مقالات > > لماذا "ينتحر" الأردنيون؟

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-09-10
كتب عريب الرنتاوي

ؤنشرت الزميلة "الغد" على موقعها الالكتروني تقريراً عن ظاهرة الانتحار في بعديها العالمي والوطني (الأردني)، تزامناً مع احتفال العالم بعد غدٍ الخميس باليوم العالمي لمنع الانتحار والذي يقام سنوياً تحت شعار “العمل معاً لمنع الانتحار”.
 
الأرقام العالمية مروّعة، ثمة 800 ألف حالة وفاة سنوياً بسبب الانتحار، وهو ما يمثل 11.4 حالة انتحار لكل 100 ألف من السكان، أو حالة انتحار واحدة كل أربع ثواني... ويختلف المعدل ما بين الذكور والإناث حيث يرتفع الى 15 حالة انتحار للذكور و8 حالات انتحار للإناث لكل 100 ألف من السكان.. حتى الحروب التي تشتعل في قارات العالم الخمس، لم تسقط هذه الأعداد المهولة من الضحايا.
 
الشباب من الفئة العمرية (15-29)، هم الأكثر عرضة لآفة الانتحار فهي السبب الثاني في وفيّاتهم بعد حوادث الطرق وتحديداً في دول الدخل المتدني والمتوسط ... والظاهرة أكثر انتشاراً في صفوف الذكور من معدلاتها في صفوف الاناث... محاولات الانتحار المبلغ عنها تفوق بأضعاف مضاعفة حالات الانتحار التام أو الناجز.
 
معهد تضامن النساء الأردني أورد معلومة مفادها أنه في الدول الغنية يمثل عدد الذكور المنتحرين ثلاثة أضعاف النساء المنتحرات وتنخفض النسبة في الدول المتوسطة والمتدنية الدخل الى النصف، فيما تشكل حالات الانتحار 50% من جميع الوفيات الناجمة عن العنف ضد الذكور، بينما تشكل 71% من جميع الوفيات الناجمة عن العنف ضد النساء.
ويظهر التقرير الإحصائي السنوي لعام 2018 والصادر عن دائرة الإحصاءات العامة، الزيادة المستمرة في حالات الانتحار التام في الأردن خلال السنوات الماضية، حيث وصلت حالات الانتحار التام الى 142 حالة خلال عام 2018 وبنسبة ارتفاع بلغت 9.2% مقارنة مع عام 2017.
 
ويشير معهد تضامن النساء الى وقوع 605 حالات انتحار تام خلال آخر خمس سنوات في الأردن (2014-2018) حيث سجلت 100 حالة انتحار عام 2014، و113 حالة عام 2015، و120 حالة عام 2016، و130 حالة عام 2017، الى جانب تسجيل 142 حالة عام 2018، والمؤشر في تزايد على ما يظهر من الاتجاه العام.
 
"تضامن" توقف محقاً أمام أسباب تفشي الظاهرة في أوساط النساء، وارتباط ذلك بالعنف الموجهة ضدهن والتمييز الواقع عليهن ... لكن الحديث عن أسباب تفشي الظاهرة في أوساط الذكور، خصوصاً في مجتمعات الدخل المتدني والمتوسط، يبدو أمراً شديد الأهمية بدوره، ويحتاج وقفة تحليلية... وأذكر أنني كنت على "صلة ما" بدراسة لم تكتمل، حول "قضايا الجندر للرجال" في الأردن، ويومها أمكن لي التعرف عن كثب على الضغوط الهائلة التي يتعرض لها هؤلاء بدورهم، ومن المهد إلى اللحد، بحكم التربية والتوقعات والأدوار الاجتماعية والثقافة السائدة، في غياب أي عمل مؤسسي لمساعدة هذه الفئة سيما بغياب التوعية وغيبة المؤسسات ودور العناية الصحية، وتفشي ذكورية المجتمع التي تلقي بثقل هائل على الذكور وليس على الاناث فحسب، وفي سنيّ العمر المبكرة.
 
فالثقافة الذكورية تلقي بثقلها على الطفل منذ طفولته ... فالبكاء سمة أنثوية والرجال لا يبكون، وكذا مشاريع الرجال من الأطفال والفتيان ... والفتيان "النشامى" لا يبلغون عن المضايقات التي يتعرضون لها في الشارع والحارة والمدرسة، بما فيها المضايقات الجنسية، هي مسؤوليتهم الشخصية أن يأخذوا "حقهم بذراعهم"، فالشكوى من سمات النساء والفتيات فقط، الرجال لا يشكون ولا يشتكون.... هؤلاء لا ينبغي أن يخشون الخروج في الظلام، ربما لشراء علبة سجائر للأب في ساعة متأخرة، أو "صحن فول" في صباحات الشتاء المبكرة والمعتمة ... ولأنهم الرجال، فهم المسؤولون عن كافة التزامات الأسرة، النووية والممتدة، وهم المسؤولون عن "مصروف" العائلة، وليس لأحد أن يتدخل في الكيفية التي سيتدبر بها رب الأسرة تكاليف معيشتها، فتلك وظيفته، ووظيفته وحده، وهو المسؤول عن تلبية احتياجاتها بصرف النظر على ظروف البلاد والعباد الاقتصادية، وإن "قصّر" في أداء وظيفته، تآكلت ذكورته ورجولته، وقُضي على مكانته في أسرته وبيئته، في مجتمع ما تزال فئات عريضة منه، تعتقد بأنه لا يعيب الرجل شيئاً مثل خواء جيبه أو محفظته.
 
الضائقة الاقتصادية، الثقافة المجتمعية، التربية وغياب المؤسسات الصحية والإرشادية، "التقاسم الوظيفي المختل" بين الجنسين، أو ما يعرف بالأدوار الاجتماعية ... جميعها عوامل تستحق أن تُدرج ونحن نحتفل باليوم العالمي لمنع الانتحار ... الاهتمام بضحايا الظاهرة من النساء مهم وضروري، ولكن الاهتمام بأسباب تفشيها عند الرجال والفتيان والشبان، لا يقل أهمية أبداً.