مقالات > > ريح جديدة تهب على الحركة الإسلامية الأردنية

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-05-01
كتب عريب الرنتاوي

يخطئ من ينكر ولا يرى، أن "تطوراً ما" قد طرأ على خطاب الحركة الإسلامية الأردنية، والتي كما بات معروفاً، أجرت وتجري، سلسلة من المراجعات الداخلية، لا نعرف الكثير عنها حتى الآن، بيد أن "مخرجاتها" باتت تظهر للعلن تباعاً، بدءاً بـ "مبادرة النقاط العشر" التي أطلقتها الحركة: الجماعة والحزب والكتلة، وانتهاء بكلمات قادتها في مؤتمر "30 عاماً على استئناف الحياة الحزبية والبرلمانية في الأردن" الذي أنهى أعماله أمس، وبالأخص كما تجلت في كلمة أحد قادة الحركة ومفكريها الأستاذ زكي بني ارشيد.
 
الحركة في مبادرتها وخطابها الجديدين، تنطلق من مصدرين اثنين: أحدهما، موضوعي، ويتمثل في فهمها لخطورة اللحظة التاريخية التي يمر بها الأردن، وما يجبهه من تحديات وتهديدات تستلزم رص الصفوف وإسناد "لاءات الملك الثلاث" في مواجهة التوطين والوطن البديل واستهداف القدس والمقدسات ... وثانيهما، ذاتي، ويتعلق بتقدير الحركة لإصرار الدولة الأردنية على رفض كافة الضغوطات التي تعرضت لها، لانتهاج سياسات استئصالية ضد الحركة الإسلامية، كما وقع في العديد من دول المنطقة ... وربما نضيف إلى هذين المصدرين، مصدراً ثالثاً، ويتمثل في تجربة الإسلام السياسي في سياقات ربيع العرب، وما تمخض عن عبر ودروس ونماذج، ناجحة (تونس والمغرب)، وفاشلة كما في مصر وغيرها من دول المنطقة.
 
الدولة، بقرون استشعارها الحساسة، تلمست على ما يبدو أهمية هذه التحولات، وربما جدتها وجديتها، ففتحت الباب من جديد لمعاودة الاتصالات والحوارات مع الحركة، وعلى أرفع مستوى ... لقاءات في غرف مغلقة، وأخرى في العلن، وفي القصر الملكي، وتحت رعاية جلالة الملك ... هذا تطور نوعي لم يكن منتظراً بعد كل التدهور والتوتر الذي أصاب العلاقة بين الجانبين.
 
وثمة ما يشي بأننا مقبولون على استئناف التعاون – ربما من المبكر قول استعادة التحالف التاريخي – بين النظام السياسي والجماعة الإسلامية ... على الرغم مما يعتمل تحت سطح هذه العلاقة، من شكوك وظنون متبادلة، تكرست في وعي و"لاوعي" الجانبين بعد سلسلة من التجارب الصعبة، التي حفل بها ربع القرن الأخير، الأمر الذي سيترك عدداً من المبادرات والأحزاب التي نمت على جذع الخلاف بين الحكم والحركة، أمام مفترق صعب وأسئلة ذات طابع وجودي.
 
زكي بني ارشيد في حديثه أمام المؤتمر المذكور، تحدث عن "مصالحة تاريخية" حصلت بالميثاق الوطني قبل قرابة الثلاثين عاماً، داعياً للانتقال من المصالحة (والمشاركة) إلى الشراكة، بدءا بالحوار الوطني الجامع الملزم بنتائجه، وغير المشروط بمقدماته، وصولاً إلى توافقات وطنية عريضة للخروج من استعصاء ملف الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي من جهة، ولتعزيز منعة المجتمع والدولة الأردنيين وقدرتهما على الصمود في مواجهة تحديات الداخل واستحقاقات الخارج من جهة ثانية.
 
وهو قرأ بدقة، حجم المشتركات بين خطاب الملك الإصلاحي، وخطاب المعارضة على كليتها، الإصلاحي أيضاً، متسائلاً عن "هوية" الجهة التي تعطل التقدم على طريق الإصلاح، سيما أن ما أسماه الخصوصية الأردنية، لا تبقي مطرحاً للدم أو التعامل الثأري الانتقامي بين أي من أطراف المعادلة الوطنية الأردنية، فالنظام لم يكن دموياً يوماً في علاقاته مع المعارضة، والمعارضة بادلته الرشد بالرشد والرشاد كذلك.
 
مثل هذه الحوارات هي ما نحتاجه، حوارات تتعلق بالفكر والسياسة والخطاب، وليس الصفقات المتبادلة من تحت الطاولة، التي تؤول إلى تسويات طارئة، تنتهي مفاعيلها بانتهاء أغراضها ... ولو كنت في موقع الناصح لصناع القرار، لاقترحت المبادرة بتوفير رعاية ملكية لسلسلة من الحوارات الوطنية الشاملة والعميق، التي لا تستثني أحداً، حول مشروع النهضة الوطني الأردني، والعقد الاجتماعي الجديد، وقواعد اللعبة السياسية ومنظومة الحقوق والواجبات، فوق الدستورية، المستمدة من قاعدتي "المواطنة المتساوية والفاعلة" و"مبدأ سيادة القانون وتكافؤ الفرص.
 
ولو كنت في موقع الناصح لصناع القرار في الحركة الإسلامية، لاقترحت الكشف عن كافة هذه المراجعات، ولحثثت قادتها على المضي في طريق تأصيل هذه التحولات وتعميقها وتجذيرها، حتى يكون طريقنا جميعاً للديمقراطية، طريق ذو اتجاه واحد.