مقالات > > قراءتان للمشاركة في "ورشة المنامة"

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-06-16
كتب عريب الرنتاوي

أن يردّ البعض منّا مشاركة الأردن – المرجحة – في ورشة المنامة إلى سياسة تسعى في درء الصدام مع أهم حلفاء الأردن على الساحتين الدولية والإقليمية، فهذا مفهوم، مع أنه ليس سبباً كافياً من وجهة نظر كاتب السطور ... والأرجح أن مؤسسة صنع القرار، وهي تفاضل بين خياري المشاركة والمقاطعة، ستأخذ بنظر الاعتبار علاقات الأردن مع الولايات المتحدة وبكل من السعودية والإمارات، مع أننا حتى لحظة كتابة هذه السطور، ما زلنا لا ندري كيف سيكون القرار، وعلى أي مستوى ستكون المشاركة.
 
لكن أن يحشد البعض الآخر منّا، سيلاً من الحجج والذرائع مبرراً قرار المشاركة وداعياً له، باعتبار أن في ذلك معالجة كلية أو جزئية لمشكلاتنا الاقتصادية والمالية الضاغطة، فإنه بذلك، بقصد أو بدون قصد، يسوّق لأسوأ مقايضة يمكن أن تعرض علينا: الحقوق، بما هي أمن واستقرار وسلم اجتماعي وهوية وطنية، مقابل "حفنة من الدولارات" ... هذه المقاربة خطيرة للغاية، وتتساوق تماماً مع مقتضيات صفقة القرن ومندرجاتها.
 
المستوى الرسمي الأردني، كما عرفت واستمعت لشرحٍ من بعض أركانه، ينطلق من المقاربة الأولى: درء مخاطر اشتباك غير متكافئ مع الحلفاء، وفي أسوأ توقيت... موقف محكوم بفلسفة تقليص الخسائر وليس تعظيم المكاسب ... المقاربة الثانية، نجدها في تعليقات وكتابات متناثر، أقلوية على أية حال، ترى إلى ورشة المنامة، بوصفها مدخلاً للإعفاء من الديون أو إعادة جدولتها وشرائها، ومقدمة لحلول جذرية لأزماتنا الاقتصادية والمالية الطاحنة.
 
بهذا المعنى، قد يتفهم المرء مقاربة الحكم وأسبابها الموجبة، وإن على مضض، لكن ما لا يمكن القبول به أو ابتلاعه، هو المقاربة الثانية، فهل يخفى عن المتحمسين لورشة المنامة، أن الثمار المرجوّة من المنامة، إن كانت هناك ثمار بالأصل، لها أثمان باهظة من كيس الأردن والأردنيين، من حاضرهم ومستقبلهم، من أمنهم واستقرارهم وسلمهم الاجتماعي وهويتهم الوطنية؟ ... هل فكّر هؤلاء بما سيتبقى لنا من "لاءاتنا الثلاث" إن نحن دخلنا في "مزاد المنامة"، وتقدمنا بلائحة مطالب ومشاريع؟ ... إن كانوا على استعداد لدفع الثمن، أو يقترحون علينا فعل ذلك، فليقولوا لنا ذلك صراحة ... ليعرضوا علينا ما الذي سيقبلونه وما الذي سيرفضونه مقابل وعود الرخاء والازدهار التي سيجري إطلاقها في المنامة ... لا يجوز الاختباء خلف عموميات لا تقدم ولا تؤخر، ولا يجوز التستر بوابل كثيف من المواعظ والنصائح المتدثرة بلبوس الواقعية والمصلحة العليا ... عليهم أن يجيبونا على أسئلة محددة، منها على سبيل المثال لا الحصر:
هل هم مستعدون لتحمل تبعات التفريط بحق عودة اللاجئين، بالضد من فلسفة مؤتمر أريحا ومقرراته؟ ... هل هم موافقون على توطين الفلسطينيين من غير حملة الجنسية الأردنية وتجنيسهم، بصرف النظر عن أعدادهم، وهم في الحد الأدنى 700 ألف، وفي الحد الأقصى ضعف هذا الرقم؟ ... هل هم موافقون على تحويل الوصاية الهاشمية على المقدسات إلى "ضرب من الطقوس" التي تمارس تحت راية إسرائيل وفي ظلال سيادتها الاحتلالية؟ ... هل هم جاهزون لصيغ مستقبلية من نوع فيدرالية أو كونفدرالية، أو ما شاكلهما؟ ... قد يغدق علينا القوم في المنامة، وقد لا يغدقون، لكن الشروع في تقديم "لوائح المطالب المالية والاقتصادية" لا يعني شيئاً سوى إبداء الاستعداد للقبول بكل ما سبق ذكره، فهل هذا ما يريدونه، وما يقبلون به للأردن والأردنيين، دع عنك فلسطين والفلسطينيين.
 
الدولة الأردنية كما فهمنا من أرفع مستويات القيادية ليست بهذا الوراد، وهي تصوغ موقفها النهائي من المنامة، وفقاً لقاعدة أقل الخيارات سوءاً، ونأمل أن تتمكن من الصمود والثبات على مواقفها ومقارباتها... وفي قرارة نفسها، تتمنى لو أن المؤتمر يفشل، أو يلغى أو يؤجل إلى إشعار آخر ... لكن البعض منّا للأسف، لا تعنيه كل أسئلتنا السابقة، وينظر للمسألة برمتها، بعقلية "البقال الصغير"، الذي يحرص على حصر "غلّته" اليوم، دون التفكير بغدٍ أو بعد غدٍ.