مقالات > > بين عمان والدوحة

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-07-11
كتب عريب الرنتاوي

العلاقات بين عمان والدوحة تتحسن بوتائر متسارعة، تبادل السفراء يطوي فصلاً ويفتح آخر، قد يشتمل على تبادل الزيارات الرفيعة وتنظيم الاجتماعات على أرفع المستويات، وقد يشتمل على السياسة ولا يقف عند حدود الاقتصاد والتبادل والمساعدات والعمالة ... هي خطوة في الاتجاه الصحيح، والأصل ألا تكون هذه "الهزّة" في العلاقات الثنائية قد وقعت في الأصل، طالما أنه لم تكن هناك "أسباب أو مصالح أردنية" لا لسحب السفير ولا لطرد السفير الآخر. 
 
ثمة من يبالغ في رصد الأثر المتوقع على عودة الروح للعلاقات الأردنية – القطرية، ولأسباب تتعلق بالانحيازات السياسية وربما المصالح الفردية، وهذا واضح وملموس في كتابات البعض وتعليقات البعض الآخر الطافحة بالحماسة ... لكن ذلك لا يقلل من أهمية تطوير هذه العلاقات، ودائماً من ضمن استراتيجية تنويع علاقات الأردن وصداقاته، وعدم ربطها أو رهنها بعواصم محددة أو بمحاور بعينها ... وأظن أن أفضل ما في التحسن الذي أصاب العلاقات الأردنية – القطرية أنه حصل، وأنه صدر عن إرادة مستقلة بتنويع علاقات الأردن الإقليمية والدولية.
 
بالطبع، لم تكن الخطوة الأردنية "قفزة في مجهول"، فعمان تراقب التحسن الملموس الذي طرأ على علاقات الدوحة مع واشنطن، والذي يتوّج هذه الأيام بزيارة الأمير تميم لواشنطن ولقاءاته مع ترامب وكبار رجالات إدارته ... كما أن الأزمة الخليجية ذاتها، دخلت في مربع "العبث" بعد أن تجاوزت لحظة الذروة والاستعصاء إلى لحظة تفكيك العقد، توطئة للحل.
 
الدبلوماسية الأردنية هي من أدار عملية استعادة العلاقات، وهذا طبيعي، لأن الأردن هو من بدأ مشوار "تقليصها" و"خفضها" ... والدبلوماسية الأردنية هي من ضبط خطوات هذه العملية وفقاً لإيقاع محدد، تداخلت فيه شبكة مصالحه المباشرة بجملة حساباته وتحسباته من ردود الأفعال والتداعيات ... والأهم من كل هذا وذاك وتلك، أن هذه الخطوة، تأتي بعد أن قطع الأردن شوطاً كبيراً في "إذابة" الكثير من الجليد الذي أحاط بالعلاقة بين عمان وأنقرة، وصولاً لتسجيل رقم قياسي بعقد خمس قمم أردنية – تركية في غضون عام واحد أو أزيد قليلاً ... ومرة أخرى، دائماً في إطار استراتيجية تنويع العلاقات والتحالفات.
 
والحقيقة أنني لا أحبذ الحديث عن علاقات الأردن مع هذه الأطراف وغيرها، بلغة "التحالفات" و"المحاور"، وأفضل عليها لغة "الصداقات" و"الأسواق" ... فليس للأردن مصلحة في أن يكون في هذا المحور أو ذاك، سيما إن كان تشكلها مندرجاً في سياق حروب "الإخوة الأعداء"، أو لخوض حروب ومعارك عبثية، أو من شأنها صرف الانتباه عن الصراع الرئيس والعدو الرئيس المتربص بقضية العرب المركزية الأولى: فلسطين.
 
ودعونا نتمنى أن تتلقى الدبلوماسية الأردنية، جرعة إضافية من الحماسة والنشاط والشجاعة، فتفتح الباب رحباً لعودة السفير السوري إلى عمان، وإرسال سفير أردني إلى دمشق، أقله لفتح أسواق جديدة واحتجاز مكانة في ورشة إعادة إعمار سوريا ... ودعونا ننتظر رد الخارجية على رسالة طهران التي تستمزجها فيها القبول بالمرشح لشغل المنصب، وهي الرسالة على مضى على إرسالها ما يقرب من عشرة أشهر.
 
لسنا وحدنا من يحتفظ بعلاقات وثيقة مع دول ومحاور عربية متناقضة، ويقف على مسافة بينها، ويُبقي سفاراته وسفرائها في عواصمها ... علينا أن نحذو حذو هذه الدول التي لم تجابه الويل والثبور وعظائم الأمور لمجرد أنها قررت عدم الانتظام في هذا المحور، أو رفضت الاستجابة لرغباته وتمنياته.
 
الجرأة على تنويع صداقاتنا وأسواقنا وعلاقنا مع مختلف دول الجوار القريب والبعيد، ضرورية في كل الأوقات، وتصبح ملحة وواجبة دون إبطاء، حين لا يبادلنا بعض الأشقاء التحية بأحسن منها، أو أقله بمثلها ... كما حصل في السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة، أكثر من مرة، ومع غير شقيق.