مقالات > > من التقشف إلى التوسع في الانفاق

مقالات - الدستور- التاريخ: 2019-11-29
كتب عريب الرنتاوي

"حزم التحفيز الاقتصادي"، تتتالى تباعاً ... ما أن تكشف الحكومة عن حزمة منها، حتى تبدأ التبشير بالحزمة التي تليها ... هذا جيد، وسبق لخبراء في الاقتصاد والسياسات المالية والضريبية، أن نصحوا الحكومة، ومن سبقها من حكومات، بأن الإفراط في التقشف الاقتصادي لن يجدي نفعاً، وأن الركون للزيادات الضريبية المباشرة، وغير المباشرة، لن يعزز واردات الخزينة، بل سيفضي حتماً إلى تناقصها ... وبعيداً عن لغة الاقتصاد ومفردات خبراء الضرائب قلنا ونقول: لكل شيء إذا ما زاد نقصان.
 
ننتظر ببالغ الصبر، بقية الحزم التحفيزية، والتي ستنطوي على "حوافز" عديدة، من بينها إلى جانب عناوين أخرى، زيادة رواتب العاملين في القطاع العام ... هذا خبر جيد، قلما استمعنا لمثله في السنوات القليلة الفائتة، والتي امتدت فيها أيدي الحكومات على جيوب المواطنين بكل قسوة، وبشرنا المسؤولون بسنوات الضنك، و"عنق الزجاجة"، حتى إن خطابهم امتزج بلغة "تخويفية" حتى لا نقول "تهديدية" مفادها: إن لم نفعل ما نريد وتستجيبوا لما نفعل، فإن عملتنا الوطنية إلى انهيار.
 
جميع هذه السرديات تكاد تختفي هذه الأيام، لتحل محلها لغة ملؤها الإحساس بمعاناة المواطن، والتفهم لحاجاته واحتياجاته، والاستعداد لتلبيتها، بلا ضرائب إضافية ... هذا أمرٌ يكاد لا يصدق “It’s too good to be true”.
 
لكننا ونحن في لحظة الارتياح للتوجهات الحكومية الجديدة، لا يمكننا أن نمنع أنفسنا من طرح العديد من الأسئلة والتساؤلات: ما الذي تغير حتى تنتقل الحكومة من "التقشف" إلى "التوسع"؟ ... هل ثمة مراجعة حقيقة لأثر السياسات القديمة؟ ... من أين نأتي بالتمويل لهذا الانفاق؟ ... من هم المسؤولون عن تلك السياسات المدافعون عن جديتها وجدواها؟ ... هل "طاروا" في التعديلات الأخيرة، أم أنهم ما زالوا جاثمين على مقاعد صنع القرار؟ ... هل يكفي تغيير السياسة دون تغيير السياسيين أو "السياساتين"؟ ... أليس في هذا السلوك، ما يجعل كثرة كاثرة من الأردنيين، تخشى أنها تحوّلت إلى "فئران تجارب" لسياسات الليبرالية الجديدة؟ 
 
هل نحن أمام تجربة جديدة لنموذج "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام"؟ ... وهل يجوز لمن "ناضل" في خنادق الليبرالية الجديدة، أن يكون مقاتلاً على الجبهة الاجتماعية؟ ... هل يكفي أن يغير المسؤول "وجهة نظره" حتى يبقى مقبولاً ومقنعاً في الحالتين وعلى المقلبين؟ ... أسئلة تستولد بدورها جملة أخرى من التساؤلات، سياسية هذه المرة.
 
في الديمقراطيات، تأتي أحزاب ليبرالية – محافظة – يمينية إلى سدة الحكم، فتعمد إلى تغيير السياسات الضريبية والجبائية ... تحابي الأغنياء وتتنكر لشبكات الأمان الصحي والاجتماعي والتعليمي، وتتفن في اختلاق أنواع الضرائب "ضريبة الرأس على سبيل المثال" ... ثم، وبعد أن يسأم الجمهور من سياساتها القائمة على تهميش الدولة وخدماتها ورفاهها الاجتماعي، تأتي أحزاب يسارية – ديمقراطية اشتراكية أو اجتماعية، عمالية، فتنتهج سياسات رفيقة بالضعفاء والمستضعفين، وصديقة للأقليات والملونين والمهاجرين، وقريبة من الطبقة العاملة والعاملين بأجر، فتنعكس التوجهات والمقاربات ... كل ذلك، يأتي بإرادة الناخبين، وكثمرة لما تفرزه صناديق الاقتراع، وكنتيجة للمحاسبة والمساءلة ...
 
الناخبون يعرفون توجهات أحزابهم مسبقاً، ويختارونها أو لا يختارونها على هذه الأساس ... أما عندنا في الأردن، فنحن لا نعرف كيف يتم اختيار الوزراء، ولماذا يأتون، ولماذا يغادرون، ولا بأس إن تقلب بعضهم بين يمين ويسار، طالما أن هذه "الشقلبة" كفيلة بإبقائه في قائمة "خياركم في الجاهلية، خياركم في الإسلام" ... فلا محاسبة ولا من يحاسبون، ولا مراجعة ولا من يراجعون.