مقالات > > حرب إسرائيل على أطفال فلسطين

مقالات - الدستور- التاريخ: 2019-08-04
كتب عريب الرنتاوي

محمد ربيع عليان، العمر أربع سنوات، من بلدة العيسوية /القدس، وسط الضفة الغربية، قيس فراس عبيد، العمر ست سنوات من بلدة العيسوية ذاتها، ملاك شادي سدر، العمر ثماني سنوات، من مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية ... هؤلاء الأطفال، هم الأحدث على قائمة الاعتقالات والاستدعاءات التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين ... التهم الموجهة لهم: تهديد أمن الاحتلال وتعكير صفو المستوطنين.
 
هل فقدت إسرائيل عقلها؟ ... ما الذي يدور في خلد جنرالات "الجيش الذي لا يقهر" وأجهزة الأمن ذات الصيت الذائع والمرعب، وهو يرسلون الدوريات و"زوار الفجر" لتسليم أهالي "المطلوبين" وذويهم مذكرات جلب؟ ... ومن هو المحقق الذي سيجلس قبالة أطفال تتراوح أعمارهم ما بين أربعة إلى ثمانية أعوام؟ ... ما نوع الأسئلة التي سيوجهها المحققون لهؤلاء "المطلوبين"، وبأية لغة سيتحدثون معهم، وما المعلومات التي سيحاولون انتزاعها منهم، وما نوع التهديدات التي سيشهرونها في وجوههم لردعهم عن الاستمرار في تهديد الأمن الإسرائيلي وخدش صورته الردعية وتعكير صفو القطعان السائبة من المستوطنين الإيديولوجيين، في الخليل على وجه الخصوص؟
 
إسرائيل فقدت عقلها؟ وباتت تنافس أعتى الديكتاتوريات العربية على وسائلها الوحشية، المستمدة مع إحساس عميق بانعدام الثقة والإحساس بالأمن والاستقرار ... إسرائيل تتخبط في قلقها الوجودي، وإلا ما معنى ملاحقة أطفال لم يبلغ بعضهم سن المدرسة بعد، بوصفهم تهديداً لأمنها ومصدر إزعاج لمستوطنيها؟
 
إسرائيل تتوحش، فهي إن فكّرت باستهداف الأطفال لردع أهاليهم، تكون قد لحقت بركب أعتى الفاشيات في العالم، تلكم التي طوى تاريخ البشرية صفحتها إلى غير رجعة، ممن لم يتورعوا عن استخدام أكثر أساليب البطش والإرهاب قذارة وخسة ونذالة... استخدام النساء للضغط على الرجال، واستخدام الأطفال لابتزاز ذويهم رجالاً ونساء ... إسرائيل التي تفاخر صبح مساء، بأنها "واحة الديمقراطية في صحراء العرب القاحلة" تثبت بالملموس أنها تنتمي لأقذر المدارس الفاشية في التعامل مع الآخر المختلف، والآخر هنا، هم الفلسطينيون سكان هذه البلاد التاريخيين وأصحابها الشرعيين.
 
لو أن صور الأطفال الفلسطينيين الذي تسلموا "مذكرات الجلب والاعتقال" جاءت من عاصمة عربية لقامت الدنيا وما قعدت ... لقيل في هجاء الأنظمة الفاشية معلقات في القدح والهجاء ... ولعمّت وسائل الاعلام الغربية الصور والتقارير التفصيلية التي تكشف فظاعة الحكام وبؤس أدواتهم وقذارتها ... لكن حين يكون الضحية فلسطيني والجلاد إسرائيلي، يضرب الصمت على عقول هؤلاء وقلوبهم، فتنعقد ألسنتهم وتجفّ أقلامهم، وتصاب كاميراتهم بالعمى التام ... تخيّلوا لو أن هؤلاء الأطفال هم من الإسرائيليين أو اليهود، وأن رجال الأمن هم من الفلسطينيين أو العرب، كيف كانت ردود أفعال العالم لتكون؟
 
لكن الصور التي نشرت تباعاً خلال الأيام الثلاثة الفائتة، أعطت نتائج عكسية مغايرة عند الفلسطينيين، الذي ازدادوا قناعة بأن سلوكيات كهذه، لا تصدر إلا عن ضعيف ومهزوم من الداخل، لا تعبر إلا عن الهشاشة والقلق الوجوديين ... لقد أقنعت الصور إياها، الفلسطينيين، من الأجيال الشابة تحديداً، بجدوى المقاومة وجديتها، وزادتهم ثقة بالمستقبل أمام عدو مرعوب ومسكون بانعدام اليقين ... فمن ذا الذي يلاحق طفلاً في الرابعة أو السادسة، أو يستدعي طفلة بعمر الورود سوى جبان مذعور، قلق ومهجوس، حتى وإن ظهر مدججا بأحدث ما أنتجته ترسانة السلاح الأمريكي، وبأغرب ما توارد من أساطير وخرافات، وأبشع ما تمخضت عنه إيديولوجيا العنصرية وثقافة الكراهية.