الاستاذ عريب الرنتاوي يشارك في أعمال الجمعية العامة 58 للناتو في روما

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
شارك المدير العام لمركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي في أعمال الجمعية العامة 58 لحلف شمال الاطلسي (ناتو) التي عقدت في كلية دفاع الاطلسي في روما خلال الفترة من3-6 شباط / فبراير2013، بمشاركة وزراء خارجية ودفاع عدد من دول حلف شمال الاطلسي، وخبراء سياسيين وعسكريين من اوروبا والشرق الاوسط وشمال إفريقيا. وعقدت الإجتماعات تحت عنوان" الناتو ومستقبل التعاون الأمني".
 
وقدم المدير العام ورقة عمل رئيسية في اعمال اليوم الأول للاجتماعات التي عقدت تحت عنوان" الناتو ومستقبل التعاون الامني في حوض المتوسط"، تحدث خلالها عن ابرز التحديات التي تواجه منطقة الشرق الأوسط والتي أجملها في خمسة تحديات رئيسية تتمثل في في الصراع العربي – الإسرائيلي، وإخفاق المجتمع الدولي في حل القضية الفلسطينية على قاعدة القرارات الدولية والمرجعيات المتفق عليها لعملية السلام، وتفاقم وانتشار الصراع المذهبي العميق والممتد من الباكستان وأفغانستان، وحتى الضفاف الشرقية للبحر المتوسط، مروراً بإيران ودول الخليج واليمن والعراق و أمن الخليج، مصادر الطاقة وطرق إمدادها و انتشار الحركات الجهادية والسلفية المتطرفة في المنطقة، وعودة الروح لتنظيم القاعدة والمنظمات الشبيهة والمرتبطة به،و فشل المجتمع الدولي في جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.
 
وقال الرنتاوي أنه وخلال السنوات العشر الفائتة، وتحديداً خلال العامين الماضيين، شهدت المنطقة تحولات وتطورات عميقة وجذرية، تنذر بحدوث تغييرات ذات طبيعة استراتيجية، كنتيجة مرجحة لتفاقم عدد من الصراعات الدائرة في المنطقة، مشدداً على ان بعض أهم هذه الصراعات وما توّلده من تحديات لا تقتصر حدودها على دول المنطقة، بل سيتمد تأثيرها إلى الساحة الدولية، بدءاً بدول الاتحاد الأوروبي.

وفيما يتعلق بإستمرار الصراع العربي الإسرائيلي وإخفاق المجتمع الدولي في حل القضية الفلسطينية، قال الرنتاوي، صحيح أن المنطقة لا تواجه خطر اندلاع حروب عربية إسرائيلية واسعة، تشترك فيها دول الجوار القريب أو البعيد، وأن مصر، كالعراق وسوريا، بحاجة لعقد أو عقدين على الأقل، لكي تتعافى من أزماتها المتراكمة، وتجد لنفسها موطئ قدم تحت شمس الشرق الأوسط الحارقة...لكن الصحيح كذلك، أن إسرائيل ستواجه سلسلة من “حروب الوكالة” مع عدد متزايد من اللاعبين اللادولاتيينNon-State Actors، منها ما هو قائم فعلاً كحزب الله وحماس والجهاد، ومنها ما قد يتشكل في المستقبل، لا سيما إذا ما آلت الأوضاع في سوريا والعراق إلى حالة من الانقسام والتقسيم والدولة الفاشلة”.

وتابع بالقول أن الأفق محمّل بإرهاصات ارتفاع منسوب الغضب الشعبي الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، وعدم الرضا على حالة “الصمت” و”الخضوع” التي تجعل منه احتلالاً غير مكلف (خمس نجوم)..وثمة ما ينبئ بأن استمرار الفشل الذي يلاحق عملية السلام، سوف يدفع الفلسطينيين دفعاً لانتفاضة ثالثة، تعيد موضعة قضيتهم على جدول أعمال التاريخ والمستقبل والسياسة الدولية.

وفيما يتعلق بالتحديات الأخرى التي تواجه المنطقة أكد الرنتاوي على جملة من الحقائق ابرزها:

أولاً: أن الشرق الأوسط، إما أن يكون خالياً تماماً، من أسلحة الدمار الشامل، وبما يشمل الدولة الوحيدة المُثبت امتلاكها لهذا السلاح (إسرائيل)..وإما أن يكون منصة لسباق تسلح نووي وغير تقليدي، شرعي ومبرر..وأن خطر “بوشهر” لا يقل تهديداً لأمن المنطقة وسلامه شعوبها عن خطر”ديمونا”.

ثانياً: أن التطرف الديني والقومي، ليس ميزة ينفرد بها العرب عن غيرهم، فإسرائيل تتعرض لموجات متعاقبة من التطرف الديني (الحريدي) والقومي، والمجتمع الإسرائيلي ما عاد قادراً على إنتاج حكومات من خارج نادي اليمين واليمين المتطرف قومياً ودينياً..وأن ما يميز تطرف الإسرائيليين عن تطرف العرب، هو أن الأول يحظى بتجاهل كامل من الاعلام الدولي، فيما يحظى الثاني، بتغطية إعلامية كثيفة، تصل حد المبالغة والتضخيم.

ثالثاً: أن الإرهاب ظاهرة تتكثف في المجتمعات العربية والإسلامية، لأسباب لا مجال للخوض بها، بيد أنه ليس حكراً عليها وحدها..فما يمارسه 600 ألف مستوطن أو يزيد، هو الإرهاب بعينه، وهؤلاء لديهم “ميليشيات” مسلحة، ويتحولون مع الأيام إلى “لاعب لا دولاتي” أيضاً، واللوبي الذي يمثلهم بات قوة ثالثة في إسرائيل (دع عنك إرهاب الدولة الرسمي المنظم).

رابعاً: وأن الانقسامات الدينية والمذهبية، ونزوع المنطقة إلى التفتت إلكانتونات على مقاس المذاهب وحدودها وخرائطها، هو أمر خطير فعلاً..بيد أنه أيضاً، ليس ظاهرة حصرية بالعالم العربي، وإلا كيف نفسر التهافت والتهالك الإسرائيليين على شعار “يهودية الدولة”، وبم يختلف هذا الشعار عن مشاريع “الدولة الإسلامية”، سنيّة كانت أم شيعية..أو عن بعض الدعوات الانعزالية والانفصالية عن بعض المذاهب والأقوام في المشرق العربي.

وخلال اعمال المؤتمر خرج المدير العام بملاحظتان رئيسيتان،الأولى وتتصل بالقلق الذي يجتاح الأوروبيين من “تغير سلم الأولويات الأمريكية” واتجاه واشنطن للتركيز على “الباسيفيك وآسيا”..الثانية وتتعلق بـ”الإسقاط” التام للصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية من أجندة الحلف والدول الأعضاء.

ويوضح بالقول في شأن تباين الأولويات بين أوروبا والولايات المتحدة، بأن القلق الذي يجتاح الأوروبيين من هذا “التحوّل”، لن تخفيه تصريحات ومواقف دبلوماسية تنحو باتجاه “تعظيم” المشتركات بين شطري الأطلسي..بدلالة الدعوات المتكررة لزيادة الاهتمام بزيادة الإسهام الأوروبي في مجال الأمن والدفاع، وإحياء سياسات الدفاع الأوروبي المشترك. كما أن لدى واشنطن الكثير من الدوافع لنقل مركز اهتمامها من “الأطلسي وأوروبا والمتوسط” إلى “الباسيفيك وآسيا”، أهمها تعاظم التحدي الاقتصادي الصيني والهندي، فضلاً عن يقظة “الدب الروسي” بعد سنوات طويلة من “السُبات”، وهو أمر لن تقلل من شأنه بعض “التقديرات” الأطلسية، التي تتعامل مع روسيا كقوة إقليمية “متوسطة” وليس كقوة دولية عظمى، بسبب فقدانها نفوذها في الشرق الأوسط، وتخلفها عن الالتحاق بركب “العصرنة” اجتماعياً وسياسياً وعسكرياً خلال السنوات العشر الأخيرة.

أما في شأن الصراع العربي – الإسرائيلي، يعتقد الرنتاوي أنه “الحقيقة المُحتجبة” عن اجتماعات الناتو..حيث لا ذكر له على الإطلاق، لا من بوابة الحاجة لإطفاء هذا الصراع من خلال تأمين حل عادل للقضية الفلسطينية، ولا عبر بوابات “الانتشار النووي” و”صعود موجات التطرف القومي والديني في المنطقة”...فحين يؤتى على ذكر الانتشار النووي، يُؤتى فقط على ذكر “التهديد النووي الإيراني”...وحين يؤتى على ذكر “التطرف” تتجه الأنظار نحو التطرف “العربي والإسلامي”..لا ذكر على الإطلاق لاتجاهات التطرف القومي و”الحريدي” التي تجتاح إسرائيل وتسهم في تشكيل حكومات وائتلافات تراوح ما بين اليمين واليمين المتطرف.

وحذر الرنتاوي أن عبارات من نوع فلسطين وعملية السلام و”حل الدولتين” والصراع العربي – الإسرائيلي، قد خرجت من التداول العالمي، ولم تعد هذه المفردات مدرجة على جدول أعمال المجتمع الدولي...وهذا أمر يجب أن يؤخذ جيداً بعين الاعتبار والحركة الوطنية الفلسطينية تدلف عتبات “المصالحة” و”إعادة ترتيب البيت الفلسطيني” وما يتردد بخجل بين الحين والآخر، عن الحاجة “لاستراتيجية وطنية فلسطينية جديدة”.

محذراً أن القضية الفلسطينية تواجه خطر الطمس والنسيان، تماماً مثلما كان عليه الحال في سنوات ما قبل نهوض الحركة الوطنية الفلسطينية..ولا يمكن إلقاء اللائمة فقط على المجتمع الدولي..فثمة قسط وافر من المسؤولية يقع على كاهل أصحاب القضية الفلسطينية، ولقد آن أوان تصحيح هذا “الخطأ التاريخي”.