مقالات > > بين غانتس ونتنياهو ... هل يفضل الفلسطينيون أحداً؟

مقالات - الدستور- التاريخ: 2019-09-25
كتب عريب الرنتاوي

لم يتورط أي فريق فلسطيني في الكشف رسمياً وعلنياً، عن "تفضيلاته" بخصوص الصراع المحتدم بين بنيامين نتنياهو وبيني غانتس على رئاسة الحكومة الإسرائيلية الجديدة، في أثناء الحملات الانتخابية وبعدها ... بيد أنه ليس صعباً على المراقب الحصيف، أن يلحظ تباين هذه "التفضيلات"، وأن يدرك بأن تباينها نابع من اختلاف المصالح الضيقة وأولويات اللحظة لا أكثر.
 
السلطة الفلسطينية لم تطق صبراً إلى حين ظهور النتائج الرسمية والنهائية للانتخابات، فأعلن وزير خارجيتها عن استعدادها للتفاوض مع أي رئيس حكومة لإسرائيل (يقصد بخلاف نتنياهو)، فيما المؤشرات التي لا تخفى على أحد، أن مواقف سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة، كانت تميل لصالح نتنياهو على غانتس، باعتبار الأخير صاحب نظرية "تغيير المعادلات" وترميم "القدرات الردعية الإسرائيلية" في مواجهة حماس، حتى وإن تطلب الأمر شن عملية عسكرية واسعة للإطاحة بالحركة وسلطتها.
 
نتنياهو في المقابل، اعتمد مقاربة "احتوائية" لحماس في القطاع، فهو من جهة يبقي سيف الحصار والعقوبات مسلطاً على عنقها، ملوًحا باستمرار بأن "مفاتيح" البوابات والمعابر في جيبه، وأنه سيستخدمها للعقاب والثواب تبعاً لمستويات انضباط الحركة والتزامها بالتفاهمات ... وهو يرى أن بقاء حماس في غزة، من شأنه تأبيد حالة الانقسام الفلسطيني التي يرى فيها مشجباً لتعليق رفضه حل الدولتين، ومصادرة حق الفلسطينيين في تقرير المصير، والترويج لنظريته القائلة بغياب الشريك الفلسطيني.
 
هذا التباين في التفضيلات الفلسطينية، انعكس بدوره، أو هو بالأحرى، جاء امتداداً لتباين التفضيلات الإقليمية كذلك ... فالمحور العربي – الإقليمي الداعم لحماس، وهو محور معروف، يلعب الإخوان المسلمون فيه دوراً مهماً، اعتاد العمل مع نتنياهو لـ"تعويم" حماس في غزة، وقد نجح في إيصال مختلف أشكال الدعم المالي والمادي لها، ودائماً من خلال قنوات التنسيق الأمني والسياسي مع نتنياهو ... مثل هذا السيناريو قد يتأثر في حال مجيئ غانتس وأزرق – أبيض، أو على أقل تقدير، قد يتطلب الأمر خوض مفاوضات أكثر صعوبة معه، للوصول إلى النتيجة ذاتها.
 
وربما هذا ما يفسر – إلى جانب منطق المزايدات المعروف في الساحة الفلسطينية والعربية – لماذا خرج ممثلو التجمع الثلاثة عن إجماع القائمة العربية المشتركة، ورفضوا ترشيح غانتس (لم يرشحوا نتنياهو بالطبع)، وهو القرار الذي أعطى رئيس الحكومة الإسرائيلية مكانة الأولوية في تشكيل الحكومة بأغلبية (55 مقابل 54 صوتاً) ... لا أحسب أن موقف التجمع جاء بمعزل عن اتجاه هبوب الريح في غزة وعدد من العواصم العربية والإقليمية.
 
لقد أوضحت الأحزاب العربية الثلاثة الأخرى (الجبهة، التغيير والاسلاميون) موقفها بصورة لا تقبل اللبس: هي تريد معاقبة رئيس الحكومة الذي لم يسبقه أحد إلى استهدافه شعبها و"شيطنته" والتحريض عليه والدعوة لنبذه ... هم ليسوا من السذاجة بحيث يرون غانتس نقيضاً لنتنياهو ... ولكن ما كان يتعين على الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، تمرير هذه الفرصة التكتيكية – قصيرة الأجل، من دون توجيه صفعة قوية لزعيم اليمين الشعوبي، الراقص على كل الحبال، الكاره للفلسطينيين والحاقد عليهم... صحيح أن يدي غانتس ملطخة بدماء الفلسطينيين في غزة على وجه التحديد، ولكن من قال أن يدي نتنياهو أو غيره من الجنرالات والمسؤولين الإسرائيليين غير ملطخة بدماء الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والعراقيين والعرب عموماً ... هي لحظة تكتيكية، لا تحتمل المزايدات والمناقصات.
 
الأخطر من كل وذاك وتلك، أن بعض الفلسطينيين يكاد يتورط في اقتراح إعادة بناء برنامج جديد للحركة الوطنية الفلسطينية، مفصّل على مقاس التباينات التكتيكية بين غانتس ونتنياهو، أو ما بين الليكود وأزرق-أبيض ... مثل هذه المقاربة، لا تشيع الأوهام فحسب، بل وتسهم في "تفتيت" المشروع الوطني الفلسطيني والانخفاض بمطالبه وسقوفه، بما لا يتعدى تسهل الحركة على المعابر أو إيصال المال لغزة، أو استرداد أموال المقاصة ... مثل هذه المقاربة، ستفشل حتماً في إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية وفي تقديم الاستجابة الأنجع لتحديات المرحلة الاستراتيجية النوعية التي يعبرها الآن النضال الوطني الفلسطيني.