مقالات > > عربة الاقتصاد ... حصان السياسة

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-05-24
كتب عريب الرنتاوي

ليس ثمة من تجسيد حيّ للمثل القائل: "وضع العربة قبل الحصان"، من مؤتمر المنامة الاقتصادي الذي سيلتئم في الثالث والعشرين من حزيران المقبل، تحت شعار "من السلام إلى الازدهار"ـ... فالسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين لم يتحقق بعد، ليُصار إلى الحديث عن الازدهار ... وإسرائيل لا يمكنها أن تحظى بالسلام والاحتلال معاً... والفلسطينيون لن يقايضون حريتهم واستقلالهم مقابل "حفنة من الدولارات" مهما عظمت أرقامها ... نحن إذاً، أمام معادلة مستحيلة.

والحقيقة أن الالتباس في شعار المؤتمر ومقاربته، إنما يهدف التغطية على حقيقة أهدافه ومراميه، والتي تتلخص حصراً، بالسعي لدفع الفلسطينيين للقبول بمقايضة جوهر حقوقهم الوطنية المشروعة، بمشاريع اقتصادية وتشغيلية، كبرت أم صغرت، والاكتفاء بكيان "هجين"، لا هو دولة ولا حكم ذاتي، على جزء من الضفة الغربية، ومن دون القدس التي نعرفها، ودائماً تحت السيادة الأمنية الإسرائيلية التامة ... هذه هي القصة الكاملة لما يحمله جارد كوشنير في جعبته من مبادرات.
 
هي قصة "السلام الاقتصادي" ذاتها، يعاد إنتاجها من قبل "الترويكا" الأمريكية المولجة ملف الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ... ولقد اختبرها الفلسطينيون من قبل، عندما رأوا رؤيا العين، كيف أجهزت قوات الاحتلال على مؤسساتها وبناهم التحتية ومشاريعها الكبرى، عند أول مواجهة في العام 2000، وهي مشاريع تم تمويلها من قبل المجتمع الدولي، وفي سياق دعم مسار السلام بالازدهار ... وهي القصة ذاتها، التي جاء بها سلام فياض، وبدعم من طوني بلير، وتحت شعار بناء "الدولة تحت جلد الاحتلال"، فلا الدولة نشأت ولا الاحتلال زال ... وهذه المرة، الثالثة، التي يجري فيها سلوك الطريق ذاته وانتظار نهايات مختلفة، على أمل أن تنجح إدارة ترامب، في رفع "فاتورة الازدهار"، وضمان سدادها من قبل الدول العربية الغنية.
 
لا أريد أن أصف فريق ترامب بالحمق إذ يسلوك طريقاً مجرباً من قبل، وانتهى إلى الخيبة والفشل، فالنهايات المنتظرة عند هذا الفريق، تختلف عن مثيلاتها لدى الاتحاد الأوروبي من قبل، والرباعية الدولية التي مثّلها طوني بلير لسنوات ... ما يهم كوشنير – جرينبلات – فريدمان هذه المرة، ليس تعبيد الطريق لحل الدولتين، وإنما خلق "سياق جديد" تتآكل معه مقاومة الفلسطينيين للاحتلال، وتضعف بنتيجته طاقتهم على المطالبة بالحرية والاستقلال ... أما حقوقهم الوطنية المشروعة، فيجري تذويبها في بحر المشاريع الاقتصادية والمالية الجديدة، والتي تنهض على فلسفة تعميق التبعية والاستتباع لإسرائيل بدل الشروع في التحرر منها والاستقلال عنها.
 
لذلك يبدو مؤتمر البحرين، خطيراً، بل وخطيراً جداً، ففيه سترتسم ملامح "السياق الجديد" الذي سيفرض على الفلسطينيين، وتتقرر فيه فاتورة "المقايضة الكبرى" وكلفتها وهو أمر سبق لكوشنير أن تحدث عنه لـ"سكاي يوز".. وكل من سيشارك في المؤتمر، مضيفاً كان أم راعياً أو مشاركاً، سيكون شريكاً في مساعي إنضاج البيئة المناسبة لإنجاز المقايضة الكبرى: الحقوق مقابل الازدهار ... وليس مهماً بعد ذلك، ما الذي سيدلي به قادة الوفود المشاركة في كلماتهم الافتتاحية، إذ حتى لو قطعوا أغلظ الإيمان بأنهم ما زالوا يدعمون "حل الدولتين" و"القدس الشرقية عاصمة لفلسطين"، فليس ذلك سوى ذر للرماد في العيون، فهم يعرفون مسبقاً، أنهم مدعوون لمؤتمر يرسم ملامح حقبة "ما بعد حل الدولتين"، و"ما بعد ضم القدس"، وربما "ما بعد ضم أجزاء من الضفة الغربية" ... وكل ما هو مطلوب منهم، هو تأمين "المورفين الاقتصادي" لتمكين الفلسطينيين من تجرّع كأس الهزيمة المر، والقبول بصفقة "تصفوية" لقضيتهم الوطنية، في المقام الأول والأخير.