مقالات > > "نبع السلام"... دوافع وملابسات وآفاق

مقالات - الحرة - التاريخ: 2019-10-13
كتب عريب الرنتاوي

نجحت أنقرة في "التسلل" من بين شقوق النزاع الروسي الأمريكي الذي تزايدت حدته في الفترة الأخيرة، للبدء في تجسيد "حلمها" بإنشاء منطقة آمنة طويلة وعميقة، على امتداد الحدود التركية – السورية ... وهو الحلم الذي داعبها منذ دخول الأزمة السورية في طورها الدامي والعنيف في العام 2012، أي قبل أن تتشكل وحدات الحماية الكردية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، اللتان جعل منهما الرئيس رجب طيب أردوغان، ذريعته لاجتياح شمال سوريا الشرقي، بدءاً بمحور تل أبيض – راس العين.
 
لقد كان واضحاً خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، وتحديداً منذ دخول روسيا عسكرياً على خط الأزمة السورية في أيلول 2015، أن الرئيس التركي قرر اعتماد تكتيك "الرقص على الحبل المشدود" بين موسكو وواشنطن ... مُستثمراً في حاجة كلٍ منهما لمكانة بلاده ومقدراتها وموقعها الجيوبوليتيكي المتميز ... فهو من جهة، استخدم بنجاح نسبي ملموس (حتى الآن على الأقل)، الورقة الروسية لـ"تدوير الزوايا الحادة" في المواقف الأمريكية حيال بلاده وسياساتها الداخلية والخارجية، وهو من جهة ثانية، حافظ على عضوية تركيا في "الناتو" وواصل سعيه الحثيث للإبقاء على الحد الأدنى من التفاهمات مع واشنطن، من أجل "موازنة" نفوذ كل من روسيا وإيران على الساحة السورية وفي مسار أستاناً.
 
ولقد حصد أردوغان الكثير من الثمار بفضل هذا "التكتيك"، وتحديداً عندما أصدر أوامره ببدء عملية "نبع السلام" فالدولتان العُظميان كانتا الأكثر تفهماً لما أسمتاه بـ"الاحتياجات الأمنية" لتركيا، وممثليهما في مجلس الأمن الدولي، كانا الأقل استجابة لنداءات الإدانة والتنديد والدعوات لـ"وقف العمليات القتالية" التي انطلقت على ألسنة بقية أعضاء المجلس والمجتمع الدولي ... إذ وبصرف النظر عن حرب الاتهامات المتبادلة بين موسكو وواشنطن الدائرة حول مختلف ملفات السياسة الدولية، إلا أن المراقب الحصيف، لن يصعب عليه ملاحظة المساحة المشتركة التي تلتقي فوقها مواقف البلدين من أزمة الشمال الشرقي لسوريا ... كلتاهما "تتفهمان حاجات تركيا الأمنية"، وكلتاهما لا تمانعان في احتفاظ أنقرة بمنطقة أمنية بعمق يراوح ما بين 5-10 كم، وكلتاهما تريدان للعملية أن تتم بأقل قدر من الخسائر خصوصاً في أوساط المدنيين ... وكلتاهما تنظران للأكراد في سوريا بوصفهم أصحاب حقوق وطنية مشروعة، حتى أن موسكو قبل واشنطن، كانت السبّاقة في عرض "دستور فيدرالي" لسوريا.
 
لكن التلاقي في مواقف الدولتين الكبريين، لا يخفي التسابق المحموم بينهما على طرفي الصراع التركي – الكردي المحتدم ... واشنطن وبعد أن جددت التأكيد على رفضها إرسال مزيدٍ من القوات إلى المنطقة، فتحت الباب "موارباً" لوساطة كُلّفت بها وزارة الخارجية للتقريب بين الأكراد والأتراك ... في المقابل، تعرض موسكو وساطة مزدوجة على الأطراف: واحدة بين أنقرة ودمشق، والثانية بين الأكراد والقيادة السورية ... كلا الوساطتين، الأمريكية والروسية، تسعيان في خطب ودّ الفريقين الكردي والتركي سواء بسواء، أما الروسية بخاصة، فتسعى بالإضافة إلى ذلك، إلى استنقاذ موقع دمشق ومكانتها، وفتح أبواب المصالحات الوطنية بين المكونات السورية من جهة، وبين دمشق وأنقرة من جهة ثانية.
 
في هذه الأثناء، تُبقي أنقرة خياراتها مفتوحة تماماً، وتحتفظ بأوراقها قريبة من صدرها ... فهي تعوّل على ما يمكن تحقيقه في الميدان، وتحشد لهذا الغرض قوة عسكرية ضاربة، مدعومة بعشرات ألوف المقاتلين السوريين من حلفائها وأتباعها ... ترفض الحوار مع وحدات الحماية و"قسد"، تاركة خطوط التواصل ممدودة مع أحزاب وتيارات كردية أخرى، محسوبة بشكل خاص على الزعيم الكردي مسعود البارزاني، ومن دون "تقطع نهائياً" مع دمشق، حيث كانت القنصلية السورية في اسطنبول من بين الجهات التي حرصت أنقرة على إخطارها ببدء عملية "نبع السلام" قبيل اندلاعها.
 
دمشق بدورها، لم تغلق الباب أمام فرص استعادة علاقاتها مع أنقرة، سواء كاستجابة لجهود روسيا المدعومة من العراق وإيران، أو لوجود مصلحة لها في القضاء على "الانفصالية الكردية"، والمتتبع للخطاب السوري، الإعلامي والسياسي، يلحظ أنه جاء أكثر حدة وهجومية في انتقاده "للعملاء والخونة" من الانفصاليين الأكراد، من انتقاداته للجانب التركي، وهي "نبرة" غير مسبوقة في الخطاب السوري، دفعت بمراقبين للشك بوجود "صفقة ما"، بين تركيا وسوريا، برعاية روسية – إيرانية – عراقية مشتركة.
 
والمرجح وفقاً لمصادر عديدة، أن تعتمد تركيا في الفترة المقبلة، تكتيك "مشاغلة" المجتمع الدولي بالمشاورات و"الاشتباك الإيجابي" مع مبادراته وجهوده، كسباً للوقت الضروري لإنجاز أهداف عملية "نبع السلام"، أو مرحلتها الأولى على الأقل (بعرض 120 كم من تل أبيض إلى راس العين وعمق 30 كم)، فهذه العملية، من منظور أنقرة، تستمد ضرورتها وإلحاحيتها، من دافعين اثنين:
 
الأول؛ حرص تركيا على خلق حزام سكاني "عربي – سني" يحل محل "الكريدور الكردي" الذي ترى فيه تهديداً لأمنها ووحدتها الترابية، بالنظر إلى قربه من مناطق انتشار اكراد تركيا ... الأمر الذي سيتطلب إجراء واحدة من أوسع عمليات إعادة "الهندسة الديموغرافية" في شمالي سوريا، تنتهي إلى إعادة توطين مليوني لاجئ سوري، من غير سكان المنطقة وأبنائها، وإبعاد أكرادها مسافة ثلاثين كيلومتراً عن حدودها ... لقد سبق لتركيا أن عرضت فكرتها هذه على ثلاثي أستانا تحت شعار "تمكين اللاجئين السوريين من العودة إلى وطنهم"، فلقيت رفضاً قاطعاً من كل من طهران وموسكو، باعتبار أنها شكل من أشكال "التطهير العرقي" ... وكانت الفكرة ذاتها، موضوعا للتفاوض بين أنقرة والموفدين الأمريكيين، حيث قوبلت بالرفض كذلك، وللسبب ذاته، إذ توضح المصادر أن واشنطن قبلت بإعادة لاجئين إلى المنطقة الآمنة، شريطة أن يكونوا من أبنائها وبناتها فقط.
 
والثاني؛ حاجة أردوغان وحزب العدالة والتنمية لشدّ "العصب القومي" للأتراك، على أمل الاحتفاظ بالرئاسة والأغلبية البرلمانية، سيما بعد توالي التقارير التي تتحدث عن انشقاقات واسعة في صفوف العدالة والتنمية (حوالي مليون تركوا الحزب في السنة الأخيرة)، وبروز قيادات و"مشاريع أحزاب" جديدة، منشقة عن الحزب الحاكم ومتحدية لقيادته، هذا بالإضافة إلى نجاح المعارضة العلمانية في إلحاق هزائم نكراء بالحزب الحاكم في الانتخابات المحلية الأخيرة (إسطنبول على نحو خاص) ... لقد أدرك أردوغان منذ انتخابات 2015، أن الخطاب المذهبي السنّي، لم يعد ضمانة كافية لتوفير النصر له ولحزبه في الانتخابات العامة، فبدأ بشد العصب القومي للأتراك، والتحالف مع الحركة القومية، مقامراً بتدشين مواجهة دامية مع أكراد بلاده من قبل (2015 فصاعداً)، ومع أكراد سوريا اليوم.
 
أردوغان سيمضي قدماً في مغامرته السورية – الكردية، حتى وإن اشتدت من حوله أطواق العزلة، ولم يناصره في عملياته الحربية على نحو واضح وصريح سوى قطر وجماعة الإخوان المسلمين، مراهناً على حالة "السيولة" التي تميّز الموقفين الأمريكي والروسي، وهو سيسعى لتوخي الحذر في الميدان، خشية انعكاساتها على الرأي العام العالمي، وتفاعلها داخل أروقة القرار في واشنطن، وتحديداً في الكونغرس الذي يتجه لصدام مع الإدارة على خلفية الاستهداف التركي للحركات الكردية في الشمال السوري... والمؤكد أنه أرسل قواته إلى الشمال السوري، لتبقى وتتمدد، حتى وإن لم يستطع ضم هذه المناطق رسمياً إلى "الاسكندرون/هاتي" لأسباب ليست خافية على أحد.