مقالات > > من مفارقات "الزمن العربي الرديء"

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-05-30
كتب عريب الرنتاوي

الحلقات الأضعف في السلسلة العربية، هي وحدها من قال "لا" مدوية، في مواجهة "صفقة القرن" وتمثلاتها الاقتصادية في "مؤتمر المنامة"، فيما الحلقات الأكبر والأصعب، تراوح ما بين "التساوق" مع شروط الصفقة ومتطلباتها أو تلوذ بـ "صمت القبور" ... تلكم واحدة من مفارقات "الزمن العربي الرديء".
 
لا شك أن السلطة الفلسطينية، ومن دون نقاش، هي أضعف حلقات السلسلة العربية، فهي ترزح تحت نير الاحتلال، ومناطقها مستباحة أمام قوات الجيش وأجهزة الأمن وقطعان المستوطنين، سلطة لا سلطة لها، تحت جلد الاحتلال وفي مرمى أنيابه ومخالبه، ومواردها المالية والاقتصادية تمر حكماً بالقنوات الإسرائيلية ودهاليز اتفاق باريس... ومع ذلك، وصفت الصفقة بالصفعة، ودعت لرميها في الجحيم.
 
لبنان الصغير، مساحة وسكاناً، لم يكن أقل جرأة من الفلسطينيين في رفض الصفقة وتداعياتها، ومن دون عناء وتردد، قرر مقاطعة مؤتمر المنامة ... وهو يخوض حرباً ضد التوطين، وكان له الفضل في تضمين مبادرة السلام العربية بنداً حول اللاجئين ... "لاءات" لبنان تمردت على ضغوط حلفاء عرب ودوليين، وظل صوتها عالياً ومدوياً.
 
الأردن في الحسابات العربية، أكبر حضوراً من لبنان والسلطة، لكنه لا يعد من "مراكز صنع القرار العربي الوازنة"، سيما في الحقبة الخليجية من العمل العربي المشترك ... لكن الأردن، المخنوق بضائقته الاقتصادية، المحاصر بحلفائه وشركائه الاستراتيجيين، أشهر "لاءات ثلاث"، ضد التوطين والوطن البديل وأسرلة القدس، وخاض معركة الاونروا في مواجهة مع "القرن" الأمريكي، وهو اليوم يستبق مؤتمر البحرين بإطلاق مواقف قوية، ترفض وضع العربة أمام الحصان، وتعطي الحل السياسي مكانة سابقة للحلول الاقتصادية، ولا ينفك يذكر بمعايير هذا الحل، وهو الدولة المستقلة وخطوط الرابع من حزيران والعاصمة القدس الشرقية، وحل عادل لمشكلة اللاجئين وفقاً لمبادرة بيروت والقرار 194 ... بيان الخارجية الأردنية بالأمس، حمل كل هذه المعاني، في تشديد على نقاط الخلاف مع "الصفقة" وتمثلاتها الاقتصادية في البحرين، بصرف النظر عن الكيفية التي سيأتي عليها القرار الأخير بشأن المشاركة في المؤتمر او مقاطعته.
 
خارج هذه الدول الثلاث، تبدو الأصوات ضعيفة وخافتة، حتى لا نقول متواطئة وداعمة لخطط ترامب وصهره "الفتى الغرّ" جارد كوشنير ... الحلقات الأصغر والأضعف في السلسلة العربية، ولأسباب شتى، هي التي تمسك اليوم بجمر المواقف وتقف عند "الحد الأدنى" للتوافقات العربية، وتتبنى الحق الفلسطيني، كما عرّفه الفلسطينيون أنفسهم، وليس كما أعيدت صياغته على أيدي "الترويكا المتصهينة" التي تتولى الإشراف على صياغة وترويج "لعنة القرن".
 
لا بأس إذاً ... قد لا يكون بمقدور هذه الأطراف، أن تحدث انعطافة كبرى في مسار التطورات العربية والإقليمية، أو أن تعيد صياغة وتصليب الموقف العربي المشترك ... لكن الأهم، أنها قادرة على منع تمرير الصفقة، وإلحاق الهزيمة بمراميها ... فعن أية صفقة يتحدثون طالما أن الأطراف المعنية بملفاتها الأساسية، أصحاب القضية وجيرانهم، لا يريدونها ولا يتساوقون مع أهدافها ومراميها، بل ويرون فيها، تهديداً لمصالحهم وأمنهم واستقرارهم وتوازناتهم الديموغرافية وهوياتهم الوطنية ... لماذا يجمعون الأموال، طالما أن متلقيها المفترضين، لا يريدونها، ولا يقبلون بمقايضة هذه المصالح والحقوق، بالدولارات المزعومة والموهومة، ونقول مزعومة لأنه من غير المؤكد أنهم سيستطيعون جمعها، وموهومة لأن خبرة هذه الدول المتراكمة، دللت على أن ما يجري التعهد به شيء، وما يجري الوفاء به شيء آخر