مقالات > > أجندات مبعثرة

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-09-02
كتب عريب الرنتاوي

كلما اقتربنا من لحظة الكشف – رسمياً – عن "صفقة القرن"، كلما بدا أن حماستنا لمقاومتها أو حتى الاهتمام بتفاصيلها قد خفت وتراجع ... لقد أسلنا الكثير من الأحبار، وصرفنا جُلّ أو كل طاقتنا على الكلام في هجاء الصفقة وتفنيد مراميها والتنبيه لأخطارها ... يبدو أننا أفرغنا ما في جعبتنا من طاقة على الهجاء، حتى أننا لم نعد قادرين على انتاج المزيد منه، دع عنك "حكاية" إتباع الأقوال بالأفعال، فتلكم ليست "عادة عربية متأصلة" على أية حال.
 
في الأردن، كما في فلسطين، اتخذنا مواقف صارمة، وغالباً إجماعية، ضد الصفقة/المؤامرة، رسمياً وشعبياً، وربما تبرع البعض منا بإبلاغ المجتمع الدولي بمخاوفنا و"عميق قلقنا" من تداعياتها ... بيد أننا لم نفكر للحظة واحدة بإنتاج "خطة ب" البديلة، والكفيلة برد كيد الصفقة إلى نحور أصحابها والمنتفعين بها، واصلنا يومياتنا كالمعتاد، وكأن الصفقة مجرد تفصيل آخر، يضاف إلى عشرات التفاصيل المنهكة التي تتوزع عليها أجنداتنا الوطنية، وهي أجندات وليس أجندة واحدة، مبعثرة ولا يربط مكوناتها أحدها بالآخر أي رابط.
 
الأردنيون، حكماً وحكومة وشعباً، أشهروا لاءاتهم الثلاث وتوحدوا خلفها، وسيّجوا القدس بخط أحمر عريض ... هذا جيد، ولا نريد ما هو أكثر منه... بيد أن السؤال الذي يقتحم العقل من دون استئذان: ماذا نحن فاعلون فيما الفيل الأمريكي يعيث تكسيراً في حانوت الأدوات الزجاجية، وفيما حالة الاهتياج والهيجان، تجتاح إسرائيل حكومة وكنيست ورأياً عاماً ... ماذا نحن فاعلون إن أزفت لحظة الحقيقة، وأشهرت الأطراف الراعية والمستفيدة أوراق القوة في وجهنا، وهي كثيرة وصلبة، والأهم أنها من الوزن "الاستراتيجي"، وهي قريبة وربما تطل برأسها الكريه قبل نهاية هذا الشهر.
 
والفلسطينيون على انقساماتهم المتناسلة، توحدوا على نحو نادر الحدوث في رفض الصفقة ومخرجاتها ... ولكنهم بدل أن يتخذوا من هذا التهديد مناسبة لرص الصفوف وتوحيد المواقف والمؤسسات والسياسات، رأينا انقساماتهم تزداد عمقاً، ووحدتهم تزداد تبعثراً ... ورغبتهم في مواجهة بعضهم البعض، تفوق إرادتهم في مواجهة خصومهم وأعدائهم ... لا شيء تغير على الأرض، لا جديد في يوميات الفلسطينيين وجداول أعمالهم، مع أن الخطر ماحق، والنصل الحاد يقترب من حبل الوريد.
 
الأردنيون بلا "مشروع وطني جامع"، لا شيء يحفزهم على الخروج من منازلهم سوى البحث عن لقمة العيش، التي تزداد صعوبة يوماً إثر آخر ... منساقون لسيل جارف من العناوين والمواضيع التي تقفز ذات صباح لتختفي بعد يومين أو ثلاثة أيام على أبعد تقدير ... لهاث وراء لقمة العيش و"العناوين المفركة" التي تحل محل أجندتهم ومشروعهم الوطني ... لا أحد بريء من المسؤولية عن هذا الوضع الكارثي، الكل ساهم عن وعي أو من دونه، في تشتيت الأردنيين وتشريدهم في وطنهم وخارجه كما تشير الأرقام".
 
أما الفلسطينيون فقد كانت لهم مشاريعهم التي اصطدمت جميعها بجدار الاستعمار الصهيوني الاستئصالي وبالانحياز الأمريكي الأعمى لتل أبيب ... هم اليوم، يودعون "آخر مشاريعهم الوطنية"، مشروع العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، من دون أن يقووا على انتاج مشروعهم الجديد .... القديم في فلسطين يأبى الرحيل، والجديد يأبى القدوم، والحالة الانتقالية تشبه وادٍ سحيق من الفراغ، لا أحد مجهز لاجتيازه أو للإبحار في دهاليزه حتى الآن على الأقل.
 
لكأننا نحن العرب عموماً، لا نعرف معنى أن يكون لنا "خطة ب"، نشهرها بعد أن يتأكد لنا أن "الخطة أ"، قد بلغت جداراً مسدوداً ... لكأننا أمة لا تؤمن بالتخطيط أساساً، ولا تحسب حساباً لمستقبلاتها البديلة، وتؤثر أدارة شأنها العام بعقلية "البقال الصغير"، وعلى طريقة "المياومة" أو حتى "نظام العمل بالقطعة" .... يبدو أن هذا هو حالنا من المحيط إلى الخليج، مع أن ثقل الضغوط والتحديات التي تواجهنا في الأردن وفلسطين على حد سواء، لا تسمح لنا بممارسة مثل هذا "الترف"، وتجعل من أثر غياب "المشروع" أمراً كارثياً.