مقالات > > الأردن: حين يتسع الخرق على الراتق

مقالات - الدستور- التاريخ: 2019-09-11
كتب عريب الرنتاوي

للمعلمين مطالب محقة، لا يكاد يختلف اثنان على هذا الأمر ... نختلف حول جدوى الإضراب من عدمها، ويقلق جُلنا على مصير الأبناء إن استمر الاضراب ... لا أحد يريد للعام الدراسي أن يُضرب، وإن كان التعبير عن الهلع على العام الدراسي، سابق لأوانه بكثير، ووراءه ما وراءه من مبالغة وتطّير مقصودين.
 
لكن قطاعات أخرى من العاملين في ميادين الوظيفة العامة حقوقاً محقة كذلك ... وللعاملين في القطاع الخاص الحق في زيادة الحد الأدنى للأجور، والذي لا يوفر للناس خبزهم كفاف يومهم ... الأردن من أغلى الدول في العالم، ورواتب العاملين فيه، من أدناه في العالم كذلك ... الفقر لم يعد يرتبط بالبطالة، فالكادحون وصغار الكسبة، استقروا منذ زمن في أسفل قائمة الفقراء في هذه البلاد.
 
ثوب اقتصادنا الوطني اتسعت خروقه، وبات صعباً على الراتق أياً كان، أن يخيطه ويرقعه ... فما بالك وحكوماتنا المتعاقبة، أوكلت مهمة رتق الثوب لرهط من "الخبراء" الذين وأن تلقوا علومهم في أرقى جامعات العالم، إلا أنهم سقطوا في أول اختبار لقياس "حساسيتهم الاجتماعية" لبرامجهم ومقترحاتها الإصلاحية في الحقلين المالي والاقتصادي.
 
قد تنتهي الحكومة إلى اتفاق مع المعلمين، وينفض الاضراب وتعود المدارس إلى يومياتها وطوابيرها الصباحية .... لكن من أين ستأتي الحكومة بالمال، سيما بعد أن ذهبت حتى نهاية الشوط في فرض الضرائب والمكوس، حتى باتت عائداتها منها تتناقص، فقبل "منحى لوفر" الشهير بكثير، قالت العرب: لكل شيء إذا ما زاد نقصان، وسنكون على موعد مع عجز جديد متصاعد، ومديونية جديدة لا تعرف التوقف عند أي منحنى أو ذروة.
 
ليست لدى هذه الحكومة ولا من سبقتها أو ستلحق بها "عصا سحرية" تضرب بها البحر فتتدفق أنهار اللبن والعسل ... و"الترقيع" أو "الرتق" لم يعد سياسة صالحة أبداً سيما بعد أن اتسع الخرق واستعصى على الراتق ... وحكاية "خطط الطوارئ" التي تُستنفر الحكومات لوضعها للخروج من عنق الزجاجة أو تجاوز الاستعصاء، ليست سوى مضيعة للوقت ... أما نشر الأوهام حول قرب الفرج والخلاص، فليس سوى من ضرب من وصف المزيد "الأسبرين" لمريض استهلك منه، مئات العلب والشرائح ... لا بد من وقفة مصارحة ومصالحة مع الرأي العام ... لا بد من إشراك الرأي العام في تحمل المسؤوليات الجسام التي تنهض أمامنا، بدءاً باقتصاد الوطن ولقمة عيش المواطن.
 
والرأي العام لن يكون شريكاً في حمل المسؤولية وتحمّل الأعباء، ما لم يُشرك على نحو جدي في عملية صنع القرار ... ما لم توضع الحقائق، كافة الحقائق، عن حال اقتصادنا ومالنا وأعمالنا بين يديه ... المواطن لا يدعى إلى "حفلة زفاف معدة سلفاً"، يجب أن يكون له رأياً مسموعاً وعبر قنوات وأطر ملزمة ... يجب أن يخرج على الناس من يعرض عليهم واقع حالنا، وأن يدعوهم إلى انتخابات عامة، تضمن كفاءة ونزاهة تمثيلهم، وأن يخرج من بينهم من يدير دفة السفينة ... الأردن، بحاجة لمرحلة انتقال تراوح ما بين ستة أشهر وسنة، نتوافق فيها على خطة وطنية للإنقاذ، وتديرها حكومة انتقالية ذات "أكتاف عريضة"، فتنتهي إلى برلمان ذي أكتاف أعرض ... حكومة لن تتردد في اعتماد سياسات تقشفية صارمة، وتطارد الفساد كما طاردت الصين كونفوشيوس زمن الثورة الثقافية ... حكومة تستند إلى قاعدة شعبية، ولا يتلعثم أحدٌ في نطق أسماء وزرائها ... حكومة بأعلى درجات الحساسية الاجتماعية لكل قرار أو إجراء تتخذه ... حكومة تؤمن أن أسوأ أنوع إدارة الأزمات، هو تحويل "الحبة إلى قبة" كما حصل الخميس الفائت ... حكومة تستعيد ولايتها العامة، ولا يتحول وزرائها إلى وسطاء ومراسلين، ينقلون شكاوى الناس وتظلماتهم، ليعودوا إليهم بالخبر اليقين، وإن بعد، هذا إن عادوا إليهم أصلاً ... حكومة تشرع في استعادة ثقة المواطن بمؤسسات الدولة وسيادة القانون ... حكومة إن قالت للأردنيين أصبروا وصابروا، وجدت أوسع الاستجابة ومن على قاعدة "ليس بالإمكان أبدع مما كان" ... لقد اتسع الخرق على الراتق، ولم يعد أمامنا سوى تجريب الخيار الوحيد الذي لم نجربه حتى الآن، فهل نحن فاعلون؟!