مقالات > > مرة أخرى عن "مؤتمر المنامة"

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-05-25
كتب عريب الرنتاوي

لم يكن العرب، الأثرياء منهم على نحو خاص، بحاجة لدعوة من جارد كوشنير للمبادرة لدعم الاقتصاد الفلسطيني وتحسين الأحوال المعيشية للفلسطينيين ... كان بمقدورهم أن يملأوا صناديق "دعم المقدسيين" و"تعزيز الصمود والازدهار" بملايين الدولارات، دونما حاجة لتكلف عناء السفر إلى المنامة ... كان بمقدورهم فقط، أن يفوا بتعهداتهم والتزاماتهم التي قطعوها على أنفسهم في قمم عربية متعاقبة، لا أكثر ... لكنهم لم يفعلوا ذلك من قبل، وربما لن يفعلوه من بعد، إلا بضوء أخضر أمريكي، وفي سياق الاستراتيجية الأمريكية للشرق الأوسط وليس من خارجها.
 
لماذا يظهر العرب، كل هذا "البخل" و"التقشف" حين يتعلق الأمر بتعزيز صمود الفلسطينيين فوق أرضهم ... لماذا يظهرون كل هذا التردد في إنقاذ السلطة والمنظمة من أزمتهما المالية ... وفي المقابل، لماذا يظهرون كل هذا السخاء، حين يتعلق الأمر بمشروع أمريكي، يحل الاقتصاد محل السياسة، ويسعى في مقايضة حقوق الفلسطينيين بالدولارات.
 
العرب الذين رحبوا بمؤتمر المنامة الاقتصادي، رعاية واستضافة ومشاركة وتمويلاً، يسعون في تبرير مواقفهم بمزاعم عن "دعم صمود الأشقاء" وتبديد معاناتهم، وإنعاش اقتصادهم ورفاههم ... وهي ذريعة لم تنطل على أحد، وبالذات على أصحاب الأرض وأهل القضية ... هؤلاء يعرفون ما ينتظرنهم ... يعرفون أن هذه الأموال، هي الثمن "مسبق الدفع" لحقوقهم في أرضهم وعاصمتهم وسيادتهم واستقلالهم وحريتهم وكرامتهم ... هؤلاء يرون الكرامة ليس في رغد العيش فقط، إن افترضنا أنه سيكون هناك عيش رغيد للفلسطينيين، هم يرونها في حريتهم واستقلالهم وانعتاقهم من رجس الاحتلال وعربدة المستوطنين ... لا أحد يرفض الرفاه والازدهار، لكن أحداً ما زال قلبه ينبض بالتوق للحرية والتحرر، سيرفض حتماً مقايضة حقه الإنساني الأساسي في دولة مستقلة، ببحبوحة من العيش، هذه هي المعادلة باختصار، وهذا ما يسعى البعض لإخفائه تحت وابل من "الرطانة" حول الازدهار.
 
في الشكل، هم يستثمرون في "ازدهار" الفلسطينيين، وفي المضمون هم يمولون صفقة القرن، المصممة من ألفها إلى يائها، بما يرضي اليمين الإسرائيلي المتطرف، وينسجم مع أحلامه التوسعية ونبوءاته التوراتية ... في الشكل، فإن المال سيدفع لفلسطين، وفي المضمون فإنه يدفع لتمويل الحشود التي تحاصر إيران وتطوقها من أرجائها الأربع ... في الشكل، هم يسدون خدمة لشعب شقيق، وفي المضمون، هم يمولون حرباً على شعب صديق ... هذه هي المعادلة، بلا روتوش ولا "تزويق" إعلامي.
 
من يرفض صفقة القرن، ويرى فيها حلاً تصفوياً للقضية الفلسطينية ... من يرفض ضم القدس وتهوديها وأسرلتها ... من يرفض الحلول المُؤسسة على حل القضية الفلسطينية خارج فلسطين وعلى حسابها وحساب دول الجوار ... عليه أن يرفض مؤتمر المنامة بمراميه وأهدافه ... من يرفض الشق السياسي للصفقة القائم على ضم القدس والجولان ومناطق واسعة من الضفة الغربية وتصفية قضية اللاجئين، عليه أن يرفض الشق الاقتصادي منها ... فأنت لا يمكنك أن تكون ضد الصفقة من جهة، وشريكاً في تمهيد الطرق أمامها من جهة ثانية ... لا عذر لأحد في هذا المقام، فالحكاية واضحة كعين الشمس في رابعة النهار.
 
يجد البعض في الضائقة الاقتصادية التي تعتصر الأردن وفلسطين سواء بسواء، مبرراً كافياً للترويج لخيار الالتحاق بـ"ركب المنامة" ... بل ويعتبر البعض منّا، أن "المنامة" توفر فرصة تاريخية لكلا الجانبين للخروج من عنق الزجاجة ... وعلى الرغم من ادعاء هؤلاء بأن المشاركة لا تمس ثوابت المواقف الرافضة لصفقة القرن، ولا تشترط التخلي عنها ... إلا أن ما فاتهم أن المشاركة في "مؤتمر المنامة" بحد ذاتها، تعني أمرين اثنين: الأول، وهو الرضوخ لأهداف الضغوط الاقتصادية ومراميها بتليين مواقف الجانبين من الصفقة المشبوهة، والتي طالما قلنا وتعهدنا بأننا لن نرضخ لها... والثاني، وهو الدخول في نفق الصفقة وسياقاتها، بوصفه طريقاً ذا اتجاه واحد، لا رجعة عنه، وسيفضي حتماً إلى إنجاز مرامي الصفقة وأهدافها، بقبولنا ومصادقتنا.