مقالات > > الرؤساء السابقون" أو التجربة المفقودة في المنطقة"

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-02-25
كتب عريب الرنتاوي

كان بمقدور الرئيس السوداني عمر حسن البشير أن يوفر على نفسه وحزبه وشعبه، كثيراً من العنت والمشقة، لو أنه أعلن تخليه عن تعديل الدستوري والترشح لولاية رئاسية جديدة في العام 2020، وأن يشكل حكومة انقاذ وطني توافقية، تدير المرحلة الانتقالية الممتدة حتى موعد الانتخابات القادمة. 

لكنه بدلاً من ذلك، عمد إلى إعلان حالة الطوارئ في عموم البلاد، وأقال الحكومة وحكام الأقاليم، واستبدل الجمع بجنرالات من الجيش، انسجاماً مع حالة الطوارئ ... وللتخفيف من وقع هذا الإجراء، عمد إلى الطلب من البرلمان تأجيل البحث في التعديلات الدستورية (لم يأمر بسحبها أو وقفها نهائياً)، وصرح بنيته تسليم رئاسة حزب المؤتمر الحاكم، إلى شخص آخر، في إشارة لم تخف دلالتها على كثير من السودانيين: الحاكم يريد أن يصبح حكماً، ولكن بصلاحيات استثنائية، وإن من خلف ستار.
 
الإجراءات الرئاسية الأخيرة، صبّت مزيداً من الزيت على نار الأحداث السودانية، وعقدت المشهد بدل أن تسهم في "حلحلته"، إذ عبرت معظم القوى السياسية والاجتماعية والمدنية المنخرطة في حراكات الشارع غير المسبوقة في تاريخ البلاد المعاصر، عن رفضها لهذه الإجراءات، وإصرارها على مواصلة الاحتجاجات حتى تنحية الرئيس والشروع في مرحلة انتقال جدية وجديدة.
 
قلنا في مقالات سابقة، أن الرئيس يراهن على شبكة أمان إقليمية ودولية ممدودة له، منشؤها الخشية من مغبة سقوط السودان، هذا البلد الكبير ذي الموقع الاستراتيجي، في أتون الفوضى وتفكك الدولة وانقسام المجتمع، ما يخلق بيئة آمنة لتسلل جماعات متطرفة وإرهابية متربصة، تبحث لاهثة عن مكان آمن جديد، بعد خسارتها في سوريا والعراق، بيد أن المعطيات الأخيرة، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن أقرب حلفاء الخرطوم وداعمي نظام الرئيس عمر حسن البشير، بدأوا التداول في خيارات أخرى، وأن بعضهم بات يتوفر اليوم على "خطة ب"، تعيد استلهام تجربة اليمن (المبادرة الخليجية)، على فشلها وبؤسها: يغادر الرئيس (أو يبقى) متمتعاً بكل الحصانات والأدوار، ويبقى النظام على حاله.
 
على أية حال، السودان ليس على السكة الصحيحة، فالرئيس قضى ثلاثين عاماً في السلطة بالتمام والكمال، والسودانيون ليست لديهم الثقة بأنه سيأتي في السنوات الخمس أو الست القادمة، بما لم يستطعه في سنوات حكمه الممتدة لثلاث عشريات من السنين ... الشيء ذاته يجري في الجزائر، وإن في ظروف أخرى وسياقات مختلفة، فالجزائريون الذي تعلموا درس العشرية السوداء بالطريقة الصعبة والقاسية، لم يعودوا قادرين على الركون إلى منازلهم، فخرجوا إلى الشوارع في أول انتفاضة عفوية منذ سنوات طوال، يعبرون عن رفضهم للعهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي وإن كانت إنجازاته لا تقدر بثمن، وأهمها إخراج الجزائر من مستنقع الموت والدمار الذي أوقعته فيه الجماعات الإرهابية والمتطرفة، إلا أن الرغبة في التجديد والتغيير تجتاح الجزائريين، كما تجتاح بقية الشعوب العربية، وربما بالقوة ذاتها.
 
لم يفت الأوان بعد بالنسبة للبلدين العربيين الشقيقين، قرار واحد فقط، يكفي لضبط حركة الشارع ومنع انزلاق البلاد إلى الفوضى وعدم الاستقرار ... وهما شعبان حييان، يتوفران على طاقات خلّاقة ومبدعة في شتى مجالات الحياة والإبداع، وأرحام النساء فيهما ما زالت "ولّادة"، فلماذا الإصرار على معاندة حقائق التاريخ وروح العصر، ولماذا كل هذه المقاومة للتغيير وكل هذا الاستمساك بالسلطة، ولماذا لا تريد لنا الأنظمة في هذه المنطقة، أن نعتاد العيش مع رؤساء سابقين يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وهل يتعين على رؤسائنا مواجهة واحد من مصائر ثلاثة فقط: المنفى، السجن أو القبر؟