مقالات > > لافروف في الخليج... استثارة للمخاوف ودعوة لـ"ملء الفراغ"

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-03-09
كتب عريب الرنتاوي

أنهى وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف جولة خليجية، شملت كل من الدوحة والرياض وأبو ظبي والكويت، ممهداً لجولة منتظرة سيقوم بها "سيد الكرملين" للمنطقة في وقت لاحق هذا العام، تأمل موسكو أن تتوج بإبرام صفقات كبرى في الحقلين الدفاعي والاقتصادي... محادثات رئيس الدبلوماسية الروسية في العواصم التي زارها، تناولت إلى جانب العلاقة الثنائية، الأزمة الخليجية، والملف الإيراني والأزمة السورية على وجه الخصوص.
 
لا دور لروسيا ولا مبادرة فيما خص الأزمة الخليجية ... موسكو تكتفي بدعم الجهود الكويتية لرأب الصدع بين قطر وشقيقاتها، وإن كانت غير متلهفة لإغلاق هذا الملف، الذي استفادت منه كثيراً جراء السباق الخليجي – الخليجي لـ "كسب ود" العواصم الدولية الكبرى ... إيران، قضية خلافية، بين موسكو وبعض العواصم الخليجية (السعودية والإمارات بخاصة) وإن كانت الدوحة والكويت تحتفظان بمواقف أقل حدة في مواجهة طهران.
 
الأزمة السورية كانت في قلب محادثات الوزير الروسي في عواصم الدول الأربع التي زارها ... موسكو تعتمد مقاربة جديدة في تناولها لملف عودة سوريا للجامعة العربية، أو عودة العرب إلى سوريا، وهي مقاربة تكاد تتطابق مع القراءة الإماراتية على وجه الخصوص لهذه المسألة، ولقد عبر نائب الوزير الروسي ميخائيل بوغدانوف عن هذا الموقف صراحة عندما قال: “وزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد، كان محقاً فيما قاله حول الوجود الإيراني والتركي في سورية بسبب غياب الوجود العربي”.
 
لم تعد روسيا تريد عودة العرب إلى سوريا من أجل تسريع العملية السياسية أو حفز مسار إعادة الإعمار، هذه المسائل ستظل مطروحة على جدول أعمال موسكو حتى إشعار آخر ... لكن روسيا تريد العرب في سوريا لسبب آخر، عنوانه الاحتواء المزدوج للنفوذ التركي والإيراني على حد سواء.
بوجود العرب في سوريا (مصر والخليج)، تكون موسكو قد أدخلت لاعباً جديداً على المسرح السوري ... لا هو صديق لإيران ولا هو مُحبٌّ لتركيا ... وبمقدورها توظيف حضورهم، المعنوي والسياسي، والمالي في وقت لاحق، من أجل الضغط على شريكتيها في مسار أستانا: إيران للتخفيف من نفوذها وتواجدها على الأرض السورية (وهذا يفيد موسكو في علاقاتها مع واشنطن وتل أبيب كذلك) ... وتركيا لخفض سقف توقعاتها في الشمال، وإبداء مزيد من المرونة عندما تحين إعادة تنظيم علاقاتها مع دمشق في إطار اتفاق أضنة 1998.
 
وللدول التي زارها لافروف (إضافة إلى مصر) مصالح مشتركة ومتلاقية مع مصلحة موسكو المستجدة هذه ... فهذه الدول تعتبر أن إيران وتركيا، جارتان إقليميتان طامعتان، مندرجتان بتفاوت بين هذه الدولة وتلك في خانة "معسكر الأعداء"، وتقليص نفوذهما في سوريا أمر محمود ومطلوب، وهو ما يفسر "يقظة" هذه العواصم للانفتاح المتسارع على دمشق.
 
لكن لافروف في سعيه لاستجلاب موقف عربي داعم لبلاده في سوريا، يصطدم بلا شك، بموقف أمريكي يسعى في تشديد أطواق العزلة والحصار والعقوبات على سوريا، ومن ورائها إيران وروسيا، وواشنطن تضغط على الدول العربية لوقف اندفاعتها نحو دمشق ... وكذلك يفعل الاتحاد الأوروبي الذي يرى أنه من المبكر إعادة سوريا للجامعة وعودة العرب لسوريا من دون حدوث اختراق على مسار العملية السياسية – الدستورية في سوريا.
 
لذلك رأينا حالة من التريث أعقبت لحظة الاندفاع العربي نحو دمشق، والمؤكد أن الوزير الروسي قوبل بتحفظات محادثيه وعدم حماستهم لتلبية ندائه، الأرجح أن سمع تحفظاً سعودياً وقبولاً مشروطاً بعرضه ... وأنه لمس رفضاً قطرياً امتداداً لموقف الدوحة الداعم لتركيا وجماعة الإخوان والمطالب بالتغيير في سوريا ... فيما الإمارات استبقت التحفظات الأمريكية – الأوروبية وفتحت سفارتها في دمشق، وهي اليوم أكثر حماسة لاستعادة دور عربي في سوريا لمواجهة إيران وتركيا بالأخص ... أما الكويت فهي اعتادت ألا تغرد بعيداً عن سرب الخليج والإجماع العربي، وتفضل التريث على الاندفاع.
 
لا أدري ما طبيعة وحجم التقدم الذي طرأ على مواقف دول الخليج من سوريا والذي تحدث عنه بوغدانوف بارتياح ... يمكن الافتراض أن الوزير الروسي استثار مخاوف محدثيه من مغبة استمرار غيابهم و"فراغهم" في سوريا، والذي يسمح لخصمتيهم اللدودتين: إيران وتركيا، بـ"ملء الفراغ" والاضطلاع بأدوار متعاظمة في سوريا، ومن خلالها في الإقليم برمته، فإن صحت هذه الفرضية، فإن من المتوقع أن تشكل جولة لافروف الخليجية مناسبة للتفكير بخطوات عربية إضافية (ولكن متأنية) على طريق دمشق، كما يمكن الافتراض أن دوائر صنع القرار في أنقرة وطهران، ستنشغل بتقدير الموقف من جديد، وتأمل احتمالات وتداعيات "الحركة" التالية للاعب الشطرنج الروسي.