مقالات > > مرة ثالثة عن "مؤتمر المنامة"

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-05-28
كتب عريب الرنتاوي

لا بأس في التأني والتريث قبل الكشف عن الموقف الرسمي الأردني النهائي من المشاركة (أو عدمها) في مؤتمر المنامة الذي دعت له واشنطن توطئة لصفقة القرن ... ولا بأس في أخذ الوقت كافياً، قبل تقرير مستوى المشاركة وطبيعتها ووظيفتها، في حال جنحت مؤسسات صنع القرار لتغليب خيار المشاركة على المقاطعة ... كل هذا لا بأس به، وهو "تكتيك" مفهوم، ولطالما لجأت إليه دول وحكومات عديدة.
 
ومن غير المنصف أبداً، التقليل من شأن المحاذير والضغوط التي تجابه صانع القرار في الدولة الأردنية، فالمقاطعة، لها ما بعدها، سيما حين يختص الأمر بالعلاقة مع "شريك استراتيجي" بحجم الولايات المتحدة، أو بالمخاوف من تفاقم حالة "الانكشاف" الإقليمي، سيما في ضوء قرار حليفين إقليميين استراتيجيين للأردن بالمشاركة في المؤتمر: السعودية والامارات ... كل هذا وارد، ويجب أن يؤخذ في الحسبان، ويستدعي أعلى درجات الذكاء في التعامل مع هذا المنعطف.
 
لكن في المقابل، علينا أن نُبقي بعض الحقائق ماثلة نصب أعيننا ونحن نضع قرار المشاركة والمقاطعة في كفتي ميزان المصلحة العليا، وأحسب أنها لا تغيب عن عقل الدولة الأردنية، الذي أخاطبه اليوم، من دون التفات لبعض الاطروحات المتهافتة التي راجت مؤخراً، وبعضها يصدر عن جهل أو معرفة سطحية وبعضها الثاني عن "شعبوية" مرتجلة، وبعضها الثالث عن "جماعات الضغط" المعروفة بصلاتها وارتباطاتها ببعض عواصم الإقليم:
 
أولى هذا الحقائق: أن هذا المؤتمر ليس كغيره من المؤتمرات وورش العمل التي تبحث في التنمية الإقليمية أو دعم مسار السلام والحلول التفاوضية ... هذا المؤتمر حلقة أولى رئيسة في مبادرة "صفقة القرن"، وهو يُقرأ مع الشق السياسي لهذه الصفقة، كـ "رزمة واحدة"، ومن الخطل التفكير بأننا يمكن أن نشارك في الشق الاقتصادي ونقاطع أو نرفض الشق السياسي من "الرزمة" ذاتها ... هنا، ينطوي الأمر على كثير من "التذاكي" الذي لن يشفع لأصحابه إن "وقعت الفأس في الرأس" لا سمح الله.
 
ثانية هذه الحقائق: أن المبالغ التي سيجري العمل على جمعها، والمشاريع "العملاقة" التي سيجري التداول بها، مدروسة بعناية، بحيث تعوض كل من طرف من الأطراف عمّا يتعين عليه التنازل عنه، في عملية "مقايضة متعددة الأطراف"، المستفيد الأوحد منها هو إسرائيل، وإسرائيل وحدها ... المبالغ التي ستنفق في الضفة وغزة، والمشاريع التي ستقام فيهما، هي ثمن قبول الفلسطينيين أو صمتهم حيال "تسرّب" حقوقهم الوطنية الثابتة والأساسية، في العودة وتقرير المصير والاستقلال الوطني والقدس الشرقية ... والمبالغ التي سترصد للأردن، هي ثمن قبوله بحمل العبء الأكبر من ملف اللجوء الفلسطيني، وفي معلومات مركز الإحصاء الفلسطيني (الرسمي) أن عدد الفلسطينيين في الأردن يصل إلى 4.4 مليون فلسطيني، لا يجري التمييز بين من يحملون منهم الجنسية الأردنية، ومن لا يحملونها، وإن كنت أظن أن النسبة هي: ثلثين يحملون الجنسية وثلث لا يحملها ... الأموال التي يدعونا البعض لعدم إهدار فرصة الحصول عليها، وهي قد تكون مبالغ مجزية، هي بالضبط كلفة إغلاق هذا الملف والتعاطي بـ"واقعية" مع ملف القدس والمقدسات والرعاية ... والمبالغ التي ستدفع للبنان، تندرج في هذا السياق، وإن كان الملف الفلسطيني هناك، أقل ثقلاً بما لا يقاس، إذ لا تصل أعداد من تبقى من الفلسطينيين هناك المائتي ألف لاجئ على أكبر تقدير ... أما مصر، فمطوب منها تأمين بنى تحتية تستوعب فائض العمالة والسكان في القطاع، وتضع حداً لمعاناه الاقتصادية والإنسانية، من مثل مدن صناعية كبرى، مطار وميناء وغير ذلك مما جرى ويجري البوح عنه والكشف عن بعض تفاصيله.
 
ثالثة هذه الحقائق: أن الأرقام التي تتطاير بشأن كلفة تمويل صفقة القرن، سيمتد إنفاقها على مدى سنوات طويلة قادمة، أقله عشر سنوات ... وعلينا أن نجري إحصاءً دقيقاً لنسب ومعدلات الوفاء بالالتزامات المالية المقطوعة في عشرات المؤتمرات الدولية والإقليمية والتي التأمت تحت عناوين مماثلة أو شبيهة ... علينا أن ندرس بحذر سيناريو "تركنا وترك الفلسطينيين في منتصف الطريق أو حتى ربعه"، ألم يحصل عشرات المرات؟ ... لا يتعين أن تغرينا الأرقام النهائية والكلية، علينا أن نتذكر دائماً أن نسبة ما سنحصل عليه منها، قد تكون أقل من النصف أو الثالث ... هذه خلاصة التجربة الواقعية لأمر كهذا.
 
رابعة هذه الحقائق: "لا وجبات مجانية" في مؤتمر المنامة ... أنت لا تستطيع الحصول على ثمن البضاعة دون تقديمها ... "الدفع على قدر الرفع"، والرفع هنا، يعني رفع الخطوط الحمراء عن الحقوق والثوابت واللاءات، فلسطينية كانت أم أردنية وعربية... وهذا يجعل مؤتمر المنامة، أبعد ما يكون عن تجربة "سوق عكاظ" القديمة ... ليست "المنامة" منصة لإلقاء الخطابات السياسية الرنانة ... قد يكون مسموحاً فوق الطاولة لأي كان قول ما يشاء، لكن حين يبدأ البحث الجدي، خلف الأبواب المغلقة، فسنكون أمام "غرفة مقاصة" لا "غرفة مفاوضات سياسية".
 
خامسة هذه الحقائق: "المنامة" ليست قدراً محتوماً ... العالم بأسره، غير متحمس لهذا المؤتمر، هناك حفنة من الدول، لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة، هي المتحمسة له، ولأسباب شتى، إسرائيل في مقدمتها، إذ ستشهد على لحظة تاريخية لم تحلم بها من قبل: كيف سيتبرع العرب لـ"شرعنة" صفقة وتمويلها، تحفظ لها القدس ومساحات واسعة من الضفة وتدفن في دهاليزه قضية اللاجئين وحقهم في العودة ... لم تحلم إسرائيل في تاريخها بحصول أمر كهذا ... أما بقية المتحمسين، فهواجسهم الإيرانية تفوق بكثير حساباتنا المتعلقة بقضية العرب المركزية الأولى، و"نظرية الأمن الوطني الأردني".
 
فرص فشل المؤتمر لا تقل عن فرص نجاحه، لا أوروبا متحمسة له ولا الصين وروسيا، ولا معظم الدول العربية ... دعونا نستغل هذا الحذر العالمي من نظرية "السلام الاقتصادي" لننشط في الترويج للحل القائم على الشرعية الدولية والمرجعيات المعروفة... ولعل التاريخ يسجل مفارقته الكبرى الجديدة: البعد الاقتصادي الذي قال كوشنير أنه الأهم في صفقة القرن، ربما يكون مقلتها "وكعب أخيلها"، سيما إن احجمت دول وازنة عن ملاقاة أرقام "الصهر المدلل" و"فواتيره".