مقالات > > عن أردوغان و"سجين إمرالي" ومفاتيح حل "المسألة الكردية"

مقالات - الحرة - التاريخ: 2019-08-11
كتب عريب الرنتاوي

يعتقد الزعيم الكردي عبد أوجلان أن بمقدوره حل أزمة الصراع التركي – الكردي في غضون أسبوع واحد، إن مكّنته سلطات أنقرة من فعل ذلك بالطبع، بمعنى إن أفرجت عنه بعد أزيد من عشرين عاماً من اختطافه في نيروبي وزجه في سجن شديد الحراسة، مشيّد على جزيرة "إمرالي" أقصى جنوب بحر مرمرة ... أوجلان قد يكون متفائلاً بأكثر مما ينبغي، وقد تعبر تصريحات عن "توقٍ بالغ للحرية"، دفعه لعرض خدماته على أنقرة، والمبالغة في تقدير ما بوسعه فعله، لكن المؤكد أن أوجلان، ربما يكون أمل تركيا، بكردها وأتراكها، الأكبر إن لم نقل الأوحد، في وضع حد لهذا المسلسل الدامي الممتد لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً.
 
منذ العام 1984، بل ومنذ زمن "النضال السلمي"، الطلابي اليساري، الذي بدأه أوجلان قبل ذلك التاريخ بعشر سنوات، لم يترك طرفا الصراع وسيلة إلا ولجآ إليها لكسر إرادة الطرف الآخر ... صراع استنزف طاقات البلاد والعباد، أودى بحياة عشرات ألوف المدنيين والمقاتلين والجنود ورجال الشرطة والأمن، وقدرت "فاتورته" المتراكمة بمئات مليارات الدولارات ... لم ينجح الأكراد في "انتزاع دولتهم المستقلة"، وتحقيق "حلم الانفصال" الذي داعب مخيلة تيارٍ وازنٍ في أوساطهم ... وفي المقابل، أخفقت الدولة التركية، بعهودها المتعاقبة، مدنية وعسكرية، علمانية – قومية وإسلامية، في التوصل إلى حل توافقي لحل هذه الأزمة، ولا يكاد يمضي يوم واحد، من دون أن نقرأ في الأخبار، أنباءً عن عملية لحزب العمال “PKK”، أو ضربات جوية وعمليات ملاحقة في جنوب شرق الأناضول وجبال قنديل.
 
والحقيقة أن مواقف الأطراف ومقارباتها، تطورت بشكل ملموس خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الفائتة ... فـ"المؤسسة" التركية أدركت أنه لا بد من ملاقاة مطالب الأكراد في "نقطة ما" في منتصف الطريق، فيما "الميول الانفصالية" للأكراد، أخذت بالتآكل التدريجي بعد اصطدامها بجدران سميكة من العوائق والعقبات المحلية والإقليمية والدولية ... لقد توفر لـ"سجين إمرالي" متسع من الوقت لإجراء المزيد من "المراجعات"، ليخرج بمفهوم "الأمم الديمقراطية" كبديل عن "تقرير المصير" بما هو أداة لتقسيم البلاد والعباد كما كان مفهوماً في سنوات صعود الحركة الكردية.
 
ويسجل للعدالة والتنمية أنه اقترب من معالجة المسألة الكردية كما لم يفعل حزب أو حكومة من قبله، فدخل في حوارات مع الأكراد واستجاب للكثير من مطالبهم الثقافية والاجتماعية وسمح بهوامش للتمثيل السياسي البرلمانية لكرد البلاد، قبل أن يعود وينقض على الحركة الكردية، بجناحيها السياسي "حزب الشعوب" والعسكري “PKK”، لأسباب واعتبارات "انتهازية" داخلية، تتعلق بالانتخابات ورغبة الحزب في الاحتفاظ بأغلبيته البرلمانية، وحاجته لشد العصب القومي التركي لكسب تأييد الحركة القومية واجتذاب أصوات مؤيديها لدعم حملات الحزب الانتخابية واستفتاءاته.
 
أوجلان و"العمال"
تصنف تركيا حزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية، وهي نجحت في إقناع دول عديدة أو بالضغط عليها لإدراجه في قوائمها السوداء للمنظمات الإرهابية ... ولقد استندت أنقرة إلى كثير من الوقائع في تسويغ قرارها وتسويقه لدى الغير، فالحزب قارف الكثير من الأعمال التي استهدفت مدنيين أبرياء، ولا يمكن تصنيفها بغير ما تقول عنها أنقرة.
 
لكن تجارب العديد من الدول والمجتمعات لا تختلف عن تجربة الأكراد في تركيا ... فكثير من الحركات السياسية المسلحة، التي اتُهمت بممارسة الإرهاب، وصُنّفت كذلك، انتهت إلى انتزاع اعترافات دولية واسعة، بكونها حركات تحرر وطني أو "كيانات وطنية" تمثل شرائح معينة من هذا المجتمع أو ذاك، وضرب العالم صفحاً عن كثيرٍ من ممارساتها العنيفة، التي يسهل تصنيفها بالإرهاب، تسهيلاً للوصول إلى حلول سياسية نهائية لهذه الأزمات.
 
فالولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية، لطالما نظرت إلى الحركة الوطنية الفلسطينية بفصائلها المختلفة، بوصفها منظمات إرهابية، قبل أن تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني وتستقبل رئيسها في حديقة البيت الأبيض للتوقيع على اتفاق أوسلو، وقبل أن تشرع دولٌ غربية عدة، في إقامة علاقات واتصالات مع الكثير من الفصائل التي كانت ملاحقة ومطاردة من قبل.
 
وتجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي، تقدم مثالاً آخر على إمكانية النجاح في إنهاء الحرب الأهلية، إن توفرت الإرادة المشفوعة بالمرونة والاعتراف بالآخر، بعيداً عن التصنيفات المتعنتة والصارمة ... كما أن مفاوضات إدارة ترامب مع قادة حركة طالبان، حليفة ابن لادن وحاضنته لسنوات، والتي تكاد تصل إلى اتفاق نهائي، تعطي نموذجاَ آخر لإمكانية الوصول إلى حلول سياسية، تضع حداً لإراقة المزيد من الدماء ووقف حرب استنزاف منهكة للأرواح والموارد.
 
العرض الذي قدّمه عبد الله أوجلان عن طريق محاميه للحكومة التركية، يستحق التفكير والتأمل، وجدير بالحكومة أن تستجيب له وتختبره، وأن تشرع في حوار حول آليات استئناف الحوار والمصالحة واستعادة السلم الأهلي، سيما وأن الرجل كان حريصاً على التأكيد بأن الأكراد ما عادوا يطلبون الانفصال عن تركيا، وأن مطالبهم تقع في إطار وحدة البلاد وتحت سقف سيادتها.
 
قيمة هذا العرض، أنه يأتي من أهم زعامة كردية في تركيا والإقليم وأكثرها نفوذاً ... فمن بين زعامات ثلاث توزعت ولاءات أكراد المنطقة عليها: الراحل جلال الطالباني ومسعود البارزاني وعبد الله أوجلان، وحده الأخير، من يحتفظ بنفوذ عابر للحدود، ومؤيدوه لا يقتصرون على أكراد تركيا وحدهم، بل وينتشرون في العراق وإيران، وبالأخص وسط أكراد سوريا، والتفاهم مع أوجلان وحزب العمال، وصولاً لحل سياسي تفاوضي وتوافقي للمسألة الكردية، يمكن أن يحفظ أمن تركيا وسلامة أراضيها، أكثر من "المنطقة الآمنة" شمال شرقي سوريا، التي تتفاوض أنقرة بشأنها مع واشنطن من دون أن تسجل اختراقاً يذكر حتى الآن على الأقل.
 
لا يمكن للحل السياسي للمسألة الكردية في تركيا أن يرى النور، فيما العمود الفقري لهذه الحركة مصنفاً إرهابياً، وفيما زعيمه "الكاريزمي" يقبع في سجن ناءٍ معزول عن العالم الخارجي، وفيما قادة الذراع السياسي للحركة الكردية (حزب الشعوب) بمن فيهم نوابه المنتخبون ديمقراطياً، يرزحون في السجون بتهم جزافية، انتقامية في مضمونها ... حل المسألة الكردية بحاجة لقرار تاريخي، يصدر عن زعامة تاريخية، كردية وتركية، والأمر متوفر الآن، إن تخلت بعض القيادات عن "أنانيتها" وشغفها بالسلطة وميلها للانفراد والتفرد ... عبد الله أوجلان قادر اليوم على قيادة الأكراد إلى ضفاف المصالحة والسلام ... ورجب طيب أردوغان، قادر عن قيادة الأتراك إلى الضفة ذاته ... أردوغان يحتفظ في جيبه بمفاتيح زنزانة أوجلان، وهي ذاتها مفاتيح حل المسألة الكردية... بغياب الرجلين قد لا تتوفر فرصة مماثلة لتركيا، وقد تمر سنوات وعقود قبل أن يحظى أكراد تركيا وأتراكها على زعامات قادرة على تعبيد طريق السلام وقيادة الشعب على دروبه الشائكة والمعقدة، ومساعدته على طي صفحة الماضي القريب والبعيد، وتحمل التبعات والانتقادات التي ستهب من قوى التطرف على ضفتي الصراع، فهل يستجيب أردوغان لدعوة أوجلان، وقبل فوات الأوان، أم أنها ستذهب كما سابقاتها، أدراج الرياح؟