مقالات > > موسكو وأنقرة و"إدلب" بينهما

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-02-10
كتب عريب الرنتاوي

السجال بين موسكو وأنقرة حول مصير إدلب وجوارها لم ينقطع منذ أن بدأ الطرفان حواراً حول "تخفيض التصعيد" في آخر معاقل النصرة على الأرض السورية ... السجال ذاته، سيحتدم بعد أن تتمكن النصرة من طرد مختلف الفصائل من المنطقة وتصفيتها، وبسط نفوذها على أزيد من 80 بالمائة من مساحة المحافظة ومعظم سكانها، فضلاً عن ريفي حلب الغربي وحماة الشمالي.
 
اليوم، وعشية قمة سوتشي الثلاثية لرعاة مسار أستانا، يندلع السجال مجدداً، وبلغة الرسائل القوية، المعززة بقرارات صادرة عن مجلسي الأمن القوميين في كلا البلدين ... مجلس الأمن القومي التركي، اجتمع منذ بضعة أسابيع برئاسة رجب طيب أردوغان، ووجه رسائل ثلاث: (1) منطقة آمنة شرق الفرات تحت سيطرة تركيا المباشرة ... (2) تنفيذ خريطة الطريق بشأن "منبج" مع الولايات المتحدة من دون مماطلة أو تسويف ... (3) الإبقاء على الأوضاع القائمة في إدلب بحجة تفادي كارثة إنسانية ورغبة في تجنب موجة جديدة من اللاجئين السوريين.
 
مجلس الأمن القومي الروسي، اجتمع أمس الأول، على مبعدة أيام من قمة سوتشي، وقرر أن المناطق الآمنة كما مناطق خفض التصعيد، هي ترتيبات مؤقتة وانتقالية، وليست دائمة بحال من الأحوال، وأنها لا يتعين أن تكون ملاذات آمنة أو "محميات" للجماعات الإرهابية، وأن منطق حفظ أمن سوريا ووحدتها وسيادتها واستقلالها، يملي النظر لإدلب كما لغيرها من هذه المنطق، ومنه وحده دون سواه.
 
وفيما يشبه الرد العلني المباشر على "مخاوف" أنقرة، صدر عن موسكو ما مفاده أن عملية إدلب إن تمت، فستكون دقيقة للغاية، وستتفادى ما أمكن إلحاق خسائر في صفوف المدنيين أو تهجيرهم، وأن جل أهداف العملية، إنما ينحصر في مطاردة الإرهابيين في أحد أهم وآخر معاقلهم الكبرى في سوريا.
 
في السجال الثنائي المحتدم، حتى عبر وسائل الإعلام، يبدو الجانب الروسي (من وجهة نظر كاتب هذه السطور) في الجانب الصحيح من المعادلة والتاريخ ... فلا يمكن الحديث عن وحدة سوريا وسيادتها في الوقت الذي تجري فيه أوسع عمليات الاقتطاع من أراضي الشمال السوري، تحت حجج وذرائع شتى... ودائماً وسط مخاوف حقيقة من تحول "المؤقت" إلى "دائم" و"الانتقالي" إلى "نهائي".
 
ثم، أن حديث أنقرة "عن خفض التصعيد" في إدلب، لم يأت يوماً مصحوباً بخطة أو تصور لكيفية القضاء على آخر جيوب الإرهاب وتجمعاته، طالما أن تركيا تعتبر النصرة (رسمياً على الأقل) تنظيماً إرهابياً ... بل على العكس من ذلك، لقد توسعت النصرة في الشمال الغربي السوري، وقضت على فصائل منافسة عديدة، تحت سمع الأتراك وأبصار أبراج مراقبتهم، التي لم تحرك ساكناً، فيما يشبه التواطؤ مع تمدد النصرة والتعايش مع انتشارها، حتى لا نقول أنه ضوء أخضر تركياً ممنوحاً لها لتقوم بما قامت به.
 
بمقدور تركيا أن تسحب مراقبيها من المنطقة، وأن تغلق حدودها، وأن تسعى في ترتيب مع موسكو ودمشق، لإقامة معسكرات إيواء داخل الأراضي للنازحين مؤقتاً عن مناطق العمليات الحربية ضد النصرة، أما أن تظل هذه الهواجس "الأمنية" و"السكانية" سبباً في الصمت على "إمارة القاعدة" في إدلب، فذلك أمر يثير الكثير من علامات الشك والاستفهام حول موقف تركيا من الإرهاب، وطبيعة علاقاتها مع جبهة النصرة، وهي التي تحاول جاهدة إخلاء مسؤوليتها عن تسهيل مرور عناصر "داعش" ومقاتليه الأجانب إلى العمقين السوري والعراقي.
 
بمقدور تركيا أن تبدد كافة التحديات والتهديدات التي تستشعرها في الشمال السوري، الشرقي والغربي، بما في ذلك التهديد الكردي، إن هي كفت عن "اللعب" بالورقتين الروسية والأمريكية وتوقفت عن سياسة "الرقص" على حبلي موسكو وواشنطن المشدودين، وإن هي سمحت عبر الوسيط الروسي، بعودة الجيش السوري إلى الحدود السورية مع تركيا، وتفعيل اتفاق أضنة كما تم التوقيع عليه عام 1998،من دون زيادة أو نقصان، أو فتحه لمزيد من التنقيحات والتعديلات إن لزم الأمر، ولكن بالتفاوض والاتفاق مع الحكومة السورية ... بخلاف ذلك، ستظل السياسات التركية في سوريا مثيرة للشكوك والمخاوف، سواء ما اتصل منها بمطامح ومطامح في الأرض السورية، أو في جدية الحرب التركية على الإرهاب... من دون ذلك، سيتعين على سوريا وتركيا أن تدفعا معاً المزيد من الفواتير ثمناً لسياسات ثبت عقمها بالملموس.