مقالات > > عن الجامعة والاتحاد

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-06-21
كتب عريب الرنتاوي

تنفي الجامعة العربية أنها في "سباق" مع الاتحاد الأفريقي للعب دور "الوسيط" في الأزمة السودانية، بل وتجدد دعمها لمبادرة الاتحاد التي مثلها رئيس وزراء أثيوبيا المسلم المنتخب: آبي أحمد ... لكن الجامعة لم تكلف نفسها عناء الإجابة على سؤال حول غيابها وغيبتها عن الملف السوداني المتفجر، مع أن السودان، عضو فاعل في جامعة الدول العربية.
 
أخذت الجامعة في بدايات الأزمة مسافة غير متماثلة من الأطراف السودانية، كان واضحاً أنها تدعم البشير وبقائه في الحكم ... لكنها لم تتردد في اتخاذ الموقف الداعم للمجلس العسكري، وإن بعبارات مبطنة بكثير من المناشدات الداعية لضبط النفس والحفاظ على السلم والاستقرار والمؤسسات، إلى غير ما هناك من مواقف اعتبرها السودانيون تصب القمح صافياً في طاحنة البرهان – حميدتي.
 
الجامعة لم تكن تصدر في مواقفها وسلوكها عن إجماع عربي، أو توافق عربي، كدأبها دوماً وفي مختلف الأزمات، الجامعة مثلت مواقف بعض الدول النافذة في المجموعة العربية، حفنة قليلة من الدول لا يصل عددها إلى عدد أصابع اليد الواحدة، دول مضيفة وممولة بالأساس ... وصادف أن هذه الدول، كانت تتمتع بعرى وثيقة مع عمر حسن البشير، قبل أن تكثف دعمها للجنرالين: البرهان وحميدتي، وتأخذ مواقف داعمة لمحاولات الدولة السودانية العميقة تفريغ الثورة السودانية من مضامينها، والالتفاف حول مطالبها وتطلعاتها، وقطع الطريق على محاولات بناء سودان ديمقراطي – تعددي – حر ومستقل.مقابل هذه الأداء الرديء والمتباطئ والملتبس للجامعة وأمينها العام، كان أداء الاتحاد الأفريقي نشطاً ومتميزاً، ومنحازا لصالح الشعب السوداني وأشواقه وتطلعاته ... الاتحاد طالب العسكر بتسليم السلطة لحكومة مدنية، على أن يتم ذلك في غضون أسابيع قليلة، نجحت رئاسة الاتحاد المصرية في تمديدها إلى أشهر قلائل ... والاتحاد في عرضه للوساطة، وآبي أحمد في مبادرته، وضعا في صدارة أولوياتهما، تسليم السلطة لحكومة مدنية، توطئة لبناء التوافقات وإجراء الانتخابات والانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية.
 
هذه المهام التي استبطنتها المبادرة الأثيوبية، ليست موجود في قاموس الجامعة العربية ولا في مفردات أمينها العام ... هذا النمط من التفكير ليس مألوفاً في جامعة "الجنرالات" و"السلالات"، التي منحت أنظمة "التجديد والتمديد والتوريث" غطاء شرعيتها ودعمها ... وليس غريباً والحالة كهذه، أن ينجح الاتحاد وتخفق الجامعة، مع أنها الأقدم من بين جميع المنظمات الإقليمية الدولية.
 
ولهذا السبب بالذات، تابع العالم باهتمام زيارة آبي أحمد للخرطوم، وتابعتها مختلف الأوساط السودانية بشغف واهتمام ... في حين لم تلق زيارة أحمد أبو الغيط، أي اهتمام يذكر، لكأنها لم تحدث ... الوساطة الأثيوبية – الأفريقية يمكن أن تحدث فارقاً في مسارات الأزمة السودانية ومآلاتها، أما "وساطة الجامعة" إن جاز القول بأن هناك وساطة أصلاً، فلن تقدم ولن تؤخر، وستمثل غطاء لمختلف أشكال التدخل الضارة التي تقوم أطراف عربية لدعم هذا الفريق السوداني على حساب ذاك الفريق.
 
قبل الربيع العربي، كان يؤخذ على الجامعة أنها "جامعة دول وحكومات" وليست جامعة شعوب عربية، أما بعد الربيع فقد صارت جامعة "محور عربي" واحد، في مواجهة مختلف المحاور ... قبل الربيع لم تنجح الجامعة في تأمين الحل لأي مشكلة عربية بينية، بعد الربيع العربي، باتت الجامعة ذاتها، جزءاً من المشكلة وليست جزءاً من الحل.
قبل الربيع العربي، كنّا نعتقد أن بقاء الجامعة "على عجرها وبجرها" أفضل من اندثارها ... بعد الربيع العربي، صرنا نؤمن بأن رحيل هذه المؤسسة الهرمة والشائخة (الدمية والمطيّة) بات متطلباً ضرورياً لانبعاث الجديد، والجديد ليس بالضرورة إطار جامعاً لاثنتين وعشرين دولة، الجديد يمكن أن يكون ائتلافات وتحالفات عربية، تتسع وتضيع، وتأخذ صيغاً وأشكال شتى، قد تنتهي بعد زمن إلى بناء منظومة إقليمية – عربية أكثر فاعلية من الجامعة الأم، التي ماتت وتنتظر شهادة دفنها.