني في الأساس، سيما مع ميل الإدارة الجارف، لتفادي التورط المباشر في أزمات المنطقة، بعد عقدتي أفغانستان والعراق".
 
وأردف: "أماالقراءة الثانية، وتميل إلى ترجيح إنتهاج إيران مواقف أكثر ميلا للحوار والدبلوماسية والقوة الناعمة، للاستفادة من نافذة الفرص التي وفرها الاتفاق لإعادة بناء إقتصادها وبناها التحتية واللحاق بركب التقدم التكنولوجي وتلبية احتياجات مواطنيها الاقتصادية والاجتماعية، وإحساس تيارات نافذة في إيران بالحاجة للاهتمام بعمل بيزنيس مع الغرب، بدل مقارعته بشعارات ثورية، أثقلت كاهل البلاد والعباد. وكلتا القراءتين، تنطويان على قدر من الرغائبية، فالمنهج الواقعي في التحليل السياسي، يرجح خيارا ثالثا بين الخيارين المذكورين، خيار يجمع ما بين المقاربتين، أقله في المدى المنظور والقريب، أما على المدى المتوسط والأبعد، فالأرجح أن سياسات طهران الإقليمية، ستكون محكومة بصيرورة الصراع بين تياري الدولة والثورة فيها، كما أسلفنا من قبل، وطالما أن الصراع لم يحسم وهو بالمناسبة ليس لعبة تقاسم أدوار أو توزيعها من قبل المرشد العام، كما تميل بعض القراءات التبسيطية لعرض المسألة، فإن من المرجح أن يكون لكل واحد منهما نصيبه في صنع القرارات والسياسات والتوجهات، وبالوجهة التي يرغبها، لتأتي السياسة الإيرانية بعد ذلك، كحصيلة لهذه التوازنات والمصالح المتضاربة."
 
وأردف:"أيا كان مضمون هذه "الحصيلة" أو شكلها، فلا مناص أمام الدول العربية من التعامل مع إيران حقيقة قائمة، تفرضها الجغرافيا ويمليها التاريخ، وطالما أن الجوار الإقليمي مع إيران، هو قدر لا فكاك منه، فإن من المصلحة، للعرب والإيرانيين على حد سواء، الوصول إلى "قواعد جديدة للعبة" تقوم على الأمن والتعاون والسلام. إن البديل عن هذه الوجهة والتوجه، هو استمرار عملية النزف والاستزاف التي تعيشها مجتمعاتنا نحن بالذات. صحيح أن إيران تتحمل كلف واعباء كبيرة لإدامة هذا الصراع، لكن الصحيح كذلك، أننا العرب، أكثر من غيرهم، هم من يدفع ثمنها، فهم ساحتها ووقودها، دولهم وشعوبهم مهددة بوحدتها وسيادتها وهويتها وأمنها واستقرارها وانمائها، ومئات ألوف ضحايا هذه النزاعات، هم من أبنائها وبناتها. لذلك كله، فإن التفكير من "خارج صندوق" اللحظة السياسية الحرجة والمتوترة، يملي التمييز بين مهمام وتحديات فورية وقصيرة الأجل، وأخرى ذات طبيعة استراتيجية، بعيدة المدى على المدى المباشر، فإن المصلحة القومية ومصالح شعوب هذه المنطقة، تقتضي الانصياع لمنطق التسويات والحلول الوسط، بعد أن ثبت بإن الإلغاء والإقصاء، خيارا مستحيلا، في سوريا كما في اليمن والعراق وليبيا ولبنان، وثمة إرهاصات على تزايد الاهتمام الدولي، وحتى الإقليمي بهذا النمط من الحلول، بعد أن ارتفعت كلف الحروب والنزاعات، وتحولت ملفات المنطقة، إلى عبء أمني واقتصادي وانساني وسياسي ثقيل، على كاهل كافة الأطراف، وليس طرف من دون آخر على أية حال".
 
وقال:" أما على المتوسط والبعيد، فإن اللحظة التاريخية الصعبة في الإقليم، تقتضي التفكير بالعناوين التالية: بديلا عن عجز الأقطاب الدولية في توفير مظلة أمن وحماية إقليمية، لا بد من التفكير بمنظومة إقليمية للأمن والتعاون والسلم، تنخرط فيها الدول العربية، الأساسية منها بخاصة، كمصر والسعودية وسوريا والعراق، بصرف النظر عن طبيعة الحكومات والأنظمة القائمة فيها، إلى جانب كل من تركيا وإيران، تكفل توفير إطار لحل النزاعات ووقف التدهور، وتعمل وفقا لقواعد الاعتراف المتبادل بالمصالح، والتفهم المتبادل للمخاوف، وتحترم سيادة الدول وحدودها وسلامة أراضها والتعايش السلمي وحل النزعات بطرق دبلوماسية تفاوضية، فضلا عن تعظيم منظومة المصالح والمنافع المشتركة، التي تشكل البنية التحتية لاسترجاع السلم الأهلي والإقليمي. مثل هذه المنظومة الإقليمية، يمكن أن تحظ بشبكة أمان دولية، تنخرط في نسج خيوطها، كل من الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين والاتحاد الأوروبي، فكل هذه الأطراف، مصالح متفاوتة، في إطفاء البؤر المشتعلة في الإقليم، بعد أن باتت تشكل تهديدا ديموغرافيا (طوفان اللجوء) وأمنيا (التهديد الإرهابي) واقتصاديا (تهديد مصادر الطاقة وطرق نقلها). ولهذه المنظومة، متطلبا إجباريا يتعين إنجازه مسبقا، لكي تصبح ممكنة، ويتمثل في إنجاز "الحد الأدنى" من التوافقات العربية البيْنية، أقله من قبل الدول الوازنة، يبدأ بتعريف المصلحة العربية ويرسم خطوطا حمراء لما يمكن قبوله أو رفضه، ويعيد الاعتبار لمنظمة العمل العربي القومي المتهرئة، بل ويعيد بناء عناصر القوة والاقتدار العربية، والتي تتخطى القدرات العسكرية والأمنية، إلى الاقتدار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتربوي. ولا شك ان العرب مطالبون، بالتوفر على فهم أعمق وأدق، لما يجري في إيران، تلك الدولة التي لا يمكن النظر إليها ككرة مصمتة، لا مسامات فيها ولا خلافات أو تباينات، وهنا يجدر التفكير جديا بمد اليد للتيار الإصلاحي في إيران وتشجيعه، فمستقل الأمن والاستقرار في المنطقة، رهن في احد أوجهه، بنجاح هذا التيار في تعزيز مواقعه، والانتقال بإيران من خطاب الثورة إلى منطق الدولة". 
 
واردف: "وإذا كان التيار المتشدد قد بنى نفوذه وتفوقه على مفهوم "الخطر الخارجي" و"نظرية القلعة والأسوار"، فإن من تعزيز مكانة التيار الإصلاحي، تتطلب السعي لإدماج لإيران في الإقليم، مع التزام الحذر والتدرج و"المشروطية" في العلاقات الثنائية والمتعددة معها. والمشروع العربي، إن جاز الحديث عن مشروع عربي، قائم أو قيد التشكل، مطالب باستخدام وسائل الحداثة في الرد على المشروع الإيراني، فمقاومة ما يوصف ب "التمدد الشيعي" لا يكون بإطلاق أو دعم "التمدد الأصولي السني" بأشكاله ومدارسه المختلفة، والحديث عن "مشروع فارسي" زاحف، لا يرتب التفكير بإحياء "قومية شوفينية طاردة"، فقد ثبت بالملوس، أن العرب، دولا ومجتمعات، أكثر من إيران، هم الضحايا الأوائل لمثل هذه الأفكار المتطرفة".
 
أضاف: "ولعل من نافل القول، أن "تفعيل" النظام القومي العربي لا تبدو ممكنة من دون "دمقرطته"، تلك المهمة التي فشلت في إنجازها الجامعة العربية طوال سنوات وعقود، والسبب أن فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف يمكن الحديث عن "دمقرطة" النظام الإقليمي العربي، في ظل انسداد فرص التحول الديمقراطي في معظم الدول والأقطار العربية، بل ومع انتكاس العديد من ثورات الإصلاح والتغيير في المنطقة، إن بفعل مقاومة الأنظمة القديمة، أو بفعل عودة "الدولة العميقة" بعد غياب مؤقت، املته "ثورات الربيع العربي".
 
وتابع الرنتاوي: "إن تحديث المشروع الإيراني يكون بتقديم نموذج لنظام عربي جديدا، وطنيا وإقليميا، وليس بالانجرار وراء حروب مذهبية وطائفية، ستقضي على ما تبقى من مظاهر "الدولة" و"الوحدة" و"النسيج الاجتماعي" في دولنا ومجتمعاتنا. فإن هذا التصور، وإن بدا طوباويا للوهلة الأولى، إلا أنه خيار المنطقة الوحيد، لتفادي "السيناريو الأسوأ"، لقد قيل عند توقيع إيران الاتفاق النووي، إنها تفادت "خيار الانتحار" وصوتت لصالح "خيار البقاء"، والشيء ذاته ينطبق على الدول العربية، فحرب المائة مع إيران، لا يمكن أن تكون خيارا لا للعرب ولا للإيرانيين، ومثل هذا التصور، وإن كان صعب التحقق والمنال، إلا أنه يظل مع ذلك، بارقة الأمل الوحيدة، لوقف التدهور واحتواء التداعيات الخطرة لحروب المعسكرات والمذاهب والطوائف".
 
وختم: "والأرجح أن الطريق نحو منظومة إقليمية للامن والتعاون، لن تكون نزهة قصيرة، لكن طريق أوروبا للأمن والتعاون، وصولا إلى الاتحاد، لم تكن كذلك، نزهة قصيرة، وهي ما زالت تواجه الكثير من التأزمات والانعطافات الحادة. ومثلما يبدو التغيير ضروريا في بعض أرجاء عالمنا العربي للوصول إلى هذه الغاية، فإن التغيير مطلوب في إيران كذلك، والمؤسف أن هذه المنطقة، تخلو تماما من "قوة النموذج"، التي تشكل بحد ذاتها، مصدرا من مصادر "القوة الناعمة"، فتكون النتيجة في غالب الأحوال، اعتماد "القوة الخشنة" واللجوء إلى إدوات وأوراق في الصراعات والنزاعات الأهلية، "غير عقلانية"، "ماضوية" ومدمرة لمشروع الدولة الوطنية الحديثة، ومؤسسة لـ"صراع الهويات القاتلة".