مقالات > > الأردن وإسرائيل... ربع قرن من السلام البارد

مقالات - الحرة - التاريخ: 2019-10-20
كتب عريب الرنتاوي

في السادس والعشرين من أكتوبر الجاري ستحل الذكرى الخامسة والعشرين لتوقيع معاهدة السلام الأردنية ـ الإسرائيلية. تُغري هذه المناسبة "اليوبيلية" الباحثين والدارسين من كلا الطرفين، لإجراء المراجعات والتقييمات لما تحقق وما تم إنجازه خلال ربع القرن الأخير.
 
بيد أن اللافت للانتباه أن الاهتمام الإسرائيلي بهذه المناسبة، فاق اهتمام الأردنيين بها، فمن النادر أن تجد بحثا أو مقالا معمقا منشورا في الأردن حول هذه المسألة، في حين حفلت الصحف الإسرائيلية بكثير من الكتابات التقييمية والتحليلية لهذه الحقبة، وإن اتخذ معظمها وجهة "سلبية" و"متشائمة" في تقييمها لراهن العلاقة ومستقبلها.
 
ليس ثمة ما يشير إلى احتمالات حدوث تحسن في العلاقات الثنائية بين الجانبين في المدى المنظور
على غير العادة في مناسبات من هذا النوع، لم يصدر عن حكومتي البلدين أية معلومات تتعلق بترتيبات مشتركة لإحياء هذه المناسبة (أقله حتى كتابة هذه السطور)، الأمر الذي يعكس حالة الفتور، حتى لا نقول التوتر، الذي يطبع العلاقات الثنائية بينهما.
 
أما على مستوى الرأي العام الأردني، فلا يبدو مهتما بالمناسبة، قدر اهتمامه بمصير مواطنين أردنيين موقوفين إداريا في السجون الإسرائيلية منذ عدة أسابيع، هما هبة اللّبدي وعبد الرحمن مرعي، وقدر ترقبه لمصير منطقتي الغمر والباقورة المقرر استعادتهما في العاشر من نوفمبر المقبل، وسط أنباء وتسريبات، عن مماطلة وتسويف إسرائيليين في الاستجابة لطلب الأردن إنهاء عقد الإجارة.
 
سراب السلام والازدهار
يستذكر الأردنيون بكثير من الخيبة، وعود السلام والازدهار التي رافقت وتلت التوقيع على المعاهدة المعروفة شعبيا باسم "معاهدة وادي عربة"، ولا تزال تصريحات الوزير الإسرائيلي شمعون بيريز عن "وادي السلام والازدهار" في إشارة إلى وادي الأردن، حيّة طازجة في أذهانهم، لا سيما وأنهم لم يروا أثرا لتلك الوعود، إذ سرعان ما أطلق اليمين الإسرائيلي المتطرف النار على رئيس حكومته إسحق رابين الذي أبرم المعاهدة مع الأردن، قبل أن يحدث الانقلاب اليميني الثاني في إسرائيل بمجيء بنيامين نتانياهو على رأس حكومة يمنية لتُفتح صفحة جديدة، مضطربة، في سجل العلاقات الأردنية ـ الإسرائيلية، بدأت ولايتها بمحاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها خالد مشعل في عمان، والتي تسببت بأكبر أزمة بين الأردن وإسرائيل بعد توقيع المعاهدة.
 
وستشهد إسرائيل خلال العقدين الفائتين، انزياحا منهجيا صوب التطرف الديني والقومي، وستنفلت "آلة الاستيطان" من عقالها، وسيتعزز نفوذ المستوطنين في مركز صنع القرار الإسرائيلي، وسيحتل "لوبي الاستيطاني" مساحة متعاظمة في الطيف السياسي والحزبي الإسرائيلي، وسيكون لكل هذه التطورات، مساسا مباشرا بمختلف أوجه العلاقة الثنائية بين الجانبين.
 
ومع تعاقب السنوات، كان "معسكر السلام" الأردني يزداد انكماشا واضمحلالا، مع تنامي نفوذ وتأثير حركات المقاطعة ورفض التطبيع مع إسرائيلي، وستتردد أصداء هذه الحركات في أوساط من داخل النظام السياسي الأردني، وستشمل شخصيات وطنية أردنية، شارك بعضها في مفاوضات السلام التي أدت إلى المعاهدة أو أعقبتها، وسيُجري سياسيون كثر مراجعات علنية لمواقفهم السابقة المؤيدة للسلام مع إسرائيل والمتمسكة بالمعاهدة والمثمنة لمراميها وإنجازاتها.
 
لقد استند المتحمسون للسلام ومعاهدته مع إسرائيل، إلى فرضيات ثلاث في معرض دفاعهم عن توجهاتهم تلك: الأولى؛ وتتعلق بالازدهار الذي سيأتي به السلام مع إسرائيل، إن لجهة التوسع في الاستثمار أو لجهة حل مشكلات استراتيجية مستعصية في الأردن، لا سيما في حقلي المياه والطاقة... الثانية؛ وتفترض أن سلام الفلسطينيين مع الإسرائيليين لن يتأخر طويلا، وأن الشعب الفلسطيني سيتمكن من نيل حقوقه الوطنية المشروعة... أما الفرضية الثالثة؛ فكانت مُضمرة، ومؤدّاها أن المعاهدة التي رسّمت حدود الأردن الغربية مع إسرائيل، قد أغلقت الأبواب في وجه مشاريع التوطين والوطن البديل، لتشكل بذلك خط دفاع أول عن أمن الأردن واستقرار وكيانيته وهويته الوطنية في مواجهة مشاريع وتصورات اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي طالما اقترح حلا لقضية الفلسطينيين خارج فلسطين، في الأردن وعلى حسابه.
 
اعتمدت حكومة نتانياهو تكتيك "فصل المسارين"، الفلسطيني عن الأردني
بعد خمسة وعشرين عاما على تلك الرهانات، ترى غالبية عظمى من الأردنيين، بمن فيهم أصحاب تلك الفرضيات الثلاث، أن أيا منها لم ير النور، فلا السلام جاء بالازدهار، إذ تزداد ضائقة الأردن الاقتصادية تفاقما واحتداما، ولا المشاريع الاستراتيجية في حقلي المياه والطاقة، أبصرت النور، بالنظر لتعثر مشروع قناة البحرين (الأحمر ـ الميت) والشروط المجحفة التي أحاطت باتفاقية الغاز الإسرائيلي مع الأردن، والتي تلقى اعتراضات متزايدة من قبل الأردنيين...
 
في حين يتعقد المشهد على المسار الفلسطيني، ويبدو الفلسطينيون أبعد عن نيل حقوقهم الوطنية أكثر من أي وقت مضى، وتتلاشى فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وتتآكل حقوق اللاجئين والنازحين الفلسطينيين في العودة والتعويض...
 
أما المخاوف على أمن واستقراره وهويته الوطنية وكيانيته المستقلة وتوازنه الديمغرافي الحساس، فقد تفاقمت منذ بدء الحديث عن "صفقة القرن" وقرار واشنطن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وموقفها المتنكر لحقوق اللاجئين والمناهض لـ"الأونروا" بالإضافة إلى موقفها الداعم فعليا للاستيطان في الضفة والقدس، وغير المؤيد لصيغة "حل الدولتين" التي كانت في قلب الإجماع الدولي حول أسس ومعايير الحل النهائي للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
 
نقاط تماس جديدة
لقد اعتمدت حكومة نتانياهو تكتيك "فصل المسارين"، الفلسطيني عن الأردني، وراهنت على قدرتها الجمع بين أمرين متناقضين: استهداف حقوق الفلسطينيين الأساسية، في تقرير المصير والقدس وحل مشكلة اللاجئين، دون المساس بسلامها مع الأردن، وبدا أن حكومة اليمين واليمين المتطرف، مستعدة للتعايش مع سلام أردني ـ إسرائيل بارد، نظير التقدم في تحقيق جدول أعمالها التوسعي في الضفة الغربية.
 
لكن تطورات الأشهر القليلة الفائتة، وتحديدا تعهد نتانياهو ضم غور الأردن وشمالي البحر الميت لإسرائيل، دفعت بالقيادة الأردنية لأن تتحدث لأول مرة، وإن بصيغة غامضة وعمومية، عن "تلازم المسارين"، وعن "الأضرار" التي ستلحق بالسلام الأردني الإسرائيلي جراء السياسات والممارسات الإسرائيلية في الضفة والقدس.
 
مع تعاقب السنوات، كان "معسكر السلام" الأردني يزداد انكماشا واضمحلالا
وزاد الطين، أن حكومة نتانياهو اليمينية، لم تظهر أية "حساسية" أو تجاوبا مع متطلبات "الرعاية الهاشمية" للمسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية، كما أنها أظهرت استخفافا في التعامل مع واقعة قتل القاضي الأردني رائد زعيتر على الجسر الفاصل بين ضفتي الأردن، ولا حين أقدم "حارس السفارة الإسرائيلية في عمان" على إطلاق النار على مواطنين أردنيين بدم بارد.
 
أما اليوم، فلا يبدو بعد عدة جولات من المفاوضات الأمنية، عبر قنوات خلفية مفتوحة بين الجانبين، أن إسرائيل بصدد الإقدام على نقل الباقورة والغمر للسيادة الأردنية، على نحو سلس ومن دون تسويف أو مماطلة... وهو أمر يرده محللون إسرائيليون بارزون إلى تراجع مكانة الأردن في الحسابات الإسرائيلية لصالح رهانات على دول عربية أخرى، في الخليج على وجه الخصوص، ومن ضمن استراتيجية اعتمدها نتانياهو تقوم على "تقديم الخطر الإيراني"، على ضرورات حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، واعتبار التهديد الأول، سببا كافيا لجمع إسرائيل وبعض دول الاعتدال في جبهة أو حلف واحد، قبل حل القضية الفلسطينية، بل ومن دون حلها، باعتبارها "تفصيلا ثانويا" لا يتعين أن يعيق مسارات السلام والتطبيع بين إسرائيل ودول الجوار العربي القريب أو البعيد.
 
أين من هنا؟
ليس ثمة ما يشير إلى احتمالات حدوث تحسن في العلاقات الثنائية بين الجانبين في المدى المنظور، فالسلام الذي أريد له أن يكون سلاما بين "شعب وشعب"، أخفق في الاحتفاظ بدرجة حرارته بين حكومتي الجانبين، في حين يتآكل حضور "معسكري السلام" في كلا البلدين بشكل منهجي ومتسارع... وباستثناء قنوات التنسيق الأمني الثنائية التي ما زالت سالكة في الاتجاهين، ليس ثمة من "كيمياء" بين قيادتي البلدين، وثمة توقعات بأن "خطوط تماس" قديمة وأخرى جديدة، عادت لترتسم بينهما، إن لجهة الافتراق في النظر لعناوين الحل النهائي للقضية الفلسطينية، أو لجهة الخلاف حول متطلبات ممارسة "الرعاية الهاشمية" للأقصى والمقدسات، فضلا عن كثير من الملفات الثنائية العالقة.