مقالات > > مهرجان انتخابي لنتنياهو في كامب ديفيد ... المشاركة ليست خياراً

مقالات - الدستور- التاريخ: 2019-08-01
كتب عريب الرنتاوي

لمرة واحدة نتمنى لو يمتلك القادة العرب الشجاعة لقول "لا" جماعية لواشنطن وإدارة دونالد ترامب، ورفض الدعوة إلى لقاء في كامب ديفيد، لا وظيفة له من منظور هذه الإدارة، سوى "تعويم" نتنياهو وتعزيز فرص فوزه في انتخابات الكنيست المقبلة ... نتمنى لو يتساءل القادة قبل اتخاذ القرار، بل وقبل اللقاء بكوشنير وفريقه، هل لنا مصلحة في إبقاء نتنياهو على رأس حكومة اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل؟
 
نحن هنا، لا نفاضل بين نتنياهو وباراك، أو بين الأول وغانتس، فقد اكتوى الفلسطينيون بنيران حروبهم وعنصريتهم الطافحة مرات ومرات ... ولكننا نربأ بأنفسنا وقادتنا، أن يجعلوا من حضورهم أحد المهرجانات الانتخابية لنتنياهو المقرر عقده في المنتجع الرئاسي الأمريكي الأشهر، ورقة انتخابية يضعها الليكود في صناديق حملته الانتخابية... وإن كنّا نرى أن خروج نتنياهو عن مسرح الحكم والحكومة، هو أمرٌ إيجابي لا محالة، حتى وإن خلفه أي من هؤلاء الجنرالات الملطخة أيديهم بدماء الفلسطينيين.
 
أمس، "احتفى" الفريق الأمريكي، ومعه بعض الصحافة العربية الغبيّة أو المشبوهة بقرار حكومة نتنياهو المصادقة على بناء سبعة آلاف وحدة سكنية في مناطق "ج" في الضفة الغربية ... وحدات سكانية، تبنى على أراضٍ فلسطينية محتلة، ولأول مرة منذ سنوات طوال ... لكن القليل من الأضواء تم تسليطه على الشق الثاني من القرار ذاته، وهو بناء ستة آلاف وحدة سكنية للمستوطنين في الضفة الغربية ... مجابهة احتياجات النمو الطبيعي لثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة، استلزمت التصريح بسبعة آلاف وحدة سكنية، وملاقاة احتياجات النمو الطبيعي لأربعمائة ألف مستوطن، استوجبت التصريح ببناء ستة آلاف وحدة سكنية، دع عنك حكاية أنها أرض الفلسطينيين المحتلة، وضع جانباً القانون الدولي ... أية "عدالة" تستوجب هذه الإشادة بقرار من هذا النوع، رأت فيه أوساط سياسية أمريكية، أنه "بادرة إيجابية" أو "مكرمة" من نتنياهو حيال الفلسطينيين يستقبل بها صديقة (صبيّه) كوشنير في مستهل جولة تحضيرية لكامب ديفيد جديد.
 
وحين تقرأ تفاصيل الاقتراح الأمريكي الذي يجري التداول به، ويقال إنه سيكون محور محادثات كوشنير في المنطقة، تكتشف أن الاقتراح صدر عن سفير إسرائيل في واشنطن رون دريمر، وبطلب من نتنياهو شخصياً ... أي باختصار، أن نتنياهو يدعو القادة العرب للمشاركة في مهرجان انتخابي في كامب ديفيد، وأن وظيفة صهر الرئيس وفريقه، تنحصر فقط في توزيع بطاقات الدعوة، مغلفةً بكثير من الأكاذيب والضغوط.

ويزيد الطين بلّة، أن إدارة ترامب لا تنوي الكشف عن مضامين مبادرتها التي تحمل اسماً زائفاً: "صفقة القرن" في كامب ديفيد، ولأسباب انتخابية إسرائيلية كذلك، وأنها قد تتحدث ببعض "العمومية" عن أركان ومحاور هذه المبادرة لا أكثر، وأن إسرائيل تتحضر لوضع عشرات التحفظات والشروط للقبول بها على الرغم من محاباتها وانحيازها بالكامل للرؤية والمصالح التوسعية والعدوانية الإسرائيلية ... فما الذي سيفعله القادة العرب في كامب ديفيد، وما جدوى مشاركتهم، وأية نتيجة ينتظرونها غير تسهيل تمرير "صفقة القرن" و"تعويم" نتنياهو؟
 
حتى بفرض عدم مشاركة نتنياهو شخصياً في لقاء كامب ديفيد، لا حاجة لنا للمشاركة فيه ... ورشة المنامة من قبل، عقدت بغياب مسؤولين حكوميين إسرائيليين، فهل ما زالت الشكوك تساورنا بأنها صُممت لصبت القمح صافياً في طاحونة إسرائيل ويمينها المتطرف، ولماذا يتعين علينا أن نسلك الطريق ذاته، ونتوقع الوصول إلى نهايات مختلفة؟ ... ألم يحن الأوان لقليل من "الصلابة" التي تستلهم بعض ما تقوم به دول الجوار الإقليمي للعرب في مواجهة واشنطن وبعض عواصم الغرب والشرق، حفظاً لمصالحها وحفاظاً على كبريائها وسيادتها الوطنيتين.
 
حتى "حكاية" المشاركة بتمثيل المنخفض في الاجتماع ونظرية أن "نكون هناك لنعرف ما الذي سيجري ويدور"، لم تعد كافية لتبرير مشاركة أي دولة عربية في تجمع كهذا... سيما وأن من المؤكد أن يقاطع الفلسطينيون كامب ديفيد الجديد كما قاطعوا "ورشة المنامة"، ومن المحظور تكريس "قاعدة" مشاركة العرب بغياب الفلسطينيين ... كما أن حكاية "نذهب ونتمسك بموافقنا الثابتة" لم تعد خياراً كذلك، إذ يبدو أن هذا الأمر لم يعد يزعج واشنطن ولم يقلل من حدة اندفاعتها لتمرير "الصفقة" ... وقد نجد أنفسنا وغيرنا من الحكومات العربية، ذاهبون بأقدامنا صوب خيارات لا نريدها، ومن شأنها إلحاق أفدح الضرر بمصالحنا الوطنية وحقوقنا القومية.
 
آن أوان تفعيل نظرية "نقبل بما يقبل به الفلسطينيون"، تلك النظرية التي ظلت لفظياً على الأقل، مبدأً حاكما لمواقف العرب حيال مسألة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وإن من باب "البحث عن ذرائع" لتفادي بعضٍ من الضغوط الأمريكية، على اعتبار أن حل قضية الفلسطينيين من دون الفلسطينيين أنفسهم، ليس خياراً على الإطلاق، فهل نحن فاعلون؟!