مقالات > > أبعد من مجرد "مستشفى"؟!

مقالات - الدستور- التاريخ: 2019-12-01
كتب عريب الرنتاوي

في حمأة الحديث عن شروط وشروط مضادة للوصول إلى "تهدئة طويلة الأمد" بين إسرائيل وحركة حماس، تأتي التقارير المصورة عن المستشفى الميداني الأمريكي في شمال شرق غزة مصداقاً للتسريبات التي تتكفل بها الصحافة العبرية عادة، حول حقيقة ما يجري في الكواليس، وبوساطة أممية/ قطرية/ مصرية بين الجانبين ... يبدو أن المحادثات تتقدم، وأن الوضع الحكومي المضطرب في إسرائيل، هو ما يحول دون وصولها خواتميها النهائية.
 
قبل افتضاح حكاية المستشفى الأمريكي في القطاع المحكوم بحماس وسلطتها، كان عاموس هرئيل في "هآرتس" يروي شروط يحي السنوار، للتهدئة المستدامة، وهي في مجملها تراوح ما بين بناء مستشفى ومنطقة صناعية قرب حاجز المنطار (كارني)، وخط كهرباء ثانٍ وتطوير للبنى التحتية من صرف صحفي ومياه وطرق، فضلاً عن زيادة أعداد العمال الفلسطينيين الذين يعبرون "الخط الأخضر" للعمل في المستوطنات الإسرائيلية، أي أدنى بكثير مما كان عليه حال القطاع قبل "الحسم/الانقلاب" الذي قادته حماس في 2007.
 
فهل تأتي حكاية المستشفى بمثابة "تقدمة" إسرائيلية للحركة، سيما بعد موقفها الأخير المثير لانطباع المستويين العسكري والأمني في إسرائيل حين قررت الاستنكاف عن المشاركة في المواجهة بين جيش الاحتلال و"الجهاد الإسلامي" على خلفية اغتيال بهاء أبو العطا؟ ... هل يمكن إدراج "المستشفى" في إطار "إجراءات بناء الثقة" توطئة للهدوء التام والتهدئة الشاملة؟ ... وهل ثمة من رابط بين بناء المستشفى ووقف "مسيرات العودة"؟
 
إسرائيل، لا تريد من حماس سوى شيئين اثنين، تتفق حيالهما الحكومة والمعارضة، نتنياهو وغانتس، المستوى السياسي والمستوى العسكري: (1) الهدوء التام، بما يشمل حتى البالونات والمظاهرات ... إتمام صفقة تبادل الأسرى ... حماس التي وضعت بقائها على رأس السلطة في القطاع، كأولوية لا تتقدمها أية أولويات أخرى، مستعدة للتجاوب مع الشرطين الإسرائيليين، إن قبلت تل أبيب بلائحة مطالبها، وهذا ما يبدو أن إسرائيل لا تمانع فيه ولن تعارضه.
 
فإسرائيل ليست معنية بإسقاط سلطة الأمر الواقع في غزة، وهي مستعدة لشراء بضاعة "الهدوء التام" من أية جهة على استعداد لعرضها وتقديمها ... وإسرائيل ليست معنية بميثاق حماس ولا بوثيقتها الجديدة، فهذا جدل متروك للفلسطينيين وحدهم ... ما يهم إسرائيل هو الوصول إلى شكل من أشكال "التنسيق الأمني" في غزة، ومع حماس، بعد أن أثبت فاعليته في الضفة ومع فتح والسلطة.
 
يتساءل الغزيون: ما معزى كل هذا الاهتمام الأمريكي "الإنساني" المفاجئ بقطاع غزة، وهو أمر سبق لإدارة ترامب أن نظمت "ورشة عمل" لبحثه في البيت الأبيض"... هل نحن أمام مشروع لتكريس انفصال الضفة عن القطاع، وهل يخطط للقطاع أن يكون "هو" الدولة الفلسطينية بعد أن تكشفت مرامي إسرائيل التوسعية حيال المستوطنات وغور الأردن وشمال الميت، وبدعم أمريكي ... هل ثمة من يعمل على تعزيز "البنية التحتية لتهدئة مستدامة" لتصبح المقاومة بعد ذلك خياراً مكلفاً، إن لم نقل مستحيلاً، ولماذا اختيار المناطق الحدودية لإنشاء هذه المشاريع: المستشفى على مبعدة 5 كيلومترات (خمسة دقائق على حد تعبير مصدر أمني إسرائيلي) من الحدود، والمنطقة الصناعية المقترحة في "كارني" كذلك؟
 
كعادتها، تصمت حماس عن "الكلام المباح" حتى قبل أن يدركها الصباح، وتحاول عبثاً أن تزج بالفصائل و"غرفة العمليات" في قرار المستشفى، والأخيرة تبرأت ... يبدو أنه لا وظيفة للفصائل و"الغرفة" عند حماس، سوى المصادقة على التهدئة وكفالة استدامتها، والتصديق على مشاريع من هذا النوع.