مقالات > > "التيه" الفلسطيني... بالأرقام

مقالات - الحرة - التاريخ: 2019-09-23
كتب عريب الرنتاوي

تُعطي أحدث استطلاعات الرأي العام في الضفة الغربية وقطاع غزة، صورة متشائمة عن حالة "التيه" التي يعيشها خمسة ملايين فلسطيني تحت الاحتلال والحصار ... حالة "انعدام اليقين" حول الحاضر والمستقبل، تطغى على إجابات المستطلعة آراؤهم ... شعورٌ باليأس حيال فرص استعادة الوحدة وانهاء الانقسام... تآكل الأمل بـ"حل الدولتين" وفرص قيام دولة مستقلة، هو التقدير المهيمن على آراءه الكتلة الأكبر من الفلسطينيين، من دون أن يتبلور إجماع أو أغلبية وازنة، حول أي من الخيارات البديلة ... والأهم من كل هذا وذاك وتلك، اتساع "فجوة الثقة" بالرئاسة والسلطة بمؤسساتها والفصائل والقوى السياسية سواء بسواء.
 
في الاستطلاع الأخير (أواسط أيلول/ سبتمبر الجاري) الذي أجراه مركز البحوث والدراسات المسحية الفلسطينية، يواصل المركز المرموق، بحثه واستطلاعه لاتجاهات الرأي العام الفلسطيني ومواقفه حيال أبرز التطورات المحلية والإقليمية والدولية المحيطة بالفلسطينيين وقضيتهم الوطنية، وسنختار من بين مختلف الموضوعات التي أثارها الاستطلاع، مواقف الرأي العام واتجاهاته، حيال عينة من أبرز هذه القضايا والموضوعات، للتعرف على ما وصفناه بـ"حالة التيه" التي يعيشها الشعب الفلسطيني:
 
أولاً: في المأزق والمخرج:
ثلثا المُستطلعة آرائهم تقريباً (63 بالمائة) باتوا على قناعة بأن الزحف الاستيطاني الإسرائيلي قد قضى على مشروع "حل الدولتين"، وجعل من المتعذر إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة ... أدى ذلك، إلى رفض 56 بالمائة منهم لفكرة "حل الدولتين" مقابل 42 بالمائة ما زالوا على تأييدهم لها ... ارتفاع الأصوات المؤيدة لحل السلطة الفلسطينية (40 بالمائة)، والمطالبة بحل "الدولة الواحدة ثنائية القومية (32 بالمائة).
 
ثمة غالبية ساحقة من الفلسطينيين ترفض مبادرة الرئيس الأمريكي المعروفة باسم "صفقة القرن"، وتطالب السلطة برفضها حتى قبل تقديمها، باعتبار أن مضمونها "السيئ" بات معروفاً...83 بالمائة قالوا إنها لن تنهي الاحتلال...65 بالمائة قالوا أنها ستسمح لإسرائيل بضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية ... 69 بالمائة طالبوا القيادة الفلسطينية برفضها، مع أن أكثر من ثلثي العينة "67 بالمائة"، توقعوا أن يفضي رفض الصفقة إلى تعريض الفلسطينيين لمزيد من العقوبات الأمريكية، مقابل 23 بالمائة فقط منهم، قالوا أن رفضها قد يملي على واشنطن تعديلها.
 
في السياق ذاته، عبّر 81 بالمائة من الفلسطينيين عن رفضهم لمقترح صدر عن السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، يقضي بمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً بدل الاستقلال في دولة ... كما عبّر 72 بالمائة منهم، عن رفضه "توطين" اللاجئين في البلدان التي يقيمون فيها ومنحهم جنسيتها، حتى وإن اقترن ذلك بوعود الرخاء والازدهار (مساعدات وأموال واستثمارات) ... ولكل هذه الأسباب مجتمعة، أوصى ما يزيد عن ثلثي المُستطلعة آراؤهم (68 بالمائة) القيادة الفلسطينية بعدم استئناف الاتصالات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
 
التشخيص المتشائم والواقعي الذي يرسمه الفلسطينيون لواقعهم الراهن، يدفع شرائح واسعة منهم للنظر وإعادة النظر في تصوراتهم لمستقبل "مشروعهم الوطني"، وثمة جدل فلسطيني محتدم في أروقة النخبة والرأي العام على حد سواء، يدور حول "إعادة تعريف" هذا المشروع، الأمر الذي يخلق بدوره انقساماً حاداً في أوساطهم، ويعمق حالة "التيه" لديهم ... فلدى سؤال العينة الوطنية المُستطلعة آرائها، قال 44 بالمائة من أفرادها أنهم ما زالوا يعتبرون انهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967 وإقامة دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، هو الهدف الأعلى لهم ... ورأى ثلث أفراد العينة (33 بالمائة) أن عودة اللاجئين إلى مدنهم وبلداتهم الأصلية التي شُرّدوا منها هو هدفهم الأسمى، فيما ذهبت أقلية من (13 بالمائة) للقول بوجوب بناء الفرد الصالح والمجتمع المتدين المحتكم للشرع والشريعة الإسلامية، ورأت أقلية أخرى (9 بالمائة) أن الحكم الرشيد، واحترام حقوق الانسان والحريات العامة، هو "غاية المنتهى" بالنسبة لهم.
 
هنا، وفي أماكن أخرى من الاستطلاع، يمكن استشفاف ظاهرتين متناقضتين ومتناقصتين: الأولى تآكل الثقة بحل الدولتين وفرص قيام دولة مستقلة، والثانية، رغم ذلك، فأن هذا الخيار ما زال يحتل المرتبة الأولى على جدول أعمال الفلسطينيين.
 
ولدى محاولة رصد تصورات الفلسطينيين للخروج من المأزق والاستعصاء، قدم المستجوبون، إجابات مختلفة ومتفاوتة، حيث يظهر الانقسام هنا مرة ثانية ... ثلثهم تقريباً (32 بالمائة) يرون أن اتفاق سلام مع إسرائيل هو المخرج الواقعي من المأزق ... أكثر من ثلثهم (37 بالمائة) يعتقدون أن العودة للكفاح المسلح هو طريق الخلاص ... أقلية من 10 بالمائة، تعتقد أن المقاومة الشعبية السلمية في الوقت الراهن، ربما تكون الوسيلة الأنجع لتجاوز الاستعصاء ... في حين فضل 17 بالمائة استمرار الوضع الراهن، على سوئه، خشية الانتهاء إلى وضع أسوأ على ما يبدو.
 
في عالم مثالي، فإن الطريقة الأمثل للإنهاء الاحتلال بدت للمُستطلعة آراؤهم على النحو التالي: 44 بالمائة مع الكفاح المسلح (النسبة في تزايد قياساً باستطلاعات سابقة) ... 24 بالمائة مع خيار التفاوض (النسبة في تناقص) ... و22 بالمائة يفضلون الأخذ بخيار المقاومة الشعبية السلمية.
 
وحين عرضت على العينة الفرصة لاختيار أكثر من بديل لمواجهة تعثر المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي أو توقفها، طالب 62 بالمائة منهم بالمقاومة السلمية، وشدد نصف أعضاء العينة على ضرورة إشعال انتفاضة مسلحة ... طالب 40 بالمائة بحل السلطة ... وأكد 32 بالمائة على وجوب التخلي عن حل الدولتين والمطالبة بدولة واحدة ثنائية القومية.
ولقد اتضحت من نتائج الاستطلاع الأهمية الكبرى التي يوليها الفلسطينية للحملات الداعية لمقاطعة إسرائيل ... 83 بالمائة من أفراد العينة عبروا عن تأييدهم للمقاطعة، رغم اقتناع ثلثي العينة بأن أوروبا لن تتجاوب مع نداءات الفلسطينيين للمقاطعة ... 74 بالمائة نددوا بزيارات صحفيين عرب لإسرائيل.
صورة إسرائيل لدى الفلسطينيين تزداد "قتامة" ... أكثر بقليل من نصف العينة (52 بالمائة) توقع فوز اليمين في انتخابات الكنيست الـ22 التي جرت في السابع عشر من أيلول / سبتمبر الجاري ... أقل من نصفها بقليل (48 بالمائة) لا يؤيد مشاركة القائمة العربية المشتركة في أي حكومة إسرائيلية جديدة، وأقل من هذه النسبة بقليل (46 بالمائة) مضت إلى رفض مشاركة فلسطينيي 48 في انتخابات الكنيست ذاته.
 
ثانياً: اتساع فجوة الثقة
مستوى الثقة بأداء السلطة والقوى الفلسطينية في تآكل مستمر ... وحالة عدم الرضى عن أداء الرئيس ومؤسسات السلطة المختلفة، بدت في هذا الاستطلاع على أوضح ما تكون ..60 بالمائة من الفلسطينيين غير راضين عن أداء الرئيس الفلسطيني محمود عباس... 61 بالمائة يطالبون باستقالته... أكثر من ثلاثة أرباع العينة (78 بالمائة) غير مقتنعة بجدية قراره بالأخير تعليق العمل بالاتفاقات المبرمة مع إسرائيل، و (75 بالمائة) يرون أنه مناورة لا أكثر ... حتى الفلسطينيين أنفسهم باتوا غير مقتنعين بجدية التهديدات الفلسطينية المتكررة، فكيف هو حال إسرائيل والمجتمع الدولي.
 
نصف الفلسطينيين (49 بالمائة) يعتقدون أن السلطة باتت عبئاً عليهم وعلى قضيتهم الوطنية، مقابل (46 بالمائة) ما زالوا يعتبرونها إنجازاً ... من (32 بالمائة – 50 بالمائة) يرون أن حكومة الدكتور محمد اشتية أسوأ من حكومة سلفه الدكتور وحيد الحمد الله ... 61 بالمائة يعتقدون أنه لن ينجح في تحقيق المصالحة، و58 بالمائة يعتقدون أنه لن يجري انتخابات عامة رئاسية وتشريعية .... و60 بالمائة يعتقدون أنه لن ينجح في تحسين أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية ... موجة التفاؤل بحكومة اشتية تبددت سريعاً، وحلت محلها موجة تشاؤم بالمستقبل، وبقدرة الحكومة على مجابهة تحدياته.
 
القضاء بدوره لم يسلم من أزمة "فجوة الثقة" ... 60 بالمائة قالوا إنهم غير متأكدين من حصولهم على محاكمة عادلة في حال وجدوا أنفسهم في قفص العدالة ... 63 بالمائة قالوا إن ثمة فساد القضاء وأنه غير مستقل، وأنه يعمل أحياناً بـ"الهوى والمزاج".مثل هذه الأوضاع في بعديها الخارجي (الاحتلال) والداخلي (فجوة الثقة)، دفعت بثلث أفراد العينة تقريباً (31 بالمائة) للتفكير بالهجرة للخارج ... الوضع في قطاع غزة أسوأ من الضفة الغربية، نسبة الراغبين بالهجرة في القطاع 41 بالمائة، مقابل 24 بالمائة في الضفة.
 
ثالثاً: الانتخابات والانقسام
الفلسطينيون متشائمون حيال إمكانية إنهاء الانقسام واستئناف المصالحة واستعادة وحدتهم الوطنية ... 67 بالمائة منهم قالوا أنهم غير متفائلين بالمصالحة ... وقبلها توقعت غاليتهم فشل الحكومة في تحقيق هذه المهمة ... لكن ذلك لم يمنع ثلاثة أرباع العينة تقريباً (72 بالمائة) من مطالبة الرئيس والسلطة رفع الإجراءات العقابية التي فرضها على قطاع غزة ... وأبدى أكثر من نصف أعضاء العينة (52 بالمائة) تشاؤماً في إمكانية توصل حماس وإسرائيل إلى اتفاق تهدئة طويل الأجل ... واللافت أن نصف العينة تقريباً (48 بالمائة) لم ترى في إيران صديقاً أو حليفاً للفلسطينيين، رغم ثقتهم (55 بالمائة) بقدرة إيران على إلحاق هزيمة بإسرائيل في حال نشبت حرب بين البلدين.
 
هذه التطورات السلبية المقلقة التي تجتاح المجتمع الفلسطيني، لم تحل دون وجود غالبية وازنة (72 بالمائة) من الفلسطينيين تتطلع لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة ....66 بالمائة قالوا إنهم سيشاركون فيها ... 69 بالمائة تريد الانتخابات بمشاركة حركة حماس كذلك.مع أن الفلسطينيين لا يضعون رهانات كبيرة على إمكانية إجراء انتخابات رئاسية و/أو تشريعية، إذ قال نصف أفراد العينة تقريباً (49 بالمائة) أنها لن تجري ... وقال 61 بالمائة أن حكومة اشتية لن تنجح في إجرائها، ومع ذلك فإن غالبتيهم تتطلع لإجراء الانتخابات وتعتزم المشاركة فيها.
 
في حال جرت الانتخابات، فإن حركة فتح ستحصد 38 بالمائة من مقاعد المجلس التشريعي، وستحصل حماس على 29 بالمائة، وبقية الفصائل والقوى والشخصيات على 11 بالمائة، والبقية لم تقرر بعد.وفي حال انحصرت المنافسة بين الرئيس عباس ورئيس حركة حماس إسماعيل هنية، فإن الأول سيحصل على 48 بالمائة مقابل 46 بالمائة للثاني ... أما إن جرى السباق الانتخابي بين القيادي الأسير مروان البرغوثي وهنية، فإن الأول سيحصل على 36 بالمائة والثاني 19 بالمائة، وسيحصل العقيد المنشق عن فتح محمد الدحلان على 8 بالمائة من الأصوات معظمها من غزة، فيما سيحصل مصطفى البرغوثي على 4 بالمائة و3 بالمائة لكل من خالد مشعل وسلام فياض.
 
والخلاصة، أن ليس ثمة في الأفق ما يشي بقرب خروج الفلسطينيين من "عنق الزجاجة"، أما المستقبل، فتحيطه هالة من "انعدام اليقين"، فيما الانقسام الداخلي حول جملة العناوين الرئيسة في المشروع الوطني وأدوات تحقيقه، ما زال سيد الموقف.