مقالات > > هل ثمة "مؤامرة خارجية" على السودان؟

مقالات - أخرى- التاريخ: 2019-01-29
كتب عريب الرنتاوي

لا أدري من هي الأطراف الخارجية التي يمكن اتهامها بالتآمر على السودان، وافتعال فتنة داخلية تفضي إلى الفوضى وإعادة استنساخ تجربة "الربيع العربي"، فمنذ اندلاع الأزمة قبل نحو من ستة أسابيع وأنا أتتبع ردود الأفعال الدولية والإقليمية على الحدث السوداني، ووجدت أن نظام الرئيس عمر حسن البشير، يحظى بدعم مختلف المحاور الإقليمية والدولية (تقريباً)، وأن الأطراف العربية والإقليمية على وجه الخصوص، تصطرع فيما بينها على كل شيء تقريباً، بيد أنها تلتقي حول دعم استقرار السودان وأمنه، وتفتح عواصمها للرئيس البشير، فمن هم خصوم السودان، الذين يجري "تجهيلهم" قبل إمطارهم بوابل من الاتهامات، وتحويلهم إلى "شمّاعة" تعلق عليها كافة أوزار السياستين الخارجية وبالأخص الداخلية.
 
خلال أسابيع الخمسة، زار الرئيس البشير كل من الدوحة والقاهرة، في قطر حظي بدعم الأمير تميم، وعلاقات الرجل بأنقرة وثيقة لدرجة عالية، حتى أنه منح تركيا تسهيلات كبرى في جزيرة "سواكن"، البعض يقول إنها مدنية وعسكرية، والبعض الثاني ينزع الشق العسكري عنها ... هذا المحور، لا يمكن اتهامه بالعداء للسودان.
 
القاهرة التي تلعب دوراً مؤثراً في المحور الآخر، زارها البشير وأجرى محادثات مطولة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، وقبلها كان الأخير قد أوفد وزير خارجيته ومدير مخابراته إلى الخرطوم في بدايات الأزمة للاطمئنان إلى "حالة البلاد" ... السعودية، قائدة هذا المحور قالت إن أمن السودان جزء من أمن المملكة ... والإمارات والبحرين قالتا أشياء مماثلة، وإن بلهجات أخرى ... فهل يمكن اتهام أي من الدول الدائرة في فلك هذا المحور، بالتآمر على السودان، ودعم الفوضى وتشجيع التمرد على نظام الرئيس البشير؟
 
دمشق، كركن ركين في المحور الثالث، محور المقاومة والممانعة، زارها الرئيس البشير على متن طائرة روسية كما يقال، وقيل أيضاً أنه جاءها موفداً من المحور الثاني (القاهرة – الرياض – أبو ظبي)، وكانت الزيارة الأولى لزعيم عربي إلى دمشق، منذ اندلاع حرب السنوات الثمانية فيها وعليها ... فهل يمكن اتهام هذا المحور أو أي من أطرافه بالتآمر على السودان؟ ... وهل لدى هذا المحور ما يكفي من الوقت والجهد والمال والوسائل لإثارة كل هذه القلائل، وفي هذه البلاد البعيدة عن مجاله الحيوي؟
دول الجوار الأفريقي الفاعلة والمؤثرة في المشهد السوداني، تصرفت على نحو مسؤول، أثيوبيا، اللاعب الأفريقي المهم، دعم استقرار السودان وأمنه، وجنوب السودان، من مصلحتها استقرار الشمال، وقد قالت ذلك بوضوح، والشيء ذاته فعله ويقوله الاتحاد الأفريقي، الذي لا يرغب في رؤية كرة النار تتنقل من دولة أفريقية إلى أخرى.
 
هل هي إسرائيل؟ ... كان يمكن أن نصدق اتهامات من هذا النوع، لو أن "الانتفاضة السودانية" اندلعت قبل عشر سنوات ... يومها بلغ التآمر الإسرائيلي على السودان ذروة غير مسبوقة، حين كانت له علاقات وثيقة مع إيران وحماس، وضرب سلاح الجو الإسرائيلي أهدافاً في عمق السودان، وضرب سلاح الجو الأمريكي مصانع دواء سودانية في محيط الخرطوم ... اليوم، تبدو العلاقات السودانية مع الحليفتين الاستراتيجيتين على ما يرام ... حديث عن اتصالات من تحت الطاولة مع إسرائيل وفتح الأجواء من فوقها لرحلات "العال" الإسرائيلية ... وعلاقة مع واشنطن تنتظر استكمال رفع بقية العقوبات الدولية المفروضة على السودان ... من هي الأطراف التي تتآمر على هذا البلد، هل هي موسكو وبكين اللتان تحتفظان بعلاقات وثيقة مع الخرطوم، أم اللكسمبرغ والسلطة الفلسطينية؟ ... لست في الحقيقة من أنصار نظرية "تآمر الخارج" ... مشكلات السودان داخلية بامتياز، وحلولها داخلية كذلك، وبخلاف ذلك تضييع للوقت وإهدار للجهود وذر للرماد في العيون.