مقالات > > الفجوة المتنامية بين الأردن وإسرائيل بعد ربع قرن من “السلام”

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-12-27
كتب عريب الرنتاوي

شهدت الآونة الأخيرة أحداثًا تدل على برود العلاقات الأردنية الإسرائيلية التي مضى عليها 25 عامًا منذ وقَّع الطرفان معاهدة السلام في وادي عربة. فقد سَجنت إسرائيل مواطنيْن أردنيين من أصلٍ فلسطيني دون تهمة صيف هذا العام، ما حدا بالأردن إلى سحب سفيره في تل أبيب "للتشاور" حتى الإفراج عنهما الشهر الماضي عقب احتجاجات متكررة. وبينما كان الأردنيان يقبعان في السجون الإسرائيلية، اعتقلت السلطات الأردنية متسللًا إسرائيليًا، وحوَّلته إلى محكمة أمن الدولة للمحاكمة بخلاف ما جرت عليها العادة من التغاضي عن مثل هذه الحوادث، كما حصل عند مقتل أردنيين اثنين في السفارة الإسرائيلية في عمان في 2017، ومقتل قاضٍ أردني عند المعبر الرابط بين الأردن وإسرائيل في 2014.
 
أمّا الحدث الأبرز فكان قرارَ الأردن العام الماضي بعدم تجديد تأجير الباقورة والغمر المستأجرتين منذ 25 عامًا، واللتين سمح الأردن لإسرائيل بمواصلة الزراعة فيهما بموجب معاهدة وادي عربة. وقد أُعيدت هاتان المنطقتان إلى الأردن في تشرين الثاني/نوفمبر رغم رغبة إسرائيل الجليَّة في تمديد الاتفاقية. وللحصول على صورة أوفى للقضايا الكامنة خلف تدهور العلاقات الأردنية-الإسرائيلية وتداعيات ذلك على العلاقات الأردنية-الفلسطينية، تحدثت الشبكة إلى عريب الرنتاوي، محللها السياساتي ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية في عمان ومديره العام.
 
ثلاثة عوامل رئيسية تقف وراء مخاوف الأردن 
يعتقد المشرِّعون الأردنيون أن توجُّه إسرائيل نحو اليمين يقودها نحو تدمير حل الدولتين ومعاهدة وادي عربة، وسيترك الأردن وحده ليتعامل مع التداعيات. فالأردن قلقٌ في المقام الأول إزاء التداعيات المرتبطة باللاجئين الفلسطينيين:
 
يخشى الأردن أن يُترك وحده ليتعامل مع ملف اللجوء الفلسطيني - هذه المسألة الهائلة التي ينوء بها هذا البلد الصغير شحيح الموارد. وفي حين أن عدد الأردنيين من أصول فلسطينية يُقدَّر بثلاثة ملايين، هناك ما يقارب من مليون الى 1.3 مليون آخرين يحملون أوراقًا ثبوتية أو وثائق سفر، أو لا يحملون أوراقًا على الإطلاق (انظر هنا للاستزادة في هذا الشأن). وهذا العدد أكبر بكثير من عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا مجتمعين. ومِن هؤلاء فلسطينيون من غزة، وفلسطينيون من الضفة الغربية والقدس ممن فقدوا جنسيتهم الأردنية حين تخلى الأردن عن سيادته على هذه الأراضي المحتلة إسرائيليًا عقب إعلان منظمة التحرير الفلسطينية استقلال فلسطين في 1988.
 
ينتاب الأردن قلقٌ كبير إزاء الجهود الإسرائيلية والأمريكية الساعية إلى إعادة تعريف اللاجئ. فهو مستعدٌ لإبداء بعض المرونة بشأن قضية اللاجئين إذا كانت هناك دولة فلسطينية وكان هناك اعترافٌ بحق العودة والتعويض. وبخلاف ذلك، لن يألو الأردن جهدًا في الوقوف في وجه الخطط الأمريكية الإسرائيلية لتصفية حق العودة.
 
يعتقد المشرِّعون الأردنيون أن توجّه إسرائيل نحو اليمين يدمِّر حل الدولتين، ويترك الأردن وحده ليتعامل مع التداعياتCLICK TO TWEET
الحديث عن تفكيك وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين في الشرق الأدنى (الأونروا) مقلقٌ أيضًا، حيث سيتكبد الأردن تكاليف باهظة في حال توقفت المزايا والخدمات التي تقدمها الأونروا مثل التعليم والرعاية الصحية والمعونات الغذائية، وفقدان الوظائف التي توفرها الوكالة للفلسطينيين.
 
السؤال المُلحّ الآخر هو عمَّا سيحل بالفلسطينيين الخمسة ملايين الذين تقع منازلهم وأراضيهم في الضفة الغربية والقدس إذا نجحت إسرائيل في إحباط قيام الدولة الفلسطينية. فهل سيكون هناك مسعى لفرض دولة فيدرالية أو كونفدرالية على الأردن مع ما تبقى من الضفة الغربية؟ إن خطوةً كهذه ستواجه رفضًا قاطعًا من الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية على حدٍ سواء.
 
ثانيًا، دأبت حكومة نتنياهو على تحدي الوضع الراهن الذي أرسته معاهدة وادي عربة فيما يتعلق بالوصاية الأردنية على الحرم القدسي الشريف. فلا يكاد يمر يومٌ إلا وهناك اقتحامات إسرائيلية في الحرم القدسي، واعتداءات على الموظفين الأردنيين العاملين هناك كجزء من المساعي الإسرائيلية الرامية إلى تغيير معالم المقدسات الإسلامية والمسيحية والسيطرة عليها في الأرض الفلسطينية المحتلة.
 
ثالثًا، يعتقد الأردن أن بنيامين نتنياهو وجماعتَه اليمينية مهتمون بدرجةٍ أكبر في إقامة علاقات مباشرة مع دول الخليج. فقد صرَّحت إسرائيل بوضوح أنها لم تعد بحاجة الأردن كمنطقة عازلة أو كوسيط بينها وبين الدول الخليجية. وغدا الأردن ومصر يشعران بالإقصاء والتهميش، ولا أدلَّ على ذلك مثل خطاب جاريد كوشنر حول صفقة القرن الذي يركِّز فيه على الخليج، وبالكاد يذكر الأردن ومصر.
 
إن برود الأردن تجاه إسرائيل يعكس أيضًا حاجةَ الحكومة الأردنية إلى تأمين دعمٍ شعبي في خضم سخط الشارع على الأحوال الاقتصادية، وخشيةَ الحكومة من أن تمتد الثورات المشتعلة في العراق ولبنان.
 
المسائل الجوهرية لم تتغير
إن رسالة الأردن واضحة بأن العلاقة بإسرائيل ليست في اتجاه واحد - وأن تبدّلها وارد - وأن استبعاد الأردن من العلاقات الإقليمية غير ممكن. ومع ذلك لم تتأثر الروابط الاقتصادية والأمنية الأساسية بين البلدين، حيث التنسيق الأمني التام لا يزال قائمًا، وستدخل حيز التنفيذ قريبًا اتفاقيةُ الغاز الإسرائيلية الأردنية التي تواجه معارضةً شعبية كبيرة وتقوِّض جهود الأردن الرامية إلى تحقيق الاستقلال في قطاع الطاقة (انظر هنا للاطلاع على خلفية هذه القضية)، ولا تزال منطقة التجارة الحرة بين الطرفين تعمل بكامل طاقتها.
 
يعكس برود الأردن تجاه إسرائيل حاجةَ الحكومة الأردنية إلى تأمين دعمٍ شعبي محلي،غير أنه من المرجح أن نشهدَ تراجعًا أكثر في العلاقات. فإذا ضمَّت إسرائيل، مثلًا، بعضَ أجزاء الضفة الغربية أو كلَّها، قد تكون تلك الضربة القاضية لعلاقتها بالأردن. وفضلًا على المخاوف المبينة أعلاه، فإن خطوةً إسرائيلية كهذه ستؤدي إلى جملة أمور كمحو الأراضي التي تشكل حدّا بين الأردن وفلسطين، وهو ما لا يقبله الطرفان. وفي الوقت نفسه، فإن الأردن - بقدر ما قد يرغب في اتخاذ ردٍ حازم - مُضطرٌ لأنْ يأخذ بعين الاعتبار اعتمادَه الشديد على الولايات المتحدة، أكبر مانحيه، حيث تمدُّه سنويًا بنحو 1.6 مليار دولار بالإضافة إلى الدعم السياسي. وعلى غرار ذلك، فإن المساعدات المقدمة من بعض الدول الخليجية الكُبرى تُستخدَم للضغط على الأردن ليظل مِطواعًا.
 
التداعيات على العلاقات الأردنية-الفلسطينية
يدرك الاردن وفلسطين جيدًا أن الخطر يتهددهما سويًا، وأنهما يتعرضان لضغوط اقتصادية وسياسية متشابهة من الجهات الفاعلة ذاتها. وفي الوقت الراهن، تنظر السلطة الفلسطينية إلى الأردن كأقرب حليفٍ لها في المنطقة. فبينما تركز مصر على غزة وعلى تأمين "الهدوء" بين حماس وإسرائيل، والذي يمكن أن يتطور إلى وقفٍ لإطلاق النار أكثر ديمومة، تواجه دول الخليج مشاكلها الخاصة بها، وينكب لبنان والعراق على التعامل مع أزمتيهما الطاحنتين.
 
ينبغي للأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية/السلطة الفلسطينية وضعَ خطةٍ بديلة لمواجهة التحركات الإسرائيلية، وهذا يترك الأردنيين والفلسطينيين على الصعيد الرسمي أكثر تراصًا، وثمة تنسيقٌ يومي الآن بين الجانبين. فقد أشركَ الأردن في الآونة الأخيرة فلسطينيين من القدس للمرة الأولى (بمن فيهم أعضاء من حركة فتح) في مجلس إدارة الحرم القدسي الشريف. لذا، ينبغي للجانبين البناء على هذه الأرضية لتوسيع الجهود المبذولة لحماية المقدسات. وفي إشارة أخرى تنم عن زيادة التقارب، وقَّع رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية ثلاث مذكرات تفاهم مع الأردن أثناء زيارته المملكةَ في تموز/يوليو 2019 كأول محطة في جولته العربية الموجهة نحو فك ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي. ولا بد من إيجاد السُبل، في هذا الصدد، لمنع إسرائيل من تعطيل تنفيذ هذه الاتفاقيات، ولربما يتسنى ذلك بالاستفادة من دعم الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء.
 
ولعل الأهم من ذلك هو ضرورة أن يقومَ الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية/السلطة الفلسطينية بوضع خطة بديلة لمواجهة التحركات الإسرائيلية. فلا يزال الأردن يبني موقفه على حل الصراع على أساس إقامة دولةٍ فلسطينية وإيجاد حلٍ عادل لقضية اللاجئين. وبينما يواصل الأردن سعيه لإنجاح ذلك الحل، لا بد له في أدنى تقدير أن يُقلِّلَ اعتمادَه على إسرائيل، ولا سيما في قطاعي المياه والطاقة. ومن الخطوات الإيجابية في الاتجاه الصحيح توطيدُ العلاقات بتركيا وقطر، ولكن يظل الكثير مما ينبغي فعله استعدادًا للتعامل مع المآلات المحتملة كافة.