مقالات > > الأردن في استطلاع الـ "بي. بي. سي"

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-06-30
كتب عريب الرنتاوي

في مختتم العام 2018 ومفتتح العام الجاري، أجرت "بي. بي. سي" ما أسمته أكبر وأوسع استطلاع للرأي العام العربي، شمل عينة من 25 ألف مبحوث، في إحدى عشرة دولة عربية، من ضمنها الأردن، مستخدمة المنهجيات المعمول بها في إعداد العينة وتوزيعها والمقابلة المباشرة، وتطرقت لجملة عناوين من بينها: الدين، المرأة، جرائم الشرف والمثلية الجنسية، شعبية زعماء إقليميين ودوليين، مصادر التهديد والهجرة ووجهاتها المفضلة.
 
الحصيلة بالنسبة للأردن جاءت خليطاً من نتائج متوقعة وأخرى صادمة، ما يحيلنا إلى السؤال “الأزلي” حول صدقية الاستطلاعات وصوابية منهجياتها من جهة أو ذاك المتصل بمدى عمق معرفتنا بمجتمعنا من جهة ثانية، نحن الذين طالما افترضنا أننا نعرفه أتم المعرفة، وأن تقديراتنا بشأنه لا تخطئ، وإليكم عينة مما ورد من نتائج بخصوص الأردن.
 
"اللادينيون" الأردنيون، ارتفعت نسبتهم من قرابة 5 بالمائة في العام 2013، سنة الأساس والقياس للاستطلاع، إلى قرابة 7 بالمائة، وهذه النسبة تشكل نصف المعدل العربي العام تقريباً (8 بالمائة ارتفعت إلى 13 بالمائة خلال الفترة ذاتها)، وهي نسبة تزداد في أوساط الشباب دون 30 سنة، لتصل إلى 18 بالمائة بالمعدل العربي العام... هنا يمكنني التعليق، بأن ظهور حركات الإسلام السياسي المسلح والعنيف، في السنوات الأخيرة، فضلاً عن انتكاسة تجربة الإسلام السياسي في سنوات الربيع العربي، ربما تكون السبب وراء هذا التحول، الذي يظل أردنياً مع ذلك، من ضمن المعدلات الخفيضة نسبياً في المنطقة.
 
أكثر من نصف الأردنيين (حوالي 53 بالمائة وفقاً للرسوم التوضيحية الخالية من الأرقام) يؤمنون بقيادة المرأة للدولة (رئيسة حكومة في الحالة الأردن)، وهي نسبة تتماشى مع المعدل العربي العام عموماً، بيد أن نسبة أولئك الذين يؤمنون بقدرة المرأة وحقها في اتخاذ القرارات الحاسمة فيما خص شؤون أسرتها، هي أقل عربياً... أما أردنياً فلا فارق مهماً بين النسبتين، وهذه نقطة تسجل لصالح الأردنيين قياساً بإخوانهم العرب... هنا يمكنني التعليق بأن العمل بنظام الكوتا في المجالس النيابية والبلدية واللامركزية في السنوات العشر أو العشرين الفائتة، كان له أثر في تغيير "المزاج العام" في الأردن، وهذه النتيجة تنسجم مع نتائج استطلاعات محلية حول نظرة المجتمع لأداء النساء المنتخبات في تلك المجالس، كما يجدر التنويه بدور "كوكبة الناشطات" والمناضلات النسويات في الأردن في السنوات الأخيرة، والتي تميزت بجرأة وثقافة عاليتين في التصدي لقضايا المرأة والذود عن حقوقها.
 
نسبة الذين يؤيدون "القتل بدواعي الشرف" في الأردن ما زالت مرتفعة (21 بالمائة) إذ يأتي ثالثاُ بعد الجزائر والمغرب... المجتمع ما زال أقل تسامحاً في هذا المضمار، و"القتل على الشبهة" أو لأغراض عديدة في نفس يعقوب ما زال قائماً ... مقابل ذلك، يبدو المجتمع الأردني أشد رفضاً للمثلية الجنسية من بعض المجتمعات العربية، وهذه النتيجة تنسجم مع نتائج الاستطلاع في بند "التديّن".
 
الرقم الصادم من وجهة نظر كاتب هذه السطور، هو ذاك المتصل بمصادر "التهديد" التي يتعرض الأردن، سيما في هذه المرحلة التي يتزايد فيها الحديث عن "صفقة القرن" و"ضم القدس" و"نقل السفارة الأمريكية إليها" ... 42 بالمائة فقط من الأردنيين يعتبرون إسرائيل مصدر تهديد، مقابل 12 بالمائة يرونه في الولايات المتحدة، 11 بالمائة إيران، أقل من 5 بالمائة السعودية ... هذه الأرقام تستوقفني حقاً، ولا أجد لها تفسيراً.
 
أردوغان يتربع على عرش "الشعبية" عند الأردنيين، وبنسبة 72 بالمائة، مقابل 15 بالمائة تقريباً لبوتين وأقل من 10 بالمائة لترامب ... هذه الأرقام لا تثير استغرابنا، فالزعيم التركي يحظى بتأييد قطاعات واسعة من الأردنيين، وليس الإسلاميين وحدهم، بعضهم لأسباب تتصل بالخطاب السياسي (الشعبوي غالباً) للرئيس وبعضهم الآخر للنهضة الاقتصادية التي حققها حزب العدالة والتنمية، من دون أن نغفل أثر السياحة الأردنية المتعاظمة والرخيصة نسبياً لتركيا، ودور الدراما التركية في تشكيل اتجاهات الرأي العام.
 
أما الأرقام حول رغبة الأردنيين بالهجرة من البلاد، فتبدو صادمة تماماً، مع أنها لا تبتعد كثيراً عن نتائج استطلاعات محلية مماثلة ... 43 بالمائة من الأردنيين يرغبون بالهجرة، ثلثهم إلى أوروبا و40 بالمائة منهم إلى أمريكا الشمالية، و16 بالمائة لدول الخليج ... الأردن يتحول إلى بلد طارد لسكانه خصوصاً فئة الشباب في ظل الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية الممتدة، ودول الخليج لم تعد الوجهة المفضلة للأردنيين الراغبين بالهجرة، لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية كذلك ... أرقام مفزعة يتعين على الدولة بمؤسساتها المختلفة، إمعان النظر في مغزاها ودلالاتها.