مقالات > > العراق إذ ينتفض طلباً للكرامة والسيادة و"القرار المستقل"

مقالات - الحرة - التاريخ: 2019-10-06
كتب عريب الرنتاوي

تخطت انتفاضة العراقيين مثيلاتها المندلعة بأشكال مختلفة، وبتوقيت متزامن، في عدة بلدان عربية، بما استنبطته من دلالات ومعانٍ، تتجاوز الجغرافيا العراقية إلى الإقليم برمته، حيث يتداخل "البعد الوطني" للانتفاضة، بأبعادها الإقليمية والدولية، فتبدو كما لو كانت "رجع صدى" لنزاعات المنطقة وصراعات محاورها، ولعل هذا ما يفسر إلى "حد ما"، التعامل "الدموي الفظ" مع المحتجين السلميين، وسقوط عشرات القتلى وألوف الجرحى في أوساطهم، في غضون أيام معدودات.
 
من حيث "المُشتركات"، تلتقي الانتفاضة الشعبية العراقية، بكثير من "المشتركات" مع انتفاضة السودان والجزائر، والاحتجاجات والاضرابات والاعتصامات التي شهدها لبنان والأردن ومصر والمغرب مؤخراً: حركات شبابية بمشاركة نسائية كثيفة، عفوية وليست مرتبطة بأية جهة منظمة، اعتمدت السوشيال ميديا كأداة للتعبئة ووسيلة للقيادة والتنظيم، مطلبية في جوهرها سرعان ما تتحول إلى الشعار السياسي، عابرة للهويات الفرعية من مذهبية وطائفية وعرقية، حركات شعبية واسعة، تسعى في انتاج قيادتها الشرعية، في غياب قيادة "مُعترف بها".
 
ومن حيث "المُشتركات" أيضاً، لا تختلف ردود أفعال الحكومة والنخبة المهيمنة في العراق وعليه، عن ردود أفعال كثير من الحكومات والأنظمة العربية: اعتراف لفظي بالمطالب "المشروعة" للمحتجين، مع تشديد على "المشروعة" باعتبار أن هناك مطالب "غير مشروعة"، سياسية بالذات ... اتهام جهات خارجية بتحريك المتظاهرين واستغلال معاناتهم ومطالبهم "المشروعة" ... العنف المستخدم ضد المتظاهرين السلميين، وإن بتفاوت، وغالباً لمواجهة "الطابور الخامس" و"الفئة المندّسة" ... سرديات مملة عن عدم امتلاك الحكومات لـ"عصا سحرية" لحل مشاكل الناس، وسعي لتحميل الأنظمة والحكومات السابقة، وزر الخراب المقيم ... تحذيرات من "خطورة المرحلة" ومناشدات لقطع الطريق على أعداء الوطن "المتربصين"، ووعود تُقطع بالجملة والمفرق بمحاربة الفساد وإصلاح الشأن العام، وتدبير احتياجات المواطنين.
 
أما ما يجعل الانتفاضة الشعبية العراقية، مختلفة عن مثيلاتها، فهو أنها اتخذت منذ اليوم الأول لاندلاعها، مساراً مختلفاً، إذ بدا "البعد الإقليمي" حاضراً بقوة في سياقاتها، ووجدت المحاور المتصارعة على امتداد الإقليم، فيها فرصة وساحة: فرصة لتسوية الحساب بعضها مع بعضها الآخر، وساحة من ساحات "حروب الوكالة" المتنقلة، سيما وأن الانتفاضة جاءت في ذروة التأزم والاحتقان بين طهران وحلفائها من جهة، وواشنطن وحلفائها من جهة ثانية.
 
الفريق الإيراني و"نظرية المؤامرة"
الفريق الإيراني، في العراق والإقليم، رأى فيها "محاولة انقلابية" على حكومة عادل عبد المهدي ونفوذ إيران المتزايد في العراق، وما لم يقله المسؤولون الرسميون (الحكوميون) في هذا الفريق بصريح العبارة، قاله كتاب هذا الفريق وإعلاميوه بأوضح العبارات، وصرّح به قادة المليشيات المحسوبة عليه، بلغة "الجنرالات" وأوامرهم العسكرية الصارمة.
بالنسبة لهؤلاء، فإن الاحتجاجات التي تديرها "غرفة عمليات أمريكية – سعودية"، تسعى في معاقبة حكومة عبد المهدي على ما فعلته وتفعله مؤخراً... فهي عقاب على سياسة "النأي بالنفس" التي اعتمدتها الرئاسات العراقية الثلاثة، بالضد من رغبة واشنطن والرياض ... وهي عقوبة للحكومة لاتهامها إسرائيل رسمياً بشن ضربات جوية على وحدات "الحشد الشعبي" وسعيها لامتلاك صواريخ "إس 400" الروسية، وعقودها المبرمة مع شركات غير أمريكية لإعادة إعمار العراق ... وهي رد فعل مباشر على عمليتي ابقيق وخريص ونجران ضد السعودية ... وهي إجراء عقابي على قرار حكومة عبد المهدي فتح معبر القائم- البوكمال بين سوريا والعراق، تنفيذاً لمشروع "الممر البري الإيراني"، وهو التعبير الأقل استفزازاً عن مفهوم "الهلال الشيعي" ... أما القشة التي قصمت ظهر بعير الحكومة، فتمثلت في قرار رئيسها عبد المهدي إحالة الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، رئيس جهاز مكافحة الإرهاب إلى "ملاك وزارة الدفاع"، باعتباره مقرباً من واشنطن كما تقول اتهامات هذا الفريق لضابط كفؤ، نجح في كسب شعبية واسعة، لدوره المتميز في المعارك ضد داعش في الموصول والرمادي وغيرهما من مدن العراق وبلداته.
 
لم يخطر ببال هذا الفريق، أن يتوقف ملياً أمام "الأسباب الموجبة"، اقتصادياً واجتماعياً وخدمياً وسياسياً كذلك، التي دفعت بمئات ألوف الشبان والشابات للخروج إلى الساحات والشوارع، مطالبين بحقوقهم المشروعة بنظام سياسي عادل، متخفف من الفساد والفاسدين، وفي الخدمات الأساسية التي تليق بإنسان القرن الحادي والعشرين: الكهرباء والماء النظيف والعمل والصحة والتعليم ... لم يخطر ببال هؤلاء، أن "الفساد الملتحي" عاث تبديداً في موارد بلد غني، يرقد فوق واحدٍ من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وأن فرسان الرهان المحسوبين على "المقاومة والممانعة" هم أنفسهم الذي عاثوا تخريباً في العراق، وتفكيكاً لمؤسسات دولته وتمزيقاً لمجتمعه وهويته الوطنية الجمعية الجامعة ... لم يخطر ببالهم سوى "المؤامرة" و"غرف العمليات السوداء"، لكأن بمقدور أي من الأطراف التي حمّلوها المسؤولية عن حراك الشارع وغضبه، أن يخرج مئات ألوف العراقيين من منازلهم، مقامرين بتعريض حيواتهم لخطر الموت والاصابة والاعتقال ... أي هراء هذا؟
 
لم يخطر ببال هؤلاء، ذلك التزامن العجيب، بين الهبّة الشعبية المجيدة للعراقيين والعراقيات، وتوجيهات المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية لحرسه الثوري، بتوسيع نفوذه وتعزيز قدراتها في الدول التي يتواجد فيها، والعراق من أهمها وفي مقدمته، ودائماً بهدف خلق "خطوط دفاعية" أولى عن إيران، لكأن لا وظيفة للعراق من وجهة نظر إيرانية، إلا أن يكون خط دفاع متقدم عن إيران ... تلكم التصريحات، التي لم تكن الأولى من نوعها، وقد لا تكون الأخيرة، كفيلة بإثارة حفيظة العراقيين جميعاً، بمن فيهم بعض التيارات والاتجاهات التي تعد "صديقة" لإيران، وتتفادى تأجيج الصراع مع طهران.
 
لقد أسقط أصحاب "نظرية المؤامرة" و"غرف العمليات السوداء"، من حساباتهم، عن غرض وبسوء نيّة، أن انتفاضة العراقيين الجارية، ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة، حصل في العام 2015، أن انتفض الشارع العراقي في وجه حكومة الدكتور حيدر العبادي، لكن الظرف الإقليمي كان مختلفاً وتميز بتوقيع الاتفاق النووي مع طهران ... نسي هؤلاء أو تناسوا، أن الانتفاضة تدور في المدن والمحافظات المحسوبة على "البيئة الحاضنة" للقوى الشيعية المحسوبة على إيران والمستقلة عنها سواء بسواء، فهي أقل اتساعاً في مناطق العراقيين السنة، وتكاد تكون معدومة في إقليم كردستان ... نسي هؤلاء أو تناسوا أن المطالبات برحيل الحكومة وترحيلها، تأتي من قوى وكتل نيابية شيعية، لا يمكن اتهامها بالعداء لإيران، حتى وإن كانت أقل تبعية لها ... نسي هؤلاء في خضم شغفهم المثير بنظرية المؤامرة، أن ثمة سجلاً تاريخياً حافلاً بالتنافس بين مرجعتي النجف وقم، وأن كثرة من الشيعة العرب، هم عربٌ أولاً، وشيعة في المقام الثاني، وأنهم يرفضون تبعية بلدهم لأي مركز خارج العراق، سواء كان في طهران أو أنقرة أو واشنطن، وأن إحساسهم بهويتهم الوطنية، يفوق إحساسهم بهويتهم المذهبية، وقد عبّروا عن ذلك بكل صراحة ووضوح في هتافاتهم وأهازيجهم وشعارات تظاهراتهم.
إذ حتى حين حاولت بعض العواصم العربية (الرياض على سبيل المثال)، عبر قنواتها الإعلامية، تصوير الحديث العراقي كما لو كان انتصاراً لها في معاركها ضد إيران، حرص العراقيون على إظهار استقلالية حراكهم الشعبي عن حروب المحاور وصراعاتها، وحصروا مطالبهم وشعاراتهم بالحرب على الفساد وإصلاح النظام السياسي وتوفير الخدمات وتحرير إرادة العراق والعراقيين من هيمنة القوى الخارجية ... فالعراق لم يكن في تاريخه مُستتبعاً، وهو لعب من قبل، ومؤهل لأن يلعب من بعد، دوراً محورياً وقيادياً في المنظومتين العربية والإقليمية.

ماذا بعد؟
من السابق لأوانه الجزم بالحصيلة النهائي للحراك السياسي والشعبي في العراق ... فالانتفاضة ما زالت مستمرة وتكتسب زخماً إضافية وترغم الحكومة على التراجع عن بعض قراراتها (حظر التجوال على سبيل المثال)، لكن ثمة محاولات للتهدئة وإبقاء الحال على حاله، والاكتفاء بتقديم المزيد من الوعود والقليل من المكتسبات، وهذا ما تفعله الحكومة الدكتور عبد المهدي ... أما طهران، ومن يحالفها من العراقيين، فهي تنظر للانتفاضة بوصفها "تهديداً" وليست "فرصة"، وهي تخشى أن انقطعت السلسلة من حلقتها الحكومية، أن تتناثر وتتبعثر بقية حلقات السيطرة الإيرانية في العراق ... من هنا يبدو الاهتمام الإيراني بالعراق، "درة تاج" نفوذها الإقليمي برمته، لا يضاهيه أي اهتمام من أية عاصمة إقليمية أو دولية.
 
وليس مستبعداً أن تكون "خلايا النفوذ الإيراني" في الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية وميليشياتها، هي المسؤولة عن رفع وتيرة العنف الدامي الذي يستهدف المدنيين ورجال الأمن سواء بسواء ... وحده تحقيق مستقل ونزيه وشفاف، يمكن أن يكشف المسؤولين عن جرائم القتل الجماعي للمتظاهرين السلميين ... لإيران مصلحة في إطفاء الانتفاضة الشعبية بأي ثمن، ولإيران مصلحة أعمق، في تأبيد الوضع القائم في العراق، بوصفه خط دفاع أول عنها ... ولإيران مصلحة في إبقاء سيطرتها على "البيئة الشيعية" في العراق، وهي بيئة تبدو متفلتةً، ورافضة للاستتباع، وغير قانعة بالحصار المر لتجربة السنوات الستة عشر التي أعقبت سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين.
 
أما الخلاصة، فهي أن مستقبل حكومة عبد المهدي، وربما النظام السياسي العراقي برمته، بل ومستقبل العراق وموقعه ومكانته على الخريطة الإقليمية والدولية، ربما سيكون رهناً بالنتائج التي ستتمخض عنها انتفاضة شعبه، التي وإن لم تنجح في تحقيق مجمل أهدافها، "دفعة واحدة"، إلا أنها من دون ريب، فتحت الباب رحباً على سيناريو "الانتفاضات المستمرة والمتعاقبة" حتى الظفر باستقلال العراق واسترداد سيادته وقراره المستقل، وبناء دولته القوية والعادلة، وحكمه الرشيد المكرس لخدمة أبنائه وبناته، من دون تمييز من أي نوع.