مقالات > > وقفة مع "الوثيقة السياسية" للحركة الإسلامية

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-06-27
كتب عريب الرنتاوي

أصدرت "الحركة الإسلامية في الأردن" وثيقتها السياسية بعد طول انتظار و"تبشير" ... الوثيقة جاءت مختصرة، وأقرب ما تكون إلى "قاموس المعاني" ... توزعت على ستة فصول إلى جانب المقدمة في 22 صفحة ... بدأت بالدوافع والمنطلقات، وعرجت على تعريف المصلحة الوطنية العليا وعرض الأهداف السياسية العامة، وتوسعت في تفصيل المبادئ والتوجهات السياسية العامة، قبل أن تتختم بفصل العلاقات السياسية.
 
لن تدخل هذه المقالة في حوار "مفاهيمي" حول ما جاء في الوثيقة، سنعود لذلك في مقالات لاحقة، فالوثيقة والجهة التي أصدرتها، تستحقان الاهتمام والتفاعل، وسنكتفي هنا بالتركيز على جملة من الملاحظات العمومية فقط، من أهمها:
 
أولاً؛ الوثيقة بمجملها، استبطنت روحاً تصالحية سواء مع الدولة والنظام السياسي أو مع بقية التيارات السياسية والفكرية الأردنية، وهذا أمرٌ يسجل للوثيقة والحركة على حد سواء، تتويجاً لسلسلة من المواقف الانفتاحية التي صدرت عن الحركة مؤخراً.
 
ثانياً؛ لكن الوثيقة كما ورد فيها، سعت في توفير إطار فكري – سياسي متوافق عليه داخل الحركة الإسلامية، التي عانت وما تزال تعاني من انشقاقات سياسية وفكرية، وتباين في القراءات والاجتهادات والأولويات، وذلك أمرٌ مشروع في كل حركة جماهيرية، فالفكرة لا تقابل إلا بالفكرة، وليس بالإجراء الإداري أو التنظيمي التأديبي في الغالب الأعم، ولقد عانت الحركة طوال السنوات الماضية، من عمليات تشقق ونزيف، أضعفتها إذ أفقدتها كفاءات وكوادر وقيادات وازنة.
 
ثالثاً: نتساءل عن "سر التسمية"، الحركة الإسلامية في الأردن، ومن بابين: الباب الأول؛ هل تتخيل الجماعة وحزبها وكتلتها البرلمانية، أنها تختزل حركات الإسلام السياسي في صفوفها؟ ... ماذا عن الحركات الإسلامية أو ذات المرجعية الإسلامية الأخرى في البلد؟ تلكم إشكالية بحاجة لبعض التواضع ... والباب الثاني؛ لماذا "في الأردن" وليس "الأردنية"، طالما أن الحركة قدمت نفسها بوصفها حركة وطنية الانتماء، عربية العمق، إسلامية الهوية والمرجعية؟
 
رابعاً: في الحديث عن الحركة الإسلامية في الأردن، بما هي حزب وجماعة وكتلة، نجد إصراراً غير موفق، على رفض التمييز بين ما هو سياسي ودعوي واجتماعي وتربوي، وهي الأعمدة الأربعة التي نهضت عليها جماعة الإخوان المسلمين في عملها ومدّ نفوذها تاريخياً ... كنّا ننتظر موقفاً أكثر تقدماً، بفصل السياسي عن الدعوي، فكرياً ومعرفياً وتنظيمياً، ومن حق المواطن والمسؤول والنشطاء، التساؤل عن الخطوط الفاصلة، والمسافة التي تميز كل فريق من الأفرقاء الثالثة عن الآخر، وترسم حدود اختصاصه وصلاحيته، سيما بعد التطورات "النوعية" التي طرأت في السنوات القليلة الفائتة، وأهمها إباحة عمل الحزب وحظر الجماعة.
 
خامساً: في باب الأهداف السياسية، تحدثت الوثيقة عن "نشر الفكرة الإسلامية، وتعميق الوعي الفكري والسياسي، وصولاً إلى استئناف الحياة الإسلامية" ... والحقيقة أنني أجد صعوبة في فهم الشطر الأخير من هذه الجملة الطويلة نسبياً، فاستئناف الحياة الإسلامية تحيل إلى مرجعيات تفترض "جاهلية" الدولة والمجتمع، فهل الحياة الإسلامية "منقطعة" في الأردن؟ ... وكيف يمكن استئنافها، وما هي معايير الحكم على "إسلامية" أو "لا إسلامية" الحياة في بلادنا؟ ... أحسب أن هذه الجملة على وجه الخصوص، كانت المقدمة الضرورية لولادة وانبعاث مختلف حركات التطرف والغلو والإرهاب، التي تحدثت عنها الوثيقة ذاتها، وبكثير أو قليل من الإدانة والتنديد، ويسجل للوثيقة أنها من المرات النادرة التي يجري فيه استخدام مصطلح "الإرهاب" بعد أن ظل موقف الحركة الإسلامية منه ملتبساً إلى حد كبير... ولنا عودة لبحث في عمق المفاهيم التي عرضتها الوثيقة الهامة، وإلى أن يحدث ذلك، أدعو الأحزاب والمثقفين والمفكرين، سيما من ذوي المرجعيات والهويات الإسلامية، الدخول في حوار عميق مع الوثيقة، بعيداً عن المناكفات وتصفية الحسابات.