مقالات > > يحبون فلسطين ويكرهون الفلسطينيين

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-07-17
كتب عريب الرنتاوي

أربعة أخماس اللبنانيين (79 بالمائة) يكرهون إسرائيل ويعتبرونها التهديد الأكبر لبلدهم وفقاً للاستطلاع الأكبر للرأي العام العربي الذي أجرت "بي. بي. سي" مفتتح العام الجاري ... النسبة تفوق مثيلتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة ذاتها (63 بالمائة)، وتكاد تكون ضعف النسبة في الأردن (42 بالمائة) وفقاً للمصدر نفسه ... لكن ذلك لم يشفع للفلسطينيين، ولم يقلص من حجم "الرفض" اللبناني لوجودهم على الأرض اللبنانية ... قصة الكراهية لإسرائيل لم تتحول إلى قصة حب لضحاياها ... لسان حال بعض اللبنانيين، أو كثيرٍ منهم، يقول: نحب فلسطين ونكره الفلسطينيين.
 
هذا الحال ليس محصوراً ببعض اللبنانيين... هناك عرب كثيرون يشاطرون هؤلاء اللبنانيين موقفهم هذا، بل أن بعضهم تورط في كراهية فلسطين وأهلها وقضيتها ومقدساتها ... وهناك نفر، حتى من "المقاومين العرب" يحبون فلسطين كذلك ويكرهون أهلها، سيما ذاك الجزء منهم، المقيم على أرض هؤلاء وبين ظهرانيهم ... صراع الهويات، يفقد كثير من المقاومين بوصلتهم، حتى وهم في ذروة الحماسة والهتاف بشعارهم الأثير: بوصلة لا تؤشر لفلسطين خائنة.
 
لبنان قال "لا" مدوية لصفقة القرن وقاطع ورشة المنامة بكل جرأة واقتدار ... لكن ذلك لم يغير قيد أنملة من مواقف بعض مكوناته وكياناته، والتي تتسم بالعنصرية والاقصاء ... لبنان لا يريد توطين اللاجئين، وهو متمسك بحقهم بالعودة، ولأن هذا الحق متعذر التحقيق في المدى المنظور، فلا بأس عند هؤلاء من تشجيع ضيفهم الثقيل على الهجرة، فإن ماطل وسوّف، لا بأس من تهجيره تحت أقصى الضغوط المعيشية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية وغير مما نعرف ولا نعرف.
 
الإجراءات الأخيرة القاضية بمطاردة الفلسطينيين العاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، تندرج في هذا السياق، وتستهدف القضاء على البقية الباقية منهم في لبنان، والتي جاء في تعداد عام 2015 أن عددهم لا يتجاوزا حاجز الـ"175 ألفاً"، علماً أن سجلات الأونروا تتحدث عن 600 ألف لاجئ، فيما بعض الباحثين قدّر أن يصل عددهم إلى مليون، لو أنهم عاشوا ظروفاً طبيعية، وتكاثروا على نحو طبيعي كما هو بقية تجمعات الشتات الفلسطيني.
 
لا خيار باقٍ أمام الفلسطيني في لبنان سوى الهجرة واللجوء إلى أقطار العالم على اتساعه ... هذه هي قصتهم منذ تل الزعتر (1976) مروراً بمجزرة صبرا وشاتيلا (1982) وحرب المخيمات 1985 – 1987، وحتى يومنا هذا ... قبل أعوام، كان الحديث عن الهجرة في أوساط الفلسطينيين في لبنان، يجري همساً وبخجل وعلى استحياء ... اليوم، يجاهر الشاب الفلسطيني برغبته في الهجرة، ويعمل على رؤوس الأشهاد لتأمين مستلزماتها المكلفة، وتنشط عصابات الاتجار بالبشر في أوساطهم بشكل علني، وتعمل شبكات تهجيرهم وتهريبهم تحت سمع وبصر الجميع، في عز الظهيرة والشمس في رابعة النهار.
 
بين التوطين المفروض والعودة المستحيلة، لم يبق أمام الفلسطيني سوى طريق الهجرة والتهجير ... وحين نقول التوطين، لا نقصد استحصال الجنسية اللبنانية ومزاحمة الشقيق اللبناني على مقعد في مجلس النواب، أو قطعة من كعكعة السلطة ... نقول الحياة الكريمة الآمنة والحقوق الاقتصادية الاجتماعية المدنية فحسب، فهل هذا كثير على بلد سجل أرقاماً قياسية في رفض إسرائيل والتطبيع معها ومقاومتها، وكان رائداً في إبقاء جذوة حق العودة مشتعلة؟
 
ليست العنصرية حكراً على بعض اللبنانيين ولا هي محصورة في جغرافيّته الصغيرة ... فحيثما حل الفلسطيني وارتحل، يجد نفسه في خانة "الاستثناء"، وتقريباً في كل شيء، وبما يشمل معظم إن لم نقل جميع مناحي الحياة، من حق العمل والسكن والتعليم والتنقل والإقامة والجنسية ... يستوي في ذلك المتآمرون على قضيته الوطنية والرافعون للوائها ... أنهم يحبون فلسطين بلا شك، بيد أنهم يكرهون شعبها، أقله من يقيم منه بين ظهرانيهم، وشعارهم دائما: الله يسعدهم ويبعدهم.