مقالات > > مبادرة "النقاط العشر" للحركة الإسلامية الأردنية

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-04-04
كتب عريب الرنتاوي

في توقيت لا تنقصه الفطنة وحسن الاختيار، أطلقت الحركة الإسلامية الأردني (جماعة الإخوان، حزب جبهة العمل الإسلامي وكتلة الإصلاح النيابية) مبادرتها الإصلاحية ذات النقاط العشر ... بنود المبادرة، كما لغة المؤتمر الصحفي لإشهارها، عكست توجهاً جديداً لدى الحركة، يتعين أخذه بالجدية الذي يستحق من قبل خصومها ومنافسيها من جهة، ومن قبل الحركة ذاتها "تأصيلاً وتعميقاً" من جهة ثانية، حتى لا يقال، وقد قيل، إنها "مجرد انحناءة تكتيكية" بانتظار ظرف أفضل.
 
من حيث التوقيت، فإنه من باب "لزوم ما لا يلزم" التأكيد على أن الأردن يمر بظرف استثنائي في صعوبته، حيث تحتدم التحديات الداخلية وتتفاقم الأخطار والتهديدات الخارجية، فثمة ما يشبه الإجماع، من رأس الدولة وحتى شبان "الدوار الرابع" على هذا المعطى ... والحاجة ماسّة، لمبادرات من شأنها تحصين الجبهة الداخلية وتعميق الوحدة الوطنية، وتعزيز جهاز المناعة الطبيعية والمكتسبة عند الأردنيين، كل الأردنيين.
 
أما من حيث اللغة، فقد صيغت المبادرة، وقُدمت، بلغة مسؤولة، هادئة، وتصالحية ... أكثر الكلمات تكراراً في بنود المبادرة هي "التوافق"، كل الأفكار المتضمنة فيها بعيدة عن لغة "غني عن القول" و"ألم نقل لكم" ... بنودها العشر صيغت بلغة "التوافق" و"الإجماع"، وغابت عنها لغة "الشروط المسبقة" و"الاتهام" وتوزيع المسؤوليات عن الخراب المقيم.
 
المبادرة عكست ميلاً للإصلاح الهادئ، المتدرج والسلمي، المستند إلى القناعات المشتركة، وليس إلى الضغط "من تحت لفوق"، وبعيداً عن لغة الشارع والتلويح بحشوده، فالحركة في الأصل، أبقت على مسافة بينها وبين الشارع، وهي وإن أبدت تفهماً لشعاراته ومطالبه، إلا أنها لم تنقد وراءه ولم تجاريه في سقوفه العالية.
 
قد ينظر البعض للمبادرة بوصفها إقراراً من الحركة بـ"ضعفها"، وأنها جاءت من موقع ضعف وليس تعبيراً عن "عقلانية" أو رشد أو رشاد ... هذه مقاربة استفزازية فضلاً عن كونها غير صحيحة ... فالإخوان في الدول التي تعلق لهم المشانق، لم يصدر خطابهم عن ضعف وهزيمة، بل رأيناهم يصعدون نبرتهم إلى أعلى درجات الحدة والشدة، ومعها بعض ممارساتهم ... لكن ذلك لا يمنع من القول، أن الحركات الإسلامية في بلادنا وغيرها، ليست في أحسن حالاتها، وعلينا أن نصدق بأن "الجماعة" تدرك حجم التحديات والتهديدات التي تجابه الأردن، أللهم إلا إذا أصر البعض منّا على نفي صفتي "المواطنة" و"الوطنية" عن الجماعة، قيادة وكوادراً ونشطاء وبرنامج، ومثل هؤلاء موجودين بين ظهرانينا من أسفٍ.
 
لم تقل المبادرة ما يتعين قوله، تعبيراً عن رأي الجماعة والحركة في مشروع الإصلاح ... هي اقتصرت على بلورة "أجندة حوار وطني شامل"، أو اقتراح برنامج عمل للقاءات وحوارات يتعين الشروع فيها كما يقترح أصحابها، وصولاً لبناء التوافق أو الإجماع إن أمكن ... المطلوب الآن، بعد إطلاق النقاط العشر، أن تقدم الجماعة على صياغة تصورها لكل من هذه المحاور، حتى تتمكن من عرضها على موائد الحوار، ولكي يتسنى لنا ولغيرنا، التعرف على الكيفية التي تفكر بها الحركة، سواء لجهة الإصلاحات الدستورية والتشريعية المطلوبة، أو لجهة قراءاتها لقوانين العمل العام المقترح إصلاحها، أو بالنظر إلى فلسفتها في مسائل من النوع: الحكومة البرلمانية ومنظومة الحقوق والواجبات، أو نظرتها لما أسمته "هوية الوطن وثقافته وقيمه"، أو ما خص وثيقة الثوابت القومية بما هي مواقف وطنية جمعية من فلسطين وقضيتها وانعكاساتها على الأردن، وما يشتق عنها ويُستل منها من مقترحات للتحالفات والاصطفافات وغيرها من عناوين أوردتها الوثيقة.
 
وهذا أمر مطلوب كذلك من بقية الأطراف وليس من الحركة الإسلامية وحدها، أولها الحكومة، صاحبة الولاية العامة، نظرياً على الأقل، وبقية مراكز القرار في الدولة، فضلاً عن الأحزاب السياسية والمثقفين والنشطاء والحراكات الشبابية ومؤسسات المجتمع المدني وأعضاء مجلس الأمة ... فالإصلاح لا يخص فئة من الأردنيين دون غيرهم، بل هو شأنهم جميعاً.