مقالات > > "دعسة ناقصة

مقالات - الدستور- التاريخ: 2019-07-28
كتب عريب الرنتاوي

قرار "وقف العمل" بالاتفاقات الفلسطينية المبرمة مع الجانب الإسرائيلي الذي اتخذته القيادة الفلسطينية وأعلنه الرئيس محمود عباس، هو بلا شك خطوة في الاتجاه الصحيح، ويعبر عن "درجة أعلى" في الرفض الفلسطيني المقاوم لسياسات الاحتلال والعربدة الإسرائيلية المدعومة كلياً من جانب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
 
لكننا ونحن نرحب بالقرار، لا يفوتنا تسجيل جملة من الملاحظات النقدية، تأسيساً على ما كنا ذهبنا إليه من قبل، وفي هذه الزاوية وغيرها، من أنه لا يكفي الإعلان عن رفض "صفقة القرن" وبأشد العبارات، في حين تشتد الضرورة والحاجة لبلورة رؤى وسياسات واستراتيجيات بديلة، تحصن "اللاءات" الفلسطيني، وتعطي زخماً للموقف الوطني الفلسطيني الإجماعي، وتسيل "الأدرينالين" في عروق الاحتلال وداعميه:
 
أولا: القرار الفلسطيني ليس الأول من نوعه، وهو لم يصدر للمرة الأولى ... منذ سنوات ومؤسسات صنع القرار في المنظمة والسلطة، تتخذ قرارات و"توصيات" من الطبيعة ذاتها، بل وأشد "قسوة"، من دون أن ترى طريقها إلى حيز التنفيذ، فما الذي سيختلف هذه المرة، ولماذا نتفاءل بأن الحراك السياسي سيتخذ أبعاداً جديدة مختلفة، في حين كنا مررنا بتجارب مماثلة من قبل، ومن دون جدوى.
 
ثانياً: لماذا بدت القيادة الفلسطينية في اجتماعها الأخير، كما لم لو أنها "تفاجأت" أو أُخذت على حين غرة في هذا الموضوع، فيصدر قرار "وقف العمل بالاتفاقات" ونشرع في تشكيل اللجان المكلفة بإعداد الخطط والبرامج والآليات التنفيذية ... أليس المفروض أن "الخطة ب" قد وضعت من قبل، وأن سيناريوهاتها باتت مُدركة، وأن آلياتها التنفيذية باتت ناجزة.
 
ثالثاً: ما الذي يعنيه "وقف العمل"، أو "التعليق" أو "التجميد" للاتفاقات المبرمة ... وبم يختلف عن قرارات الهيئات القيادية الفلسطينية حيالها ... وأية اتفاقات سيعلق العمل بها، وأية اتفاقات سيستمر العمل بها؟ ... هل التعليق خيار قابل للتنفيذ؟ ... ماذا إن قررت سلطات الاحتلال، وهو ما ستفعله في كل الأحوال، منع سفر أي مسؤول أو مواطن فلسطيني، بحجة تعليق العمل بالتنسيق الأمني ... أو منعت استيراد أو تصدير أية سلعة بحجة "وقف العمل" باتفاق باريس الاقتصادي؟ ... كيف ستتصرف السلطة، وكيف ستعطي معنى ومغزى لمضمون قراراتها الأخيرة.
 
رابعاً: إن لم يجر الربط بين هذه القرارات، وخطط استعادة المصالحة وتصعيد المقاومة الشعبية واستراتيجية للتحول إلى اقتصاد المقاومة، وإعادة بعث الروح في العمل الشعبي المقاوم، فإن كل ما تم الكشف من قرارات، لن يساوي الحبر الذي كتبت فيه.
 
 لا أجد معنى عملياً للقرارات الأخيرة، طالما ظلت السلطة الفلسطينية القائمة على حالها ووظائفها ... وحده حل السلطة أو انحلالها، يمكن أن يكسب هذه القرارات مغزاها ومضامينها الحقيقة ... السلطة التي تعيش تحت جلد الاحتلال، ليس بمقدورها الفكاك عنه، أو "وقف العمل" بالاتفاقات والتفاهمات المبرمة معه ... لا أتحدث هنا، بالمعنى النظري المجرد العام، بل بالمعنى العملي، الحسي والملموس، لمغزى القرار وتفاصيله ودقائقه اليومية ... وأظن، وليس كل الظن، إن الجانب الفلسطيني، وليس الإسرائيلي، هو من سيستمر في العمل بالاتفاقات المبرمة، في كل مرة سيجري فيها طلب "تصريح" أو تسهيل مهمة، أو تحريك دورية شرطة، أو نشر قوة أمنية، أو طلب رخصة استيراد وتصدير، أو طلب إذن للحج، أو توقف عند الحواجز الإسرائيلية المنتشرة في الضفة الغربية... وطالما أن السلطة هي الجهة المعنية بتزويد الخدمة للمواطن، بالتنسيق مع إسرائيل وبالإذن منها، لن يكون "وقف العمل" ممكناً.
 
معاقبة إسرائيل لممارساتها الأخيرة، والتصدي لصفقة القرن، يحتاج إلى ما هو أبعد من قرار "وقف العمل" بالاتفاقات، يحتاج لاستراتيجية مشتقة من خارج "صندوق أوسلو" سياسات ومؤسسات واتفاقات ... فهل وصلت القيادة الفلسطينية إلى هذه الخلاصة؟ ... ثمة ما يشي إلى أنها تتحرك على هذا الطريق، بيد أن قراراتها الأخيرة، جاءت بمثابة "دعسة ناقصة".