مقالات > > معنى "الانتقال" في الحالة اللبنانية

مقالات - الدستور- التاريخ: 2019-11-24
كتب عريب الرنتاوي

حين يكشف الرئيس الفرنسي عن حالة "لا مبالة" تسيطر على المجتمع الدولي حيال قضية لبنان وأزمته المفتوحة، فإن على اللبنانيين من شتى المعسكرات المتنافسة، أن يقلقوا، وأن يدركوا أنهم لا يمتلكون "ترف" إضاعة الوقت أو إطالة أمد الأزمة التي يمرون بها ... من يستمع لخطاب بعض الأحزاب يظن أن وقت تصفية الحسابات مع "الآخر" قد أزف، ومن يصغي لهتاف الساحات والميادين، يظن أن قطار الثورة على النظام الطائفي، سائر لا محالة، وأنه سيدهس على سكته، رموز الطبقة السياسية من دون استثناء ... لا شيء من هذا أو ذلك، يلوح في الأفق، ومرور الزمن، يرفع كلفة الأزمة، على اللبنانيين كافة، وبالذات، أكثرهم فقراً وهشاشة.
 
"الثورة" اللبنانية، بالمعنى السياسي لا أفق لها بعيداً عن منهج "التسويات"، وإن كانت بالمعنى الثقافي – الاجتماعي، محمّلة بنذر التغيير ورياحه ... لكن تحويل "الاجتماعي" إلى "سياسي" ليس قراراً لحظياً، وليس عملية تلقائية، يمكن أن تحدث بين عشية وضحاها ... ثمة مسار وسيرورة لهذا التحول، بدأت بالفعل فيما شهدناه في الساحات والشوارع، بيد أنها لن تكتمل من دون "تنظيم" و"قيادة" و"تأطير" وانتخابات، وتمثيل ... هنا، وعبر هذا المسار، يمكن للمسار السياسي اللبناني، أن يسجل أهم انعطافاته التاريخية، ويمكن تحويل "ثورة الوعي" إلى "ثورة على النظام السياسي" المتهالك والمتقادم.
 
للبنانيين، ولنا جميعاً في السودان، درساً يمكن أن نتعلمه، على اختلاف المسارات والسياقات ... كان يمكن للسودان أن يكون غارقاً في بحر من دماء أبنائه وبناته... لكن بفضل جنوح الحراك الثوري السوداني إلى التسويات، بدعم وتشجيع من قبل الوساطة الأفريقية – الأثيوبية، أمكن إنقاذ أرواح عديدة، ووضع البلاد على سكة مرحلة انتقالية جديّة.
 
ولا أدري لماذا لم تبادر أية جهة عربية، إقليمية، أو دولية، للتدخل في مسعى حميد بين اللبنانيين ... لا أدري لماذا لم يخرج من الشارع صوت جريء يتحدث عن "انتقال متدرج"، وعن تغيير "بالنقاط" وليس بالضربة القاضية الفنية ... ليس أمام اللبنانيين سوى ما اعتادوا عليه: الحلول الوسط والتسويات، بيد أن المطلوب من الثائرين البقاء على يقظتهم، والعمل على تنظيم أنفسهم، لخلق أداة ضغط لمواصلة المرحلة الانتقالية، والأهم خلق رافعة اجتماعية، لضمان الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية.
 
في هذا السياق، وفيه وحده، أرى حكومة "تكنو – سياسية" يمكن أن تكون هي الحل، ويمكن للحوار اللبناني – اللبناني أن ينتهي إلى صيغة أو معادلة، يتغلب فيها التكنوقراط على السياسيين، ويمكن للحراك أن يخرج من حالة "الزهد المُدّعاة"، وأن يختار من بين صفوفه من يمثله في الحكومة، وعلى موائد الحوار والتفاوض، توطئة لتشكيل تيارات وأحزب، تنخرط في الانتخابات المقبلة، مبكرة كانت أم في موعدها، يمكن البناء على حالة الزخم الشعبي المكلفة، والتي لن تدوم إلى الأبد، من أجل الشروع في تفكيك نظام المحاصصة الفاسد، والتخلص من بعض رموزه وأركانه، فشعار "كلن يعني كلن"، يعني في جانب منه، أن الطبقة السياسية متورطة في الفساد بقضها وقضيضها ... بيد أنه من جهة أخرى، ترجمة جديدة ومنقحة، لمعادة "ستة، ستة مكرر"، لكأن الوسيلة الوحيدة لمحاربة الفساد، تكمن في توزيع الفاسدين على الطوائف والمذاهب بعدالة وشمول.
 
على أية حال، ما لم يدرك كله، لا يترك جُلّه، وأخشى ما يخشاه المراقب المتضامن مع ثورة اللبنانيين، أن تكون سقوفها المرتفعة، وأدائها "الطهراني" مدخلاً لفشل سياسي تكتيكي، حتى وإن بقيت مفاعيل الثورة الاجتماعية راسخة في الأرض، ولكن على المدى الاستراتيجي.