مقالات > > ترامب يعيد رسم خريطة سوريا

مقالات - الحرة - التاريخ: 2019-03-24
كتب عريب الرنتاوي

قنبلة جديدة فجّرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب فوق رمال الشرق الأوسط المتحركة، عندما أعلن في تغريدة له، أن الوقت قد حان للاعتراف الكامل بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، بعد مرور 52 عاما على احتلالها عام 1967، معللا موقفه الجديدة بالأهمية الأمنية ـ الاستراتيجية الاستثنائية للهضبة بالنسبة لإسرائيل، مدعيا من دون برهان أو دليل، أن من شأن قرار كهذا، أن يكون له أثر إيجابي على الاستقرار في المنطقة!
 
القرار جاء صادما، وإن لم يكن مستبعدا تماما، فمنذ أن بدأ الحديث عن ما يعرف بمبادرة "صفقة القرن" لحل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وتحديدا منذ إقدام الرئيس الأميركي على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها، ازدادت المخاوف، من مغبة إقدام الرئيس ترامب على تقديم "جائزة ترضية" إضافية لحكومة اليمين الإسرائيلي، لتسهيل تمرير هذه الصفقة، ومساعدة ائتلاف اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل على الفوز في انتخابات الكنيست الحادي والعشرين المقررة في التاسع من نيسان/أبريل المقبل.
 
لا يمكن الفصل بين توقيت الإعلان عن الموقف الأميركي الجديد، والانتخابات البرلمانية في إسرائيل.
وفي الآونة الأخيرة، عاد الجولان إلى دائرة الأضواء من جديد، وصدرت مواقف وتصريحات أميركية وإسرائيلية مفاجئة، لم يفهم منها سوى أنها جزء من "عملية تمهيدية" للقرار الصادم، فرئيس الحكومة الإسرائيلي يصطحب عضو الكونغرس ليندسي غراهام في جولة على الهضبة المحتلة، ومن هناك يعلن الكشف عن "خلية نائمة" لحزب الله، تعمل لزعزعة أمن إسرائيل... وبعدها، وعشية جولته الأخيرة في المنطقة، يعرب الوزير مايك بومبيو عن خشيته من اشتعال جبهة الجنوب السوري والجولان مجددا، من دون أن تكون هناك أية مؤشرات دالّة على إمكانية حدوث تطور من هذا النوع، وبين الحدثين، جاء التقرير الحقوقي الأميركي السنوي ليصنف الجولان لأول مرة منذ احتلالها، بأنها أراض خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وليست أراض سورية محتلة... كان واضحا تماما، أننا نتجه صوب قرار من هذا النوع.
 
في دلالة التوقيت
في دلالة التوقيت، لا يمكن الفصل بين توقيت الإعلان عن الموقف الأميركي الجديد، والانتخابات البرلمانية في إسرائيل، حيث لا تُخفي إدارة ترامب، والفريق الرئاسي المكلف بعملية السلام في المنطقة، انحيازهم إلى جانب أحزاب اليمين الإسرائيلي بزعامة الليكود وبنيامين نتنياهو. ويعتقد الرئيس ترامب ـ ربما محقا ـ بأن الكشف عن موقف كهذا على مبعدة ثلاثة أسابيع من الانتخابات، من شأنه أن يعظّم فرص نجاح نتنياهو وائتلافه اليميني في الانتخابات المقبلة.
وربما تتزامن مراسم توقيع القرار الرئاسي في هذا الصدد، مع زيارة نتنياهو المنتظرة لواشنطن ـ ودائما عشية انتخابات الكنيست ـ والتي من المعتقد أن يلقى خلالها حفاوة بالغة، في رسالة لا تخطئوها العين المجردة، عن دعم واشنطن لهذا الفريق الإسرائيلي دون غيره (أو بالأحرى أكثر من غيره)، ذلك أن خبراء الانتخابات ودارسو اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي، يعرفون تمام المعرفة، أن ثمة "محركات" ثلاثة تقرر وجهة الناخبين الإسرائيليين في أية انتخابات: العلاقة مع واشنطن، الأمن والاقتصاد.
وعلى المقلب الآخر، لا يستبعد المراقبون أبدا، أن يكون للقرار علاقة وثيقة مع الانطلاقة المبكرة للانتخابات الرئاسية الأميركية 2020، حيث يحرص الرئيس وفريقه على بذل ما بوسعهم لإرضاء جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في المجتمع الأميركي، فضلا عن جمهور عريض من المسيحيين "الإنجيليين" المؤيدين عقيديا للدولة العربية، والذي صبوا معظم أصواتهم لصالح ترامب ـ بينس في الانتخابات الرئاسية السابقة.
 
شيء عن الشرعية والتاريخ
من نافل القول، إن قرار الرئيس الأميركي يعد انتهاكا صريحا لقرارين الدوليين 242 و338، الصادرين عن مجلس الأمن، واللذين شكلا الأساس الصلب لاتفاقات فك الارتباط التي أعيد بعثها والعمل بها مؤخرا بين البلدين، ولمرجعيات عملية السلام، قبل مؤتمر مدريد (مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل)، وبعده وصولا إلى اتفاق أوسلو ومعاهدة السلام الأردنية ـ الإسرائيلية. كما أن هذا الموقف يضرب عرض الحائط، بالقرار الأممي رقم 497 الصادر في 17 كانون الثاني/ديسمبر 1981، بعد ثلاثة أيام فقط من قرار الحكومة الإسرائيلية عن قرارها "ضم" الهضبة السورية المحتلة لسيادتها.
 
ويشكل الموقف الأميركي الجديد، خروجا عن المواقف التي انتهجها تسعة رؤساء أميركيين تعاقبوا على البيت الأبيض منذ احتلال الجولان عام 1967، خمسة منهم من الحزب الجمهوري وأربعة من الحزب الديمقراطي: ليندون جونسون (د)، ريتشارد نيكسون (ج)، جيرالد فورد (ج)، جيمي كارتر (د)، رونالد ريغان (ج)، جورج بوش الأب (ج)، يل كلينتون (د)، جورج بوش (ج)، باراك أوباما (د).
 
ووفقا لمارتن إنديك، ولكل ما ورد في وثائق المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، ومذكرات كبار المسؤولين الذين انخرطوا فيها، سرا وعلانية، فإن خمسة رؤساء حكومات إسرائيليين على الأقل، قبلوا بمبدأ إعادة الهضبة بكاملها (تقريبا) إلى سوريا مقابل معاهدة سلام وتطبيع للعلاقات بين البلدين، من إسحق رابين صاحب "الوديعة" الشهيرة التي حملت اسمه، مرورا بشمعون بيريز وإيهود باراك وإيهود أولمرت وحتى نتنياهو نفسه في مرحلة سابقة.
 
ولعل من المفيد في هذا المقام، استذكار وقائع جلسة الكنيست الإسرائيلي التي تقرر فيها إخضاع الجولان السوري للقانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية. يومها في الرابع عشر من ديسمبر /كانون الأول 1981، حرص مناحيم بيغن، أحد "الآباء المؤسسين" لإسرائيل وأشهر رموز معسكر اليمين فيها، وهو صاحب الاقتراح الذي سيحمل اسم "قانون الجولان"، على التوضيح بأن عبارة "ضم الجولان"، لم ترد في مشروع القانون أو على لسان مقدمه، وأن معارضي هذا التشريع، هم الذي يستخدمون هذه المفردة بقصد إفشال مقترحه وإسقاطه. وبصرف النظر عمّا إذا كان بيغين يعني ما يقول، أم أنه كان مناورا بغرض تسهيل تمرير "قانون الجولان"، إلا أن الأمر المؤسف أن الرئيس ترامب، يظهر ميلا لـ"المزاودة" على من سبقه من رؤساء أميركيين، وخمسة رؤساء حكومة لإسرائيل، فضلا عن مناحيم بيغن ذاته، في إظهار الالتزام بأمن إسرائيل والانحياز إلى يمينها المتطرف.
 
ماذا بعد؟ أين من هنا؟
لعل يولي أدلشتاين، رئيس الكنسيت من معسكر اليمين (الليكود)، كان "الأدق" و"الأعمق" إدراكا لِكُنه الموقف الأميركي الجديد ودلالته، إذ اعتبره خطوة مهمة على طريق الاعتراف بضم الضفة الغربية لإسرائيل. والرجل سبق وأن أعلن "موت حل الدولتين"، مستلهما في ذلك، ما سبق لصديقه، سفير واشنطن في القدس، ديفيد فريدمان، قوله حين كشف على نحو "رسمي" أن "صفقة القرن" لا تشتمل على دولة فلسطينية مستقلة أو قابلة للحياة، وأن الحديث يجري عن حكم ذاتي يمكن أن يتطور في المستقبل، ملبيا حاجات الفلسطينيين للرفاه والازدهار.
 
ثمة دلائل كاشفة على أن إدارة ترامب، بصدد تمكين اليمين الإسرائيلي من كل كان يطمح له أو يرنوا إليه
وتعيدنا ردود أفعال اليمين الإسرائيلي الاحتفالية بالموقف الأميركي الجديد، إلى السجال الذي كان دائرا في إسرائيل قبل أكثر من أربعين عاما، وبعد الانقلاب اليميني الأول في إسرائيلي عام 1977، عندما كان الحديث يدور عن "حكم ذاتي" فلسطيني للسكان من دون الأرض، وهي القاعدة ذاتها، التي حكمت المفاوضات المصرية الإسرائيلية حول الشق المتعلق بالمسألة الفلسطينية من اتفاقيات كامب ديفيد.
 
يبدو أن الوقت قد حان، لكي يجد هذا المعسكر المتطرف، من يدعمه ويروج لطروحاته في واشنطن، فثمة دلائل كاشفة على أن إدارة ترامب، بصدد تمكين اليمين الإسرائيلي من كل كان يطمح له أو يرنوا إليه، أيا كانت العواقب والتداعيات المترتبة على قراراتها العشوائية، وغير المحسوبة.
 
والخلاصة، أن قرارات إدارة ترامب ومواقفها، بشأن القدس والسفارة واللاجئين بالأمس، وحول الجولان اليوم، من شأنها أن تطلق رصاصة الرحمة على عملية سلام مترنحة، تعيش منذ سنوات طوال في غرفة العناية المشددة، فيما المنطقة برمتها، تبدو مرشحة لاستقبال موجة جديدة من الصراعات وأعمال التطرف والعنف.