مقالات > > "حرب وكالة" ثانية في اليمن

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-08-30
كتب عريب الرنتاوي

قاتل اليمنيون بعضهم بعضاً لسنوات خمس عجاف، وعجّت المحافظات اليمنية المختلفة بالمليشيات من كل الألوان والولاءات والانتماء، وانزلقوا في أتون حرب أهلية، ليست الأولى، وقد لا تكون الأخيرة – من أسف – راح ضحيتها عشرات الأطفال وأضعافهم من الجرحى والمشردين في وطنهم وخارجه، وملايين الجوعى والمحتاجين للمساعدة.
 
لكن الحقيقة تقتضي أن يقال إن اليمنيين بعد ثورتهم المجيدة، السلمية والحضارية، ضد نظام علي عبد الله صالح، وجدوا أنفسهم في أتون "حرب بالوكالة"، متعددة الطبقات ... دول شقيقة لم يرقها أن ترى التغيير الشعبي السلمي – الحضاري تعصف بنظام صالح الذي امتهن "الرقص فوق رؤوس الأفاعي" كما قال هو نفسه ذات مرة، فتحركت بكل الوسائل وأدوات الضغط المعروفة، لتفريغ هذه الثورة من مضمونها، والاكتفاء باستبدال الرئيس بنائبه على رأس "الشرعية" اليمنية.
 
والحقيقة الثانية، التي لا بد أن تقال، أن اليمن دخل في "حرب الوكالة" منذ سنوات، حيث اصطفت قوى يمنية عديدة إلى جانب طهران على رأس محور إقليمي كامل، فيما ارتأت قوى أخرى أن مكانها الطبيعي في المحور الآخر بقيادة السعودية أساساً، والإمارات في المقام الثاني ... وما زلنا حتى اليوم، أو بالأحرى ما زال الشعب اليمني حتى اليوم، يدفع من دماء أبناء ومن اقتصاده وبناه التحتية ومقدراته المتواضعة، ثمن هذه الحرب الضروس - المنسيّة، التي تكاد لا تبقي ولا تذر.
 
منذ أيام، دخل اليمن مرحلة جديدة في حربه الداخلية وفي حروب الآخرين عليه ... "حرب بالوكالة" اقتربت في الساعات الماضية من أن تكون "حرباً بالأصالة"، من دون وسطاء ومن دون تمويه ... صراع ركني التحالف العربي يتفاقم في عدن وابين وشبوة، وعمليات الكر والفر تجعل حياة المدنيين من سكان هذه المحافظات جحيماً لا يطاق ... وبدل حرب الاتهامات بين التحالف وإيران، بدأت حرب الاتهامات تطغى على إعلام دول التحالف، ولكن ضد بعضها البعض هذه المرة.
 
وعلى وقع "حرب الوكالة الثانية" تتحرك خرائط القوى والتحالفات اليمنية المحلية على نحو يصعب ملاحقته وتتبعه، وعمليات نقل الولاءات وتنقيل البندقية من كتف إلى كتف، جارية على قدم وساق ... ملايين (اقرأ مليارات) الدولارات التي كانت تنفق في مواجهة إيران وأصدقائها من اليمنيين، باتت تنفق اليوم لشراء الذمم والتحالفات في "حرب الإخوة الأعداء" ... أما المعادلات فتتغير، وتتغير معها قواعد الاشتباك وساحات المعارك والأطراف المشاركة فيها.
 
من حرب شمال – جنوب، إلى حرب جنوب – جنوب، وقبلها شمال – شمال، وكرة النار ما زالت تتدحرج، وثمة محافظات أخرى مرشحة لانفجارات قادمة، خصوصاً في الجنوب الذي قيل عند "تحريره" أنه تحول إلى واحة للاستقرار وحضن دافئ للشرعية ... لا الاستقرار تحقق، بل انهار على نحو غير مسبوق، ولا الشرعية قادرة على تثبيت أقدام راسخة على أرضه، في عاصمته أو حتى في مدنه الرئيسة.
 
والأزمة اليمنية بانقساماتها المعروفة والعميقة، مرشحة لأن تصبح أزمة عربية بامتياز، تتفاعل أساساً في قلب دول مجلس التعاون الخليجي، الذي عانى بدوره، ولأكثر من عامين مما بات يُعرف بـ"أزمة قطر والرباعي العربي" ... هذه الأزمة قد تصبح تفصيلاً مملاً وقليل الأهمية، مقابل ما قد يحصل بين ركني التحالف العربي، الذي يقف أحدهما مع "الشرعية" ويدافع الآخر عن "المجلس الانتقالي الجنوب" و"قوات الحزام" و"قوات العمالقة" و"قوات النخبة" وغير من تسميتها تتكاثر كلما تناسلت المليشيات وتعددت.
 
اليمن في طريقه صوب مرحلة جديدة من الخراب، في ظل صمت عربي مطبق، سياسي وإعلامي، وبغياب الجامعة والحواضر العربية الكبرى ... اليمن يغرق في أتون حروبه المتناسلة، فيما العرب يجلسون على مقاعد المتفرجين ... أما المجتمع الدولي، فقد بلغ به النفاق و"المعايير المزدوجة" حد "السقوط" الكامل، فهو يؤثر إبرام الصفقات والعقود الفلكية على إنقاذ حياة أكثر من عشرين مليون يمني مهددين بالفقر والجوع والمرض وسوء التغذية و"التقزم" و"الموت المبكر" ... كان الله في عون اليمنيين.