مقالات > > لبنان-الأردن... وتجربة للقياس مع الفارق

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-10-22
كتب عريب الرنتاوي

لأن الأردن يختلف عن لبنان في بنيته وتركيبته وسياقاته وارتباطات مكوناته بالمراكز الإقليمية والدولية، فإن أي مقارنة بين السياقين الأردني واللبناني، تنطوي على قدر من الاعتساف والافتعال، ولهذا نشدد على "الفارق" عند كل حديث عن "القياس" ... انتفاضة لبنان الشعبية غير المسبوقة منذ الاستقلال، تغري بالبحث عن المشتركات والدروس المستفادة، رغم "الفارق" مرة أخرى.
 
أول ما لفتني، أننا أمام ثورة شعبية جرفت إلى ساحاتها وميادينها أكثر من ثلث الشعب اللبناني ... هذه ظاهرة ليست طبيعية، ولا تتكرر دائماً، ولا يحدث مثيل لها في كل مكان ... تجاوز اللبنانيون واللبنانيات انقساماتهم وهوياتهم الثانوية، وهي عميقة ومتجذرة في الوعي والوجدان والتشريع والدستور و"الميثاق" ... لدينا في الأردن هويات ثانوية وولاءات فرعية قاتلة، بيد أننا في طريقنا على ما يتضح، لتجاوزها وتذليلها ... منذ الدوار الرابع في رمضان 2018 وحتى إضراب المعلمين التاريخي، وغير المسبوق، بدا أننا أردنيون أكثر، بدا أن هوياتنا الثانوية أقل "عرقلةً" لمشروعنا الوطني الذي لم يتبلور بعد، ولم يمتلك روافعه الاجتماعية والسياسية حتى اللحظة ... الأهم، أن الهويات الفرعية التي تضخمت كالورم السرطاني الخبيث في العديد من البلدان والمجتمعات العربية، تخلي طريقها بالتدريج، وعلى نحو متفاوت السرعة، ما يحصل عندنا، وما يشهده لبنان والعراق، ربما يكون "أول الغيث".
 
في لبنان، ثمة انتفاضة شعبية واسعة وغير مسبوقة، ليس للإسلاميين على اختلاف أسمائهم ومسمياتهم فيها، أي دور فاعل في تحريكها أو قيادتها ... وما حصل على هبة رمضان 2018 كان شيئاً مماثلاً، ومرة أخرى، القياس مع الفارق، إن في حجم التحرك أو شموله ... حتى إضراب المعلمين، وبرغم محاولات إلصاق "شرف" قيادة الإضراب وتفجيره وتحريكه بجامعة الإخوان، ولأسباب سياسية قصيرة النظر، إلا أنه كان حراكاً مطلبياً – وطنياً بامتياز ... الشعوب العربية، بدءاً من الجزائر وتونس، أيقنت أن بمقدورها الانتفاض على الفساد والاستبداد من دون الإسلاميين، وانها قادرة على ذلك ... في دول أخرى (العراق على سبيل المثال ولبنان جزئياً) بدا أن هذا الحراك، يستهدف الإسلاميين بأحزابهم المهيمنة أو الحاكمة ... ثنائية العسكر والإخوان تترنح ... ثمة انتفاضات تضع الجنرالات في قلب دائرة استهدافاتها (مصر والسودان والجزائر بدرجة أقل) وثمة انتفاضات تضع الإسلاميين في بؤرة مهدافها (العراق ولبنان جزئياً) وثمة انتفاضات استهدفت طرفي الثنائية القاتلة سواء بسواء (السودان ومصر جزئياً) ... المشهد الشعبي العربي يتغير، بل ويتغير بسرعة.
 
في كل الثورات والانتفاضات والاعتصامات والاحتجاجات، تنطق الجموع الغاضبة بلسان واحد: رفض الفساد والفساد، استعادة الأموال المنهوبة، توفير لقمة العيش الكريم، عمل ووظائف وخدمات وبنى تحتية، الإطاحة بالطبقة الفاسدة وحكم "الاقطاع السياسي" ومطاردة "القطط السمان" ... في مختلف هذه الموجات المتعاقبة من ثورات الربيع وانتفاضاته، تستخدم "الطغمة الأوليغاركية" الذرائع" ذاتها: زمرة مندسة، طابور خامس، أجندات خارجية، مؤامرات قبل أن تصل إلى الاعتراف بشرعية مطالب المحتجين، وتعد بالاستجابة لها أو لما هو "واقعي" منها ... في معظم هذه الأقطار والأمصار، يصل الحاكم إلى الخلاصة الضرورية والصحيحة متأخراً، بل ومتأخراً جداً، ودائماً على طريقة زين العابدين بن علي: "الآن فهمتكم"، وإبداء الندم ساعة لا ينفع الندم ... قصة تتكرر فصولها وتتنقل من عاصمة إلى أخرى، والمؤكد أنها ستطوف بمختلف العواصم العربية، التي سيتخذ قطار الربيع منها محطات لتوقفه و"استراحته" قبل أن يستأنف تحركه صوب المحطة التالية.