مقالات > > في الجدل حول "السلاح"

مقالات - الدستور- التاريخ: 2019-07-08
كتب عريب الرنتاوي

الجدل حول انتشار "السلاح" المنتشر بكثرة بين أيدي المواطنين، ليس جدلاً خاصاً بالأردن والأردنيين ... الجدل الأوسع نطاقاً والأكثر كلفة وإثارة للانقسام، هو ذاك الذي يجري في الولايات المتحدة على سبيل المثال، هناك يدور الحديث عن "حقوق أساسية" وصناعة بمئات المليارات من الدولار، وتقاليد تعود لمئات السنين ... ولدنيا نموذج أقرب لهذا النوع من الجدل، في اليمن، حيث يحظى المواطن بأكثر من ثلاث قطع سلاح بالمعدل، من دون احتساب أسلحة الجيش والقوات النظامية الأخرى ... وفي كلتا الحالتين تسبب انتشار السلاح بإسقاط أعداد من الضحايا، تفوق بأضعاف ما يحصل عندنا، حتى بالمعنى النسبي، وليس الأرقام المطلقة، للظاهرة.
 
كاتب هذه السطور من أنصار قرار الحكومة جمع السلاح من بين أيدي المواطنين، وتقليص إجازته للضرورة القصوى، ودائماً هناك ضرورات تبيح المحظورات، ولا يجوز في مطلق الأحوال التوسع في الاستثناءات، التي عادة ما يطيح وجودوها، بمجمل المقاصد والمرامي الكامنة وراء التشريع ... لكن أنصار السلاح بأيدي الأردنيين، يثيرون حجتين اثنتين في معرض تبريرهم لمواقفهم:
 
الأول؛ أن هذا السلاح هو الذي حمى الأردن، لا أدري متى وكيف، وهم لا يتطوعون بالبوح علنا وبصورة واضحة عمّا يقصدون ... لم يسبق لهذا السلاح، أن كان طرفاً في معارك الدولة الداخلية أو الخارجية ... سمعنا أطروحات من نسج الخيال عن هذه المسألة، لم تؤكدها أو تكشف عنها أية صفحة من صفحات التاريخ.
هذا بالنسبة للماضي، أما بالنسبة للحاضر والمستقبل، فمن الخبل الظن، أن مواجهة صفقة القرن أو أي من تداعياتها يمكن أن تتم بهذا السلاح، أو حتى بالسلاح عموماً، بما فيه سلاح الشرعية، هذه معركة سياسية بامتياز، نخوضها بالعقل والحكمة وحماية الدولة والوحدة على حد سواء، نخوضها بالسياسة والدبلوماسية وتنويع الخيارات في علاقاتنا الدولية وتصليب الجبهة الداخلية إلى غير ما هنالك من عناوين سبق وأن أشرنا إليها في جملة مقالات سابقة.
 
الثاني؛ أن للأمر صلة بالموروث والتراث والعادات والتقاليد والمعايير المستقرة في وجدان الشعب ... هذا صحيح في مرحلة ما قبل الدولة، وربما في السنوات والعقود القليلة التي أعقبت قيامها، أمَا ونحن نقترب من الاحتفال بالمئوية الأولى للدولة الأردنية، فلا أظن أن هذه المقاربة يمكن الأخذ بها، شأنها في ذلك شأن العديد من العادات والقيم التي كانت سائدة في أزمنة غابرة، ولم تعد صالحة لزماننا وأيامنا، كالجلوة مثلاً، فهل آن أوان تطوير هذه العادات والتقاليد، أم أنه يتعين علينا الالتزام بها في كل زمان ومكان، كما لو كانت كتاباً منزلاً؟
 
"السلاح زينة الرجال"، عبارة قيلت وجرى تمجيدها في دول ومجتمعات الانقسام المذهبي والطائفي، أم في الدول والمجتمعات المتجانسة فلا قيمة لها ... هناك كانت سبباً ونتيجة لاندلاع حروب أهلية ... هنا، تحولت إلى تهديد لأمن الناس وحيواتهم وأرواحهم من دون جدوى أو نتيجة.
 
في دولة المؤسسات وسيادة القانون التي نتشدق بها جميعاً، في بلد الأمن والأمان الذي نتغنى به صبح مساء ... لا مكان سوى لسلاح واحد، سلاح الدولة، فهو الذي يحمي الدولة ويسيج حدودها ويصون دستورها، ويكفل سلامة الأفراد والجماعات والمؤسسات فيها... في بلد سيادة القانون، لا معنى للسلاح ولا مطرح لنظريات "أخذ الحق بالذراع"، وكل سلاح لا مبرر لحمله أو إجازته، هو سلاح خارج عن القانون بالضرورة، ولا أحسب أن موضوعاً كهذا يجدر به أن يكون منصة للمزايدات والمناقصات.