مقالات > > "السداسية" العربية

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-02-02
كتب عريب الرنتاوي

اللقاء التشاوري لوزراء خارجية ست دول عربية، جاء من خارج الأطر الرسمية و"الواقعية" للحراك الدبلوماسي العربي كما تظهّر في السنوات القليلة الفائتة ... فلا هو اجتماع لدول مجلس التعاون (غابت قطر وسلطنة عمان)، ولا هو اجتماع لمجموعة "6 +2" التي اعتادت واشنطن دعوتها للمشاركة في اجتماعات تعقد بين الحين والآخر، ودائماً وسط ضجيج عن "ناتو عربي" بالنظر لغياب الدولتين المذكورتين ... ولا هو اجتماع لما يعرف مجازاً بـ"معسكر الاعتدال العربي" الذي يضم عادة المغرب وعُمان، والمؤكد أنه ليس اجتماعاً للجنة منبثقة عن الجامعة العربية لمتابعة هذا الملف أو ذاك، فما هو إذن والحالة كهذه؟
 
في ظني أن ما استدعى هذا اللقاء، الذي لا نعرف كثيراً عن مجرياته وتفاصيله، ولا عن النتائج التي أفضى إليها، إن كنت هناك نتائج، إنما يتعلق بسوريا، وبسوريا على وجه الخصوص، سيما بعد قرار الرئيس الأمريكي سحب قواته من سوريا، ومع تنامي التهديدات التركية بفرض منطقة آمنة في شمال سوريا، وبعمق 30-35 كم، فضلاً عن إصرار أنقرة على تطبيق خريطة الطريق التي رسمتها مع واشنطن بخصوص منبج وجوارها، وما صدر عنها مؤخراً من استمساك بإدامة "سلطة الأمر الواقع" في إدلب وريفي حلب الغربي وحماة الشمالي، حيث تسيطر جبهة النصرة على 80 بالمائة من هذه المناطق، وبما يشبه "الفيتو" التركي على أي مسعى روسي – إيراني – سوريا، لتطهير هذا "الملاذ الآمن" من الجماعة الإرهابية.
 
والحقيقة أن تصريحات أدلى بها الوزير الإماراتي أنور قرقاش، ربما تكون مفتاحاً لفهم هذا الإطار السداسي الجديد، الذي لا نعرف إن كانت اجتماعاته ستتوالى ليتحول إلى "إطار جديد ومستدام " للحراك الدبلوماسي العربي، أم أنه سيتوقف عند هذا الحد ... الوزير الإماراتي حمل على السياسة التركية في سوريا، وعبّر عن رفض بلاده لمشروع "المنطقة الآمنة"، وقال بلغة جازمة أن الإمارات ترفض أي وجود غير عربي على أية عربية، مطالباً بتوفير حماية للأكراد من دون أية تفاصيل.
 
إذن، ربما تركيا، ومحاولاتها ملء الفراغ في الشمال السوري، هي المحفّز الأول والأهم لهذا الحراك المشترك ... صحيح أن الدول الست المذكورة، لا تتقاسم الموقف ذاته من أنقرة، بيد أن مواقفها في الوقت ذاته، لا تتباعد كثيراً حيال هذه المسألة ... سيما بعد تنامي القناعة لدى بعض أطراف اللقاء السداسي، بأن "التهديد التركي" أخذ يحتل مكانة موازية تقريباً لـ"التهديد الإيراني"، وتحديداً في سوريا، وإن لم يكن مقتصراً عليها، بل يتخطاها إلى اليمن وليبيا و"سواكن" البحر الأحمر والخليج ذاته من قبل ومن بعد.
 
يطرح هذه الموقف المشترك، وإن بتفاوت بين عاصمة وأخرى من العواصم الست، مسألة العلاقة مع دمشق، وعودة النظام السوري إلى الجامعة العربية أو عودة العرب إلى سوريا ... لا سبيل أمام دول هذه المجموعة إن هي أرادت احتواء النفوذ التركي المتزايد في سوريا، سوى ولوج بوابة دمشق، وبعضها أخذ يتقرب من منها ويعيد فتح سفاراته فيها. أما المطالبات الداعية لتوفير "حماية دولية" لأكراد سوريا، فهي وإن كان مشكوكاً في أمر توفيرها، فقد تنجح في عرقلة المشروع التركي بعض الوقت وفي بعض المناطق، إلا أنها ستفضي حتماً إلى تقسيم سوريا، وستحيل "المربع الحدودي" التركي – السوري – العراقي – الإيراني، إلى بؤرة انفجار، لن تسلم من تداعياتها دول المنطقة الأربع.
 
لا تمتلك الدول الست، ولا النظام الإقليمي العربي، الرغبة أو القدرة على "ملء فراغ" واشنطن في الشمال السوري ... والوجود الدولي في هذه المنطقة، يبدو في خواتيمه، حتى وإن تباطأ الانسحاب الأمريكي من سورياً عملاً بمشروع القرار الذي يجري تداوله في الكونغرس الأمريكي حالياً ... والمخرج الوحيد للحد من "التوسعية" التركية، إنما بدعم جهود موسكو الرامية تسليم هذه المناطق، بما فيه قاعدة التنف، للسيادة السورية.
 
من الجائز الافتراض أن هذه المقاربة الانفتاحية على دمشق، قبل ومن دون، تقليص النفوذ الإيراني في سوريا، من شأنها خلق إشكالية لدول تناصب طهران أشد العداء، وصحيح أن دول هذه المجموعة ترغب في رؤية دور إيران أقل ومتراجع في سوريا، لكن أمام موجة التصعيد التركي في الشمال السوري، يبدو أن تغيراً سيطرأ على أجندة هذه الدول، أو بعضها على الأقل، سيما بعد أن تركتها واشنطن لـ"تقلّع شوكها بأيديها"، في مواجهة هذا التحدي الكبير والمفاجئ، الذي داهمها من دون استعداد كافٍ.